فن

تقنيو السينما والتلفزيون.. “نجوم الخفاء” في مواجهة استغلال لا ترصده الكاميرات

تقنيو السينما والتلفزيون.. “نجوم الخفاء” في مواجهة استغلال لا ترصده الكاميرات

خلف الأعمال السينمائية والمسلسلات التلفزيونية التي تعرض على الشاشات، يشتغل عشرات التقنيين في ظروف لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الأعمال الفنية ونجومها، في ظل إكراهات ترتبط بالأجور وساعات العمل والتغطية الصحية، إلى جانب إشكالات التعاقد وظروف الإقامة خلال فترات التصوير.

ورغم تعدد هذه الإكراهات، يبدو الحديث عنها محفوفا بالتخوف لدى عدد من التقنيين، الذين تحفظوا عن الإدلاء بشهاداتهم للجريدة، خشية الدخول في مشاكل مع شركات الإنتاج أو فقدان فرص العمل، باعتبار أن الاشتغال معها يشكل مورد رزقهم، فيما فضل آخرون عدم الخوض في الموضوع، أو أكدوا أن ظروف العمل جيدة.

وتكشف شهادات تقنيين يشتغلون في المجال عن ممارسات يقولون إنها أصبحت تؤثر على ظروف اشتغالهم، من بينها تقليص أيام التصوير وما يرافقه من ضغط على الأجور، وعدم التعويض عن ساعات العمل الإضافية، إلى جانب عدم تمكين بعضهم من نسخ عقودهم، والتأخر في صرف مستحقاتهم، وإشكالات أخرى مرتبطة بالتغطية الصحية والسلامة المهنية.

وتتخذ هذه الاختلالات بعدا أكثر حدة مع استحضار حالات مهنية انتهت بعواقب مأساوية، من بينها وفاة التقني الشاب عز الدين واريد خلال اشتغاله في تصوير عمل تلفزيوني، في واقعة تحمل عائلته مسؤوليتها لشركة الإنتاج “ميد برود”، متحدثة عن ظروف الإقامة والتعامل مع الوعكة الصحية التي تعرض لها قبل وفاته.

الخوف من الإقصاء.. الصمت مقابل فرص العمل

ويربط عدد من التقنيين الذين تواصلت معهم جريدة “مدار21” تخوفهم من الحديث عن كواليس الاشتغال بطبيعة عملهم بنظام “فريلانس”، وما يرافقه من تخوف من الإقصاء من المشاريع المقبلة، أو وضع أسمائهم ضمن ما وصفوه بـ”اللائحة السوداء”، إذ تفضل بعض شركات الإنتاج، بحسبهم، التعامل مع تقنيين لا ترتبط أسماؤهم بمشاكل أو مطالب مهنية.

ويجد التقنيون أنفسهم أمام معادلة صعبة، بين التعبير عن ظروف اشتغالهم والدفاع عن حقوقهم المهنية، وبين الحفاظ على فرص العمل التي توفرها لهم شركات الإنتاج، ما يفسر، بحسبه، تفضيل عدد منهم الصمت وعدم الدخول في أي خلافات مع هذه الشركات.

تقليص أيام التصوير والأجور أول المتضررين

وقال مدير تصوير، تحفظ عن الإفصاح عن اسمه، إن تغييرات عديدة طرأت على طبيعة اشتغال التقنيين خلال السنوات الأخيرة، موضحا أن الفيلم التلفزيوني الذي كان تصويره يستغرق في السابق ثلاثة أو أربعة أسابيع، أصبح ينجز اليوم في غضون ثمانية إلى عشرة أيام.

وأرجع المتحدث ذاته في حديثه لـ”مدار21″ هذا التحول إلى ما وصفه بوجود منفذي إنتاج بدل منتجين، باعتبار أن منفذ الإنتاج يشتغل وسيطا في العملية الإنتاجية، ما يدفعه إلى تقليص أيام التصوير بهدف خفض كلفة أجور التقنيين، الأمر الذي انعكس على مستوى هذه الأجور وجعلها تتراجع.

وأضاف أن منفذي الإنتاج أصبحوا يفضلون التعاقد مع التقنيين المقيمين في المدينة التي يجري فيها تصوير العمل، تفاديا لاستقطاب مهنيين من مدن أخرى وما يترتب عن ذلك من أعباء مالية إضافية، مشيرا إلى أن الاعتبارات المادية أصبحت تطغى على الجانب الفني، وأن السرعة في تنفيذ الأعمال لا تخدم المشاريع الفنية، بل تضر بها.

وتحدث مدير التصوير عن إكراهات أخرى مرتبطة بارتفاع الأسعار مقابل عدم تحسن أجور التقنيين، معتبرا أن الأوضاع المادية لهذه الفئة لم تواكب التغيرات التي يعرفها الواقع المعيشي.

وأشار إلى وجود ممارسات داخل بلاطوهات التصوير تتعلق، بحسبه، بالتحايل بشأن عدد العاملين في المشاريع خلف الكاميرا، بهدف تفادي أداء الأجور المستحقة، من خلال تقليص عدد التقنيين، إلى جانب إشكالات مرتبطة بشرط البطاقة الذي يضعه المركز السينمائي المغربي.

ولفت المتحدث أيضا إلى احتكار فرص العمل من خلال اعتماد بعض شركات الإنتاج على تقنيين معينين وإقصاء آخرين، بسبب تفضيل الاشتغال مع أشخاص يقبلون العمل وفق الشروط التي تضعها هذه الشركات، ما يفاقم البطالة في صفوف المهنيين.

“ما عندناش البيدجي”.. أجور تخضع للتفاوض

ومن جهته، قال مهندس صوت، إن شركات الإنتاج تبحث عن التقنيين الأقل أجرا لتنفيذ الأعمال التي تتولى إنتاجها، مشيرا إلى أن القانون الجديد تخلى عن تحديد سلم أجور التقنيين، الذي كان يحدد الحد الأدنى للأجور، ما أتاح لبعض الشركات، بحسبه، استغلال هذا الغياب لخفض الأجور ووضع المهنيين أمام خيار قبول العرض أو رفضه.

وأوضح في تصريحه للجريدة أن العبارة التي تتكرر خلال التفاوض بشأن الأجور هي “تعاون معنا ما عندناش البيدجي”، في إشارة إلى محدودية الميزانية، ما يجعل التقني مضطرا إلى القبول بالأجر المعروض أو التخلي عن فرصة العمل.

وبخصوص ساعات العمل، أفاد المتحدث بأن التعويض عنها يتم في بعض الحالات المرتبطة بتصوير الإشهارات، بينما لا يجري، في الغالب، تعويض التقنيين عن الساعات الإضافية خلال تصوير المسلسلات والأفلام.

وأضاف أن بعض شركات الإنتاج تتأخر في صرف المستحقات، بل إن التقنيين لا يتوصلون بأجورهم في بعض الحالات رغم عرض الأعمال التي شاركوا في إنجازها على الشاشات.

عقود غير مكتملة وإشكالات التغطية الصحية

ولا تتوقف الإشكالات التي يثيرها التقنيون عند حدود الأجور، بل تمتد إلى طريقة التعاقد مع شركات الإنتاج، إذ تحدث مهندس الصوت عن ممارسات قال إنها تحرم التقني من الحصول على نسخة من عقد العمل، بل يصل الأمر أحيانا إلى توقيعه على عقد يملأ بياناته من جهته فقط، في حين يظل المكان المخصص للشركة فارغا، ولا يتوصل بنسخته إلا بعد انتهاء العمل.

ويرى المتحدث أن الأمر يستدعي تشديد الرقابة على ظروف التعاقد، لضمان حصول التقنيين على عقود مكتملة وموقعة من الطرفين، وليس من طرف التقني وحده، إلى جانب إعادة الاعتبار للأجور حتى تتناسب مع متطلبات الوقت الراهن.

وأشار إلى أن التقني لا يعرف، عند توقيع العقد، البنود التي تلزم شركة الإنتاج في ما يتعلق بالتأمين وتوفير العناية اللازمة وغيرها من الالتزامات، ليجد نفسه أمام وثيقة تتضمن التزاما من جانبه دون وضوح مماثل بشأن التزامات الشركة.

من جهته، قال مدير التصوير إن التقني أصبح، بعد جائحة كورونا، يسجل في الضمان الاجتماعي بمجرد توفره على البطاقة المهنية، غير أن ذلك راكم مصاريف على التقنيين، إلى جانب الضرائب التي أنهكت كاهل المهنيين، معتبرا أن هذه الضرائب غير مبررة، خاصة أن التقني يشتغل بموجب عقد محدد المدة.

وأشار المتحدث إلى وجود تعاضدية للفنانين توفر التغطية الصحية المباشرة، غير أنه يتم التغاضي عنها، ما يخلق، بحسبه، تضاربا في هذا الجانب يكون التقني ضحيته.

وأكد أن الوضع الذي تعيشه هذه الفئة “مزري”، رغم أن المشاكل التي تواجهها معروفة، غير أن الصمت يظل سائدا، لأن التقني الذي يتحدث عن ظروف اشتغاله يصبح، بحسب تعبيره، هو المشكل والعائق.

التأمين والسلامة المهنية بين الشروط والواقع

وفي ما يتعلق بالتأمين على السلامة الصحية للتقنيين، أشار مدير التصوير إلى أن المركز السينمائي المغربي أصبح يفرض هذا الشرط داخل بلاطوهات التصوير للحصول على رخصة التصوير.

واعتبر مساعد مخرج، تحفظ أيضا عن ذكراسمه، أن الشرط الجديد الذي أصبح المركز السينمائي المغربي يفرضه على شركات الإنتاج، والمتعلق بالتأمين على العاملين داخل بلاطوهات التصوير، أصبح يوفر حماية للتقنيين، بعدما لم يكن هذا الإجراء قائما في السابق.

وقال مساعد المخرج إنه قرر التعامل بانتقائية مع فرص العمل، واختيار المشاريع التي تحترم الشروط التي يرى أنها تناسبه وتستحق المجهود الذي يبذله، مفضلا الاشتغال في عملين يحترمان هذه الشروط بدل المشاركة في عدد أكبر من الأعمال في ظروف غير ملائمة، سواء على مستوى الأجور أو ظروف الاشتغال.

وأوضح أنه اختار العمل بالأجر الذي يعتبره مستحقا، لأن المجهود المبذول من طرف التقنيين لا يحظى بالتقدير المناسب.

وأضاف أنه لم يعد مهتما بالاشتغال في عدد من الأعمال التي تكون ظروف العمل فيها صعبة للغاية، غير أن ذلك لا يمنع، بحسبه، من الاصطدام في أحيان كثيرة بواقع مترد على مستوى السكن والأكل، حتى عندما تكون باقي الشروط متوفرة، ما يضطر التقني إلى التأقلم مع الوضع.

وأشار إلى أن شركات الإنتاج لا تحترم حتى سلم الأجور القديم، الذي كان يحدد أجور التقنيين، ما يجعل التفاوض بشأن الأجر أمرا ضروريا قبل الاشتغال.

ويرى مساعد المخرج أن حل هذه الإشكالات يوجد بيد المركز السينمائي المغربي، باعتبار أن الإنتاجات تستفيد من المال العام، منتقدا ما وصفه بمفهوم خاطئ لدى بعض شركات الإنتاج، التي تتعامل مع الدعم العمومي باعتباره مالا خاصا بها، رغم أنها تتولى تنفيذ الإنتاج بتمويل من المال العام، كما أنها تشتغل وفق “بريم” وتتقاضى أجرا، شأنها شأن التقنيين.

من جانبه، اعتبر مدير التصوير أن التقنيين يشتغلون في ظل مشاكل متعددة، رغم أن عددا منها معروف داخل القطاع، غير أن التعبير عنها يظل محدودا بسبب التخوف من تداعيات ذلك على فرص العمل.

وفاة عز الدين واريد.. العائلة تتحدث عن ظروف اشتغاله

وتبرز واقعة وفاة التقني الشاب عز الدين واريد، الذي توفي بعد تدهور حالته الصحية خلال اشتغاله في تصوير عمل تلفزيوني، جانبا آخر من الإشكالات المرتبطة بظروف العمل، وفق الرواية التي قدمتها عائلته للجريدة، والتي تحمل شركة الإنتاج مسؤولية وفاته، معتبرة أن الإهمال وعدم توفير الرعاية اللازمة لحالته الصحية ساهما في وقوعها.

وأوضحت العائلة أن عز الدين وافق، إلى جانب مجموعة من التقنيين، على الاشتغال في عمل ثان، من أجل استخلاص المبالغ المتبقية من أجورهم عن مشاركتهم في عمل “كلم 7”.

وأضافت أن التقنيين فوجئوا، بعد انتقالهم للاشتغال في العمل الثاني، بظروف مزرية على مستوى المبيت، إذ اضطروا إلى افتراش الأرض في أجواء باردة ودون توفير أغطية، قبل أن يتم حجز فندق لهم في اليوم الموالي.

وحسب رواية العائلة، شعر عز الدين بألم في بطنه خلال اليوم الأول من التصوير، قبل أن تزداد حالته سوءا مع مرور الساعات، في وقت قدم له فيه زملاؤه الإسعافات الأولية، في غياب أي تدخل من طرف الإنتاج.

وأضافت أن التقني نقل بعد ذلك إلى مستوصف الحي، حيث أكد الطبيب ضرورة نقله إلى مصحة ومتابعة حالته من طرف طبيب مختص في أمراض القلب، غير أنه، بحسب العائلة، أعيد إلى الفندق دون الاستجابة لهذه التوصية، وترك دون تدخل أو توفير الرعاية والأكل.

وأوضحت العائلة أن عز الدين تواصل معها لإخبارها بتدهور حالته الصحية، قبل أن تتدخل وتنقله إلى مصحة خاصة، مستنكرة ما وصفته بالإهمال المتعمد والاستهانة بأرواح التقنيين، مشيرة إلى أن عز الدين شعر بالظلم والاحتقار بسبب عدم إيلاء أي اهتمام لحالته الصحية المتدهورة.

وأضافت أنه جرى نقله لاحقا إلى مصحة خاصة، حيث توفي على أبوابها، محملة شركة الإنتاج المسؤولية عما وقع، ومشيرة إلى أن التقارير الطبية أكدت، بحسبها، إمكانية إنقاذه في الوقت الذي تعرض فيه للوعكة الصحية.

وفي المقابل، أكدت شركة الإنتاج “ميد برود” أن فريق العمل تدخل فور شعوره بالتعب، ونقله إلى مستشفى عمومي لإجراء الفحوصات، قبل إعفائه من العمل وإعادته إلى الفندق لتمكينه من الراحة.

وأضافت الشركة في ردها على طلب الجريدة توضيحات بشأن رواية عائلة الفقيد، أن أفرادا من الفريق التقني اطمأنوا على حالته، وأن منسق الإنتاج ظل على تواصل معه إلى حين تلقي خبر وفاته لاحقا، إثر ما أُبلغت بأنه سكتة قلبية.

ونفت الشركة التقصير في تقديم المساعدة والرعاية، مؤكدة أنها وضعت الوثائق التي تدعم روايتها رهن إشارة السلطات المختصة، وأن المعنيين بالواقعة استُدعوا للاستماع إلى إفاداتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News