الدلالات السياسية والآثار القانونية لإنهاء مهام المينورسو

لا يزال الرأي العام يتابع النقاش حول المواقف الأخيرة بمجلس الأمن الدولي، والتي أدت لإنهاء مهام المينورسو بشكل رسمي بتاريخ 31 أكتوبر 2026، وهو موقف تاريخي يجب الوقوف عنده بشكل أكثر تفصيلا مما هو متداول في النقاش العمومي.
فوجود المينورسو في الأساس كان الهدف منه تنظيم الاستفتاء في الصحراء المغربية، قبل أن يتم تكليفها بمراقبة وقف إطلاق النار، وبالتالي فإن إنهاء مهامها بهذا الشكل يعني بشكل تلقائي الإسقاط الرسمي والنهائي لخيار الاستفتاء في أقاليمنا الجنوبية، ولا يمكن لأي طرف دولي أن يطالب مستقبلا بهذا الأمر.
فالأمم المتحدة سبق لها خلال العقدين الأخيرين أن خلصت لاستحالة تنظيم الاستفتاء، وبالتالي فإن موقف مجلس الأمن الأخير يعتبر ليس فقط إنهاءً رسميا لمهام بعثة المينورسو، وإنما أيضا إسقاطا رسميا لخيار الاستفتاء بشكل نهائي وغير قابل للرجوع إليه.
وإذا كان البعض قد تفاجأ بالموقف الروسي، إلا أن الدبلوماسية المغربية كانت جد مستوعبة لتطورات الأحداث بأروقة مجلس الأمن أياما قبل تصويته على القرارين، وليس فقط قبل ساعات، وكان إصدار الديوان الملكي للبلاغ عشية التصويت دليلا بيّنا على وضوح الرؤية وتوقع ما حدث والقدرة على التوقع واستباق الأحداث واتخاذ ما يلزم من القرارات على أعلى مستوى من هرم السلطة.
الدلالات السياسية للتصويت على مشروع القرار الأمريكي:
مشروع القرار الامريكي الذي صوتت روسيا ضده، حاز على 11 صوتا مع امتناع أربعة دول، غير أن الأهم سياسيا يكمن في مضمون المشروع والمقتضيات والبنود التي وافقت عليها جل الدول الأعضاء بمجلس الأمن الدولي، وهو أمر له دلالة سياسية عميقة ولا يمكن الاستهانة به أو تبخيسه أو تجاهله.
فالدول التي صوتت مع مشروع القرار الأمريكي وافقت ضمنيا على جميع بنوده الرئيسية، ومن ضمنها كل من بريطانيا وفرنسا وعدد من الدول الأوربية، إضافة الدول الإفريقية (باستثناء الصومال) ومن أمريكا اللاتينية وآسيا (باستثناء باكستان التي امتنعت عن التصويت).
فهاته الدول التي صوتت مع مشروع القرار الأمريكي توافق ضمنيا وتلقائيا على جميع البنود التي تضمنها، وإلا كانت أعلنت خلاف ذلك صراحة، وبالتالي فقد وافقت على اعتبار “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد القابل للتطبيق”، بوصفه “الأساس الوحيد للتفاوض“.
كما تضمن مشروع القرار التنصيص على “التشاور مع طيف واسع من مكونات المجتمع الصحراوي والجهات المعنية سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو في الشتات“، ثم “تغيير اسم بعثة الأمم المتحدة ليصبح MINUSO“، وهو معطى مهم جدا من الناحية السياسية والقانونية.
الآثار القانونية لتصويت مجلس الأمن:
إن الآثار القانونية لهذا التصويت تبدو واضحة، ولا يمكن بالتالي لأي طرف دولي أو إقليمي أن يتحدث مستقبلا عن إجراء الاستفتاء لأنه سيكون متناقضا مع التوجهات الرسمية للأمم المتحدة ولمجلس الأمن الدولي نفسه.
فآخر موقف رسمي لمجلس الأمن هو ما تضمنه القرار رقم 2797 بتاريخ 31 أكتوبر 2025، باستثناء البند المتعلق بالمينورسو والذي تم إسقاطه رسميا عبر رفض المجلس تمديد هاته البعثة.
وبالتالي فإن الوضع القانوني في الأقاليم الجنوبية للمملكة أصبح يختلف جذريا عما سبق، ولا يمكن لأي طرف أن يناقش أي موضوع خارج ما اتفق عليه مجلس الأمن سابقا بخصوص اعتماد الحكم الذاتي حلا وحيدا متاحا للتفاوض بشأنه.
وبمقابل ذلك، يعتبر اعتراف غالبية الدول وضمنها القوى العظمى بسيادة المغرب على صحرائه ذا اهمية بالغة في ظل التطورات القانونية الأخيرة، إذ إن الاعتراف الدولي تكون آثاره أكثر أهمية في ظل هاته الظروف، وسيترسخ هذا الأمر بسريان الاتفاقيات الدولية وشمولها كامل التراب الوطني، وهو ما تحرص عليه المملكة في علاقاتها الدولية.
وميدانيا يعتبر المغرب في موقع قوة أكثر من أي وقت مضى، ولا يمكن لأي طرف أن ينازع في استمرار بسط سيادة المملكة وترسيخها على كامل الأقاليم الجنوبية، وهو الواقع الذي سيتعزز ميدانيا.
وعلى العموم فإننا نسجل النضج الكبير الذي يميز تدبير الدبلوماسية المغربية لهذا الملف الذي يمثل أولوية مطلقة للمملكة، سواء من حيث الاطلاع المسبق لمواقف القوى الدولية، وللتفاعل معها بمهارة وحنكة غير مسبوقة، مما تسبب في ارتباك واضح لخصوم المغرب، وهو ما يبدو جليا من تناقض مضامين بلاغات الجزائر والبوليزاريو، مقابل تأكيد القوى الكبرى وغالبية أعضاء مجلس الأمن على السيادة المغربية وعلى الحكم الذاتي.





