توزيع الأفلام بالمغرب.. الاحتكار يخنق الإبداع وأصابع الاتهام تشير لـ”ميغاراما”

لا تنتهي معركة الفيلم السينمائي المغربي بانتهاء التصوير، بل تبدأ بعدها مرحلة حاسمة تتوقف عليها فرص وصوله إلى الجمهور ومردوديته التجارية، وهي التوزيع، غير أن هذه الحلقة الأساسية في الصناعة السينمائية باتت محط انتقادات في أوساط منتجين وصناع أفلام يشتكون من سوق تضيق فيها المنافسة، ويتراجع فيها حضور الموزعين المستقلين، مقابل تنامي نفوذ عدد محدود من الشركات التي تتحكم في مسار الأعمال من قاعات الإنتاج إلى شاشات العرض.
وتتجاوز الانتقادات مجرد صعوبة العثور على موزع، لتطال طبيعة العلاقة بين التوزيع واستغلال القاعات السينمائية، في ظل اتهامات بوجود اختلال في توازن القوى داخل السوق، يجعل بعض المنتجين أمام خيار شبه إجباري، هو التعامل مع شركة توزيع بعينها لضمان فرص عرض أفضل لبرمجة أفلامهم، خصوصا داخل شبكة “ميغاراما” التي تستأثر بحصة الأسد من الأعمال الوطنية.
وبحسب إفادات مهنيين، فإن عدم المرور عبر القناة سالفة الذكر قد يعرض الفيلم لبرمجة في توقيت غير ملائم، ينعكس على إقبال الجمهور ومداخيل العمل، ويجعل قرار التوزيع مؤثرا ليس فقط في تسويق الفيلم، بل أيضا في حظوظه التجارية.
ويكتسب هذا النقاش أبعادا أكبر بعد إقرار القانون الجديد الذي يمنع الجمع بين نشاطي التوزيع والعرض، إذ يرى منتجون أن الفصل القانوني لم ينهِ بالضرورة تمركز السوق، بل أفضى إلى بروز شركة توزيع يُتداول في الوسط السينمائي أنها مرتبطة بميغاراما، ما جعل التعامل معها، وفق رواياتهم، خيارا أساسيا أمام عدد من المنتجين، في وقت غادر فيه موزعون آخرون السوق وتقلصت المنافسة، وهي اتهامات تنفيها مالكة شركة “بريميوم فيلم سينما”، مؤكدة استقلال شركتها وعدم تبعيتها لميغاراما، ومُرجعة إقبال المنتجين عليها إلى خبرتها وطريقة اشتغالها في التسويق والترويج.
ولا يقف جوهر الأزمة، وفق مهنيين، عند الجهة التي تتولى إدخال الفيلم إلى القاعات، بل يمتد إلى الدور الفعلي للموزع في صناعة فرص نجاحه، فالتوزيع لا يُفترض أن يكون مجرد حلقة تقنية لتأمين العرض، وإنما عملية متكاملة تشمل اختيار توقيت مناسب، وبناء استراتيجية للتواصل والترويج، واستقطاب الجمهور، والعمل على ضمان استمرارية الفيلم في القاعات. إذ بين اتهامات بالاحتكار وضعف المنافسة، وردود تنفي هذه الصورة، يبرز واقع التوزيع باعتباره إحدى أكثر حلقات الصناعة السينمائية حساسية وتأثيرا في مصير الفيلم المغربي.
التوزيع لا ينتهي بإدخال الفيلم إلى القاعات
وقال المنتج الحسين حنين في تصريح لجريدة “مدار21” إن شركة معروفة تتولى توزيع الأفلام في قاعات ميغاراما باتت، بحسب تقديره، تحتكر حصة مهمة من السوق، موضحا أن المنتج قد يجد نفسه أمام مخاطرة إذا اختار عدم التعامل معها، إذ يمكن أن ينعكس ذلك على ظروف برمجة فيلمه، من خلال عرضه في توقيت غير مناسب، كمنتصف النهار أو في ساعات متأخرة.
وأضاف حنين أن القانون الجديد الذي يمنع الجمع بين التوزيع والعرض دفع، وفق ما هو متداول في الوسط الفني، إلى إحداث شركة للتوزيع يُعتقد أنها مرتبطة بميغاراما، الأمر الذي ساهم، في نظره، في إضعاف المنافسة وتراجع حضور الموزعين المستقلين.
واستحضر المنتج تجربته السابقة في توزيع فيلمه بنفسه، قبل دخول القانون الجديد حيز التطبيق، والذي منع أيضا إمكانية المنتج توزيع فيلمه بنفسه، موضحا أن من أبرز الصعوبات التي واجهته اختيار توقيت مناسب للعرض، إذ قد تُقترح أشهر لا تخدم الفيلم، مثل فصل الصيف، إلى جانب التحديات المرتبطة بالتواصل والتسويق، خصوصا أن المنتج لا يمتلك بالضرورة الخبرة اللازمة في هذا المجال.
وأشار إلى أن تجربته في توزيع فيلم وثائقي كانت أكثر صعوبة، بالنظر إلى محدودية عدد القاعات التي تعرض هذا الصنف من الأعمال، وصعوبة إقناع مستغلي القاعات ببرمجته، باعتبار أن بعضهم لا يرى في الفيلم الوثائقي فرصة تجارية مضمونة.
واعتبر حنين أن المغرب لا يتوفر على سوق سينمائية واسعة بما يكفي لاستيعاب هذا النوع من الإنتاجات، مضيفا أن عددا من المنتجين الذين تولوا توزيع أفلامهم بأنفسهم لا يحققون مداخيل توازي تكاليف العرض، بل قد يضطرون أحيانا إلى دفع مبلغ العرض الأول، الذي قد يعادل ما يمكن أن يعود عليهم من مداخيل الفيلم.
وربط ذلك، من بين عوامل أخرى، بمحدودية إقبال الجمهور على أفلام سينما المؤلف، مقارنة بالأعمال التجارية التي تحظى بحضور أكبر في القاعات.
دور الموزع يتجاوز توفير القاعات
من جهته، قال منتج تحفظ عن ذكر اسمه إن الدور الأساسي للموزع لا يقتصر على إدخال الفيلم إلى القاعات السينمائية، بل يشمل التسويق والترويج له، والعمل على ضمان استمرارية عرضه لأسابيع محددة، موضحا أن نشاط التوزيع يتخذ، أساسا، شكلين، إما استقطاب الأفلام الأجنبية لعرضها في المغرب، أو تولي تسويق الأفلام الوطنية والترويج لها وتأمين وصولها إلى القاعات.
وأضاف في تصريح لجريدة “مدار21” أن الأفلام المغربية تجد نفسها مضطرة، في نظره، إلى المرور عبر شركة ميغاراما بشكل غير مباشر، بالنظر إلى أهمية القاعات التي تستغلها ميغاراما وباطي في سوق العرض السينمائي، معتبرا أن الفصل القانوني بين التوزيع والعرض لم ينهِ، بالضرورة، الإشكالات المرتبطة بالعلاقة بين النشاطين.
وأوضح المتحدث أن الأفلام التي ترى ميغاراما أنها قادرة على تحقيق مكاسب تجارية يمكن أن تحظى بفرص عرض أوسع، في حين أن تعدد الشاشات داخل القاعات الكبرى يتيح استمرار عرض العمل لفترة أطول مقارنة بالقاعات التي لا تتوفر على العدد نفسه من الشاشات.
وفي ما يتعلق بعدد الموزعين، قال إن السوق المغربية تضم عددا محدودا جدا من الفاعلين، مشيرا إلى أن ثلاثة أسماء تبرز في هذا المجال، وأن عددا من الموزعين غادروا السوق بسبب ما وصفه بالاحتكار من طرف شركة أو شركتين، مضيفا أن بعضهم “أنزلوا السلاح” أمام صعوبة الاستمرار في هذه الظروف.
وبحسب المتحدث ذاته، فإن الأفلام الوطنية التي تحقق مداخيل مهمة للقاعات تستفيد من استمرار عرضها، لكونه يخدم مصالح الطرفين، بينما تغادر الأعمال التي لا تحقق إقبالا جماهيريا القاعات بشكل تلقائي.
مالكة “بريميوم فيلم سينما”: شركتي مستقلة ولا تحتكر التوزيع
في ردها على هذه الاتهامات، نفت مالكة شركة “بريميوم فيلم سينما”، المكلفة بتوزيع الأفلام في القاعات السينمائية المغربية، في اتصال هاتفي أجرته الجريدة معها، للحصول على ردها في الموضوع، أن تكون شركتها محتكرة للسوق، مؤكدة أنها شركة توزيع مستقلة، شأنها شأن عدد من الشركات العاملة في المجال.
ونفت أن تكون الشركة قد أُحدثت باعتبارها امتدادا لميغاراما، عقب صدور القانون الذي يمنع الجمع بين نشاطي التوزيع والعرض، موضحة أنها اشتغلت في ميغاراما لسنوات طويلة واكتسبت خبرة في المجال، قبل أن تقرر تأسيس شركتها الخاصة والمستقلة.
وقالت إنها راكمت تجربة امتدت إلى نحو 25 سنة في العمل بالتوزيع مع ميغاراما، قبل أن تؤسس شركتها الخاصة قبل أشهر، معتبرة أن الخبرة التي اكتسبتها خلال مسارها المهني هي التي مكنتها من إطلاق مشروعها المستقل.
وأرجعت إقبال المنتجين على شركتها إلى طريقة اشتغالها وطبيعة الخدمات التي تقدمها في مجال الترويج والتواصل بشأن الأعمال السينمائية، معربة عن استغرابها من ربط عرض الأفلام بميغاراما وحدها، ومؤكدة أن الأفلام التي تتعاقد على توزيعها تُعرض أيضا في قاعات باطي.
وبخصوص توقيت العرض والامتيازات التي قد تحظى بها بعض الأفلام داخل القاعات، أوضحت أن ذلك يرتبط بمدى الرهان على العمل وبالمكاسب المادية التي يُتوقع أن يحققها، معتبرة أن قرارات البرمجة تتأثر بالاعتبارات التجارية المرتبطة بكل فيلم، وهو أمر يرتبط بقاعات السينما، وليس بالموزعين.
وشددت على أن الموزع مطالب بدراسة المشروع ومشاهدة الفيلم قبل اتخاذ قرار التعاقد بشأنه وتحديد استراتيجية العمل، موضحة أنها لا تمنح المنتجين وعودا مسبقة بشأن مدة عرض الأفلام في القاعات، وإنما تلتزم بالترويج والتسويق لها، خاصة أهمية حضور أبطالها ومواكبة عروضها الأولى وتتبع مسارها خلال فترة العرض.





