تربية وتعليم

أعداد تلاميذ التعليم الخاص تتراجع.. هل انطلقت الرحلة العكسية نحو التعليم العمومي؟

خلفت المعطيات التي كشفها شكيب بنموسى، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بداية الموسم الدراسي، المؤكدة لتراجع أعداد المتمدرسين الملتحقين بمدارس ومجموعات التعليم الخصوصي بالمغرب، تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التراجع، وما إن كان الأمر يتعلق بهجرة عكسية نحو التعليم العمومي.

بالمقابل، وخلال السنوات الماضية ظل التعليم العمومي ملجأ للأسر غير القادرة على تركه نحو الخاص، رغم الأعطاب الكثيرة التي ألمت به، غير أن ارتفاع أعداد المسجلين به هذا الموسم، يطرح أسئلة حل السر، ومدى ارتباطه بجاذبية المدرسة العمومية، التي ظلت العامل المفقود طيلة عقود من إصلاح الإصلاح.

أرقام بنموسى أكدت وجود تراجع في أعداد المسجلين بالتعليم الخاص، خلال الموسم الحالي، بنسبة 6.8 في المئة، بمختلف المستويات الدراسية، مقارنة بالموسم الماضي، في حين أن عدد التلاميذ الجدد الملتحقين بالتعليم العمومي شهد ارتفاعا بنسبة 2.4 في المئة مقارنة بالموسم الدراسي الماضي.

هذه المعطيات تُحيل على وجود رحلة عكسية من التعليم الخاص إلى التعليم العمومي، بعد أن ظل لسنوات مصدر جاذبية، غير أن تفسير هذه الظاهرة يؤكد أنها مؤقتة ومرتبطة بالشروط الاقتصادية، ولا يعكس تحولا في قناعات الأسر المغربية تجاه المدرسة العمومية.

تراجع الدخل الفردي

ومن جانبه، فسّر الأستاذ الجامعي والحقوقي، خالد البكاري، في تصريح ل”مدار21″، الزيادة في أعداد التعليم العمومي، بأن “الرقم عادي لأن هناك ملتحقين جدد وتلاميذ بلغوا سن التمدرس والتحقوا بالمتعلمين السابقين”.

وحول انخفاض العدد الإجمالي لتلاميذ الخاص، قال البكاري أنه في المغرب يوجد حوالي 8 ملايين تلميذ تقريبا، منها حوالي 900 ألف فقط توجد في التعليم الخصوصي، وهذا يعني أنه خلال العشر سنوات الأخيرة كان هناك وتيرة تصاعدية في أعداد تلاميذ التعليم الخصوصي قبل أن تعود للانخفاض.

وأشار البكاري أن هذا الانخفاض الحالي انطلق خاصة خلال الثلاث سنوات الأخيرة، منذ كورونا إلى الآن، وهو يعني، وفق المتحدث، أن “الطبقة المتوسطة بالدرجة الأولى تعيش تراجعا على مستوى الدخل الفردي، الأمر الذي يفسر هذا الانخفاض في أعداد تلاميذ التعليم الخاص”.

تعقيدات الانتقال

وأضاف الأستاذ الجامعي أن مجموعة من المديريات الإقليمية بوزارة التربية الوطنية تشهد وجود مشاكل يعيشها آباء وأولياء أمور التلاميذ مع بعض المدارس الخاصة، التي ترفض تسليمهم شهادة المغادرة، والدليل على ذلك الدورية التي أصدرها وزير التربية الوطنية لجعل الانتقال من التعليم الخاص إلى التعليم العام مثل الانتقال بين مدارس التعليم العمومي، لأن الانتقال من قبل كان يتطلب مجموعة من الوثائق من بينها موافقة المديرية الإقليمية.

وجود مثل هذه المشاكل، وفق البكاري، يعني أن ظاهرة نقل الآباء لأبنائهم من التعليم الخصوصي إلى التعليم العمومي “ظاهرة موجودة بقوة، ومن الصعب تفسيرها بأن الناس أصبح لديهم ثقة في التعليم العمومي، لأنه لا يعقل أن ينتقل المواطنون من الشك في التعليم العمومي إلى الثقة فيه في ظرف لا يتعدى سنتين”.

رهان العدد

ويؤكد خالد البكاري أنه في الوقت الذي تم وضع الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999، من الأمور التي كان يهدف إليها، أن يصبح في ظرف 10 سنوات 20 في المئة من التلاميذ في القطاع الخاص مقابل 80 في المئة بالتعليم العمومي، لكن نسبة المسجلين في التعليم الخاص اليوم لا تتعدى 14 في المئة، وهذا الرقم ثابت منذ عشر سنوات.

وتفسير ذلك يوجد، وفق الأستاذ الجامعي والحقوقي، في “الدخل الفردي الذي لا يسمح للمواطنين بتدريس أبنائهم في التعليم الخاص، أكثر مما يمكن اعتبار التعليم العمومي ذو جودة”، مع العلم أنه حتى مدارس الخصوصي لا توجد بها الجودة بمعاييرها الحقيقية، باستثناء بعض المدارس التي تعرف غلاء كبير في رسوم التسجيل، في حين أن التعليم الخاص الذي تلجه الطبقة المتوسطة، والذي تتراوح أثمنته بين 1000 و1500 درهم، لم يظهر الجودة المرجوة منه، يؤكد المتحدث.

الساعات الإضافية

ويسترسل البكاري في تصريحه ل”مدار21″ بأنه “الآن انتشرت ظاهرة أخرى أن الآباء ينقلون أبناءهم من التعليم الخصوصي إلى التعليم العمومي، مقابل اعتمادهم على الساعات الإضافية، إذ يختارون تأدية 300 أو 500 درهم مثلا في هذه الأخيرة، بدل أداء 1500 درهم دون وجود الجودة، لا سيما مع تدني الدخل والأوضاع الصعبة التي تعيشها الطبقة المتوسطة”.

رحلة عكسية مؤقتة

ويتابع الحقوقي خالد البكاري “قد نقول إن هناك رحلة عكسية من التعليم الخصوصي إلى التعليم العمومي، لكن هذا التوجه العكسي ظرفي، لأنه غير مرتبط بتحولات وقعت في المدرسة العمومية نحو الأفضل، بل هو مرتبط بتحولات حدثت عند الطبقة المتوسطة على مستوى الدخل الفردي، وإذا استمر تدهور هذه الطبقة سيستمر الانتقال من الخصوصي إلى العمومي”.

ويضيف البكاري في السياق نفسه أنه إذا تحسنت ظروف الطبقة المتوسطة، وبقي التعليم العمومي بأعطابه الحالية، يمكن للمدرسة الخصوصية أن تسترجع الزبناء الذين فقدتهم. وكان يمكن لهذا الانتقال أن يكون له معنى لو ارتبط بجودة التعليم العمومي.

جشع المدراس الخاصة

وحول ما إذا كانت اتهامات “الجشع” التي تلاحق المدارس الخاصة، لا سيما خلال فترة الجائحة سببا في هذا الانتقال، يقول البكاري أن عامل جشع المدرسة الخصوصية يوجد دائما، وطالما اشتكى الآباء وأولياء الأمور منه، وفي كورونا ظهر هذا الجشع بطريقة لم نكن نتصورها لا سيما في ظرفية كانت تتطلب التضامن والتآزر، غير أن هذا الوضع طالما تعايشت معه الأسر بمنطق “مُكره أخاك لا بطل”.

وأشار الأستاذ الجامعي خالد البكاري إلى أن الكثير من الأسر تذهب إلى التعليم الخاص، رغم الجشع وكل ما يقال، فقط من الجانب الأمني، لأن محيط المدارس العمومية يعرف غيابا للأمن، والآباء يفضلون التعليم الخاص لتوفره على الأقل على الحد الأدنى من الأمن، إذا فالجشع عامل موجود لكنه غير حاسم، والعامل الاقتصادي هو الذي يمكنه بالدرجة الأولى تفسير هذه الظاهرة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.