نظيف: أرفض اختزال فيلمي في “التحول الجندري” وأطرح قضايا أعمق حول الأبوة والأسرار

من رواية ظل مقتنعا بها أربعين سنة إلى حقيقة تقلب حياته رأسا على عقب، يجد فريد نفسه أمام ماضٍ لم يكن يعرف عنه سوى ما أخفته عنه أسرته، فبعد سنوات من الاعتقاد بأن والده غادر المنزل من أجل امرأة أخرى، تقوده رسالة من كندا إلى اكتشاف أن عز الدين، الذي غاب عن حياته، أصبح “عزيزة” واختار أن يعيش بهويته في مونتريال.
ومن خلال هذا التحول، ينسج المخرج والمؤلف محمد نظيف حكاية فيلمه “وارث الأسرار” تتجاوز مفاجأة اكتشاف الحقيقة، لتغوص في جراح الهجر وأثر الأسرار العائلية، وفي رحلة ابن يحاول فهم والده، فيكتشف في الوقت نفسه جوانب جديدة من ذاته.
ويؤكد محمد نظيف في حوار أجرته معه جريدة “مدار21” أنه لا يقدم فيلمه باعتباره مرافعة للدفاع عن أطروحة محددة، ولا يرغب في اختزاله في قضية التحول الجندري، بل ينطلق من قصة إنسانية تتشابك فيها أسئلة الهوية والأبوة والحب والكذب ومسؤولية الفرد تجاه نفسه ومحيطه.
ومن خلال اختيار وجهة نظر الابن، يضع المخرج المشاهد أمام جرح فريد، من دون أن يغفل تجربة الأب الذي لم يعد قادرا على الاستمرار في حياة لا تشبهه، أو حق الزوجة في معرفة الحقيقة، وبين هذه المواقف المتداخلة، يترك الفيلم للجمهور مساحة لفهم الشخصيات والحكم على اختياراتها، في عمل يراهن، بحسب مخرجه، على فتح باب النقاش بدل فرض أجوبة جاهزة.
وفي ما يلي نص الحوار:
تنطلق الحكاية من اعتقاد فريد أن والده غادر الأسرة من أجل امرأة أخرى، قبل أن يكتشف حقيقة مختلفة. كيف بنيتم هذا التحول في مسار القصة، وما الرسالة التي تريدون إيصالها للجمهور؟
منذ البداية، كان يهمني أن يكتشف المتفرج الحقيقة بالطريقة نفسها التي تكتشف بها الشخصية الرئيسية، فريد، هذه الحقيقة، فقد عاش قرابة أربعين سنة مقتنعا برواية واحدة، مفادها أن والده ترك الأسرة من أجل امرأة أخرى، إلى أن تصله رسالة من كندا تقلب هذه الرواية رأسا على عقب.
لكن هذا التحول، بالنسبة إليّ، ليس مجرد مفاجأة سينمائية، لأن الأهم هو ما يحدث لفريد بعد اكتشافه حقيقة والده، فهو يمر في البداية بمرحلة الصدمة والرفض، ثم ينتابه الفضول لمعرفة الحقيقة، قبل أن يصل في النهاية إلى محاولة الفهم، وصولا إلى تقبّل هذه الحقيقة.
يسافر فريد إلى مونتريال، وتبدأ خلال هذه الرحلة رحلة البحث عن والده والتعرف إليه، لكن هذا المسار، بالنسبة إليّ، ليس بحثا عن الأب بقدر ما هو بحث عن الذات.
إنها رحلة جغرافية بين الدار البيضاء ومونتريال، لكنها في الوقت نفسه رحلة داخلية ، فالفيلم مبني على هذا المسار الطفولة، ثم اكتشاف الحقيقة، فالسفر إلى مونتريال، والعودة إلى الدار البيضاء، إذ يعود فريد شخصا آخر، بقناعات جديدة وتصور مختلف.
أما الرسالة، فعلى الرغم من أن الفيلم يحمل رسائل عديدة غير مباشرة، يتلقاها كل مشاهد بحسب مرجعيته، فإن أبرز ما أريد قوله هو أن الحقيقة قد تكون مؤلمة، لكن الكذب والأسرار والصمت داخل العائلة قد تترك جروحا تستمر لسنوات طويلة، فالأسرار والأكاذيب داخل العائلات قد تكون لها عواقب ممتدة، وأحيانا، حين نحاول فهم الآخر، نكتشف أشياء كثيرة عن ذواتنا.
كيف تجنبتم تحويل شخصية الأب إلى مجرد وسيلة لطرح قضية التحول، وحرصتم على بنائها كشخصية إنسانية متعددة الأبعاد؟
كان هذا الجانب مهما بالنسبة إليّ، لأنني لم أرغب في أن يتحول عز الدين، أو عزيزة، إلى مجرد موضوع أو رمز لقضية، بل أردت أن نكتشف الشخصية بالتدريج، أولا من خلال ذاكرة فريد الابن، والعودة إلى الماضي واليوميات والرسالة، ثم من خلال الأم أمينة، والدة فريد، وبعد ذلك في مونتريال، من خلال شادية وحياة عزيزة هناك في كندا.
من خلال هذا المسار، نكتشف الجانب الإنساني للأب الحنون الذي كان يحب ابنه، وللزوج الذي أخفى حقيقة عن زوجته، وللإنسان الذي وصل إلى مرحلة في حياته لم يعد يستطيع فيها الاستمرار في حياة لا تشبهه.
ونكتشف لاحقا أن عزيزة بنت حياتها في مونتريال، وأصبحت حاضرة في حياة الآخرين، وتساعدهم، فهي إنسانة إيجابية وناشطة في الجمعيات وتقدم المساعدة للآخرين.
لكنني، في الوقت نفسه، لم أرغب في تبرئة الشخصية من كل شيء، فهناك ابن عاش أربعين سنة من دون أب، وهناك زوجة من حقها أن تعرف الحقيقة منذ البداية، لأنه لم يصارحها بها، وكان من حقها أن تختار ما إذا كانت تريد الإنجاب معه أم لا.
في الفيلم، لا توجد شخصية بريئة مئة في المئة أو مذنبة مئة في المئة، فكل شخصية تحمل جوانب إيجابية وسلبية، مثل جميع البشر، ولكل شخص حقيقته ومخاوفه وآلامه وتناقضاته.
هل يطرح الفيلم التحول الجندري باعتباره حرية فردية، أم باعتباره تجربة إنسانية معقدة تتداخل فيها الهوية والعائلة والمجتمع؟
بالنسبة إليّ، هو قبل كل شيء تجربة إنسانية معقد، صحيح أن سؤال الحرية الفردية مطروح، أي إلى أي حد يحق للإنسان أن يعيش حقيقته، خصوصا إذا كانت مختلفة عما ينتظره منه المجتمع، لكن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد، لأن أي اختيار فردي يقع، بالنسبة إليّ، داخل شبكة من العلاقات.
في الفيلم، هناك زوجة وطفل وأسرة ومجتمع ونظرته، إضافة إلى الخوف من الفضيحة، خصوصا في الثمانينيات، وفي الوقت نفسه مسؤولية الإنسان تجاه نفسه.
لهذا، يطرح الفيلم أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة، بين الهروب من المجتمع إلى بلد آخر، ومحاولة إقناع الآخرين، أو اختيار الصمت والعيش في كذبة وارتداء قناع أمام المجتمع، وبين الشجاعة والكشف عن الحقيقة، كما يطرح سؤالا آخر ماذا يحدث حين تصبح حقيقة شخص مصدر عار داخل الأسرة؟
لا أقدم الموضوع في الفيلم باعتباره حرية فردية وحسب، بل أتحدث عن حق الإنسان في أن يكون نفسه، غير أن هذا الأمر قد يؤثر في أشخاص آخرين، ويدخله في صراع مع المقربين منه، ومن هنا تبدأ الدراما الحقيقية، فعز الدين حاول أن يعيش بهويته ووضعه، لكن هذا الأمر صدم أقاربه.
هل يسعى الفيلم إلى الدفاع عن حق الفرد في اختيار هويته؟
شخصيا ، لا أحب القول إن فيلما ما يدافع عن أطروحة، وهذا ما حاولت تجنبه في هذا العمل، فهو ليس مرافعة ولا خطابا جاهزا يفرض نظرة معينة.
من المؤكد أنه يطرح مسألة أحقية الإنسان في أن يعيش حقيقته، كما يطرح ضرورة ألا نحول الاختلاف إلى مصدر للخوف من الآخر ورفضه، أو إلى أمر يجلب العار، وفي الوقت نفسه، لا يلغي الفيلم أثر القرارات في الآخرين.
ما يهمني هو أن يحاول المتفرج، طوال ساعتين، أن يضع نفسه مكان الشخصية، حتى وإن كانت مختلفة عنه تماما، وهذه هي قوة السينم، ففي قاعة العرض، ومن خلال الجلوس أمام الشاشة طوال مدة الفيلم، نحاول أن نضع أنفسنا في موقع الشخصية، إذ تتيح لنا السينما أن نعيش تجربة الآخر من الداخل، من دون أن نتفق معه بالضرورة.
ويمكنني أن أختم إجابتي بالقول إن الهدف هو فتح باب للتساؤل، قد يقود إلى نقاش هادئ وإلى قدر من الفهم للإنسان والنفس البشرية، وليس فرض إجابة جاهزة.
هل يمكن للسينما المغربية أن تفتح نقاشا حول التحول الجندري من خلال قصة إنسانية، في مجتمع ما تزال فيه هذه الموضوعات شديدة الحساسية؟
أعتقد أن هذا أحد أدوار السينما، لكن المهم هو طريقة المعالجة، فإذا افتتحت الفيلم منذ البداية بمحاولة إقناع الجمهور بموقف معين، فإن جزءا ا كبيرا منه سيغلق الباب قبل أن تبدأ القصة، لذلك، انطلقت من جانب إنساني جدا، فالقصة، ببساطة، تحكي عن طفل فقد والده، وكبر مقتنعا بأن والده اختار تركه وترك والدته، وهذا شعور يمكن لكل شخص أن يفهمه، بما فيه الإحساس بالهجر والفقد، وأثر الأسرار العائلية وتبعاتها، والغضب والرغبة والفضول لمعرفة الحقيقة.
بالنسبة إليّ، لا تكمن الجرأة في إحداث صدمة لدى الجمهور، بل في قدرة السينما على التطرق إلى الموضوعات الصعبة من دون خوف، وفي الوقت نفسه، من دون احتقار قناعات الناس أو الرغبة في استفزازهم، فأنا لا أبحث عن الصدام، بل أسعى إلى تكريس دور السينما في التقريب بين الناس إنسانيا قبل اختلافهم فكريا.
هل تتوقعون أن يثير الفيلم جدلا في المغرب بالنظر إلى حساسيته، وهل تعتقدون أن المغاربة مستعدون لمناقشة موضوع التحول من خلال السينما؟
بالتأكيد، أتوقع ردود فعل مختلفة، وأنا واعٍ بأن الموضوع حساس في المغرب والعالم العربي وفي مجموعة من الدول، ولا أعتقد أن الجميع سيدخلون إلى الفيلم بالخلفية نفسها أو سيغادرونه بالرأي ذاته، لكنني لا أخشى الاختلاف، على العكس، إذا غادر الجمهور قاعة العرض وفتح باب النقاش، فهذا يعني أن الفيلم ترك أثرا.
ما لا أحبذه هو اختزال الفيلم قبل مشاهدته في عبارة “فيلم التحول الجندري”، لأنه، بالنسبة إليّ، فيلم عن الأبوة والحب والكذب والأسرار داخل العائلة، وأهمية الذاكرة، ونظرة المجتمع وسلطتها، وعن شخص يكتشف، بعد أربعين سنة، أن حياته كانت مبنية على اختيارات أشخاص آخرين.
لم أصنع فيلما لإرضاء طرف أو آخر، إنه عمل يطرح أسئلة ويظل مفتوحا على التأويل، وما أراه أساسيا أنه فيلم يحمل قصة قادرة على خلق نقاش، وهذا أمر إيجابي.
أما بشأن مدى استعداد المغاربة، فشخصيا لا أحب أن أحكم نيابة عن الجمهور، فهو متنوع وذكي، دورنا هو تقديم الفيلم، وبعد ذلك يحق للجمهور أن يناقش أو يرفض أو يقبل أو يختلف.
لقد اخترت الرؤية التي كانت تعنيني دراميا ، لأن الرواية المقتبس منها الفيلم تتيح فرصة سرد القصة إما من منظور الأب أو الابن، وأنا اخترت، من الناحية الدرامية، موقع الابن الذي يكتشف، بعد أربعين سنة، أن الحقيقة التي عاش على أساسها لم تكن الحقيقة كاملة.
هل أردتم من السيناريو أن يدفع الجمهور إلى التعاطف مع الأب، أم أن تتركوا للمشاهد مساحة للحكم على قرارات الشخصيات؟
بالتأكيد، أرغب في أن أترك مساحة كبيرة للجمهور، فلو كان هدفي مجرد دفعه إلى التعاطف مع الأب، لكان بإمكاني أن أحكي الفيلم كاملا من وجهة نظر عز الدين، وأن نعيش معه مباشرة جميع مراحل التحول والمعاناة، لكنني اخترت وجهة نظر فريد الابن، ليبدأ الجمهور رحلته من جرح الابن، فالأب غاب، وعاش الابن أربعين سنة مقتنعا بأن والده تركه.
هذه الحقيقة العاطفية لا تختفي لمجرد أننا اكتشفنا سبب رحيل الأب، فالفيلم ينطلق من اللحظة التي يكتشف فيها فريد أن والده لم يترك والدته من أجل امرأة أخرى، بل لأنه يشعر بأنه امرأة، وأنه غادر ليعيش هويته.
ومع تقدم الأحداث، نفهم عز الدين، الذي أصبح عزيزة، ونتعرف إلى الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ هذا القرار، كما نفهم الزوجة أمينة ومحيطها، وندرك لماذا تصرفت الشخصيات انطلاقا من مخاوفها وآلامها ورغباتها الخاصة.
لم أرغب في أن يخرج المتفرج بخلاصة تمنح الحق للأب أو الأم أو الابن، ما أطمح إليه هو أن تصبح الأحكام التي طرحها في بداية الفيلم أكثر تعقيدا مع نهايته، ومن هنا تبدأ السينما حين يدخل المشاهد قاعة العرض وهو يحمل إجابة، ثم يخرج منها محملا بالأسئلة.





