“البحرية والرداد”.. رحلة في الذاكرة الصوفية تنتهي بكشف المتاجرة بالدين

تستعيد مسرحية “البحرية والرداد” حكاية صوفية متجذرة في الذاكرة الشعبية المغربية، وتعيد تقديمها في قالب درامي يزاوج بين البعد الروحي ومظاهر الاستغلال باسم الدين، إذ من خلال تنقل أحداثها بين الماضي والحاضر، يضع العمل التصوف، بما يحمله من قيم التهذيب والارتقاء الروحي، في مواجهة ممارسات توظف جهل الناس وحاجتهم إلى الأمل لتحقيق أغراض ومصالح مادية.
وتأخذ مسرحية “البحرية والرداد” المتلقي في رحلة تتداخل فيها الحكاية الصوفية مع واقع معاصر تحكمه المعتقدات الشعبية واستغلال حاجة الناس إلى الطمأنينة والخلاص، إذ من خلال الانتقال بين زمنين، يستعيد العمل حكاية “لالة عيشة البحرية” وارتباطها بـ”سيدي بوشعيب الرداد”، بالتوازي مع قصة شخصيات تعيش في الحاضر داخل فضاء ضريح تحول فيه التدين إلى وسيلة للنفوذ وتحقيق المكاسب، وفق ما كشفه حمزة الهندة، المكلف بالإدارة التقنية في العمل المسرحي لجريدة “مدار21”.
وفي الزمن الراهن، يتمحور الصراع حول ضريح “لالة عيشة البحرية”، حيث تتولى “المجذوبة” إدارة شؤونه وتستغل تعلق الزوار والمريدين بالمكان لتحقيق مصالح مادية، إذ تضع نصب عينيها الحفاظ على استمرارية الضريح ومكانته، لذلك تسعى إلى تزويج “يونس”، خادم الضريح والمنحدر من سلالة “سيدي بوشعيب الرداد”، بـ”ميرا”، امرأة عزباء ومنقطعة النسب وجدت في الضريح ملاذا وأملا في العثور على زوج.
غير أن ما يبدو في البداية مجرد طقس من طقوس الضريح يتحول بالنسبة إلى “ميرا” إلى بوابة نحو زمن آخر، فخلال إحدى الممارسات المرتبطة بالقربان، وتحت تأثير البخور وحالة التنويم، تفقد وعيها وتنتقل إلى الماضي، حيث تنفتح أمامها فصول من الحكاية الأسطورية لعائشة البحرية، التي تخلت عن حياة الرفاه والجاه في بغداد، واختارت سلوك طريق الزهد بحثا عن بوشعيب الرداد، هاربة كذلك من سجانها “الرقيب”.
وبعد عودتها إلى وعيها، تجد “ميرا” نفسها أمام رغبة المجذوبة في إتمام زواجها من “يونس”، لكن الشاب يرفض الانصياع لهذه الرغبة، فتقرر المجذوبة معاقبتهما بإبعادهما إلى الخلاء، ظنا منها أن قسوة العزلة ستدفعه إلى التراجع والعودة إليها خاضعا لشروطها.
إلا أن هذه الخطة تنقلب على صاحبتها، ففي العراء، بعيدا عن سلطة الضريح وأجوائه، تبدأ “ميرا” في كشف الوجه الآخر لما يحيط بـ”يونس”، وتدفعه إلى إعادة النظر في الدور الذي يؤديه، ويكتشف تدريجيا أن حياته المكرسة لخدمة الضريح، والتي كان يعتقد أنها تعبير عن الزهد والتقوى، أصبحت جزءا من منظومة تستغل الدين والجهل وتحول الطقوس إلى مصدر للربح والنفوذ.
وفي هذه العزلة، تتقاطع تجربتهما مع حكاية عائشة البحرية مرة أخرى، من خلال رؤيا مشتركة تعيد استحضار محطات من رحلتها الروحية، فتظهر قصتها وهي تواجه مشاق الصحراء، قبل أن تلتقي باختبارات جديدة وضعها بوشعيب لاختبار صدقها وثباتها، ويتحول الحارس الذي أُرسل لمراقبتها إلى مريد بعدما رأى في صبرها وقوة احتمالها ما جعله يعيد النظر في موقعه منها.
وتبلغ الحكاية ذروتها عند نهر أم الربيع، حين تجد عائشة نفسها في ضفة ويكون بوشعيب في الضفة المقابلة، وبينما يصبح العبور ممكنا، تختار عدم الوصول إليه، لتمنح قصة الحب بينهما معنى يتجاوز اللقاء الجسدي، ويجعل الفراق امتدادا لعلاقة روحية تتعالى على متاع الدنيا وفنائها.
ومع انكشاف هذه الحقيقة، يعود “يونس” و”ميرا” إلى الضريح وقد تغيرت نظرتهما إلى ما يجري داخله، وفي المقابل، تكون المجذوبة في انتظار عودة يونس إلى طاعتها، قبل أن تدرك أن خطتها انقلبت ضدها، وأن “ميرا” تمكنت من زعزعة قناعاته وكشف الأساس الذي تقوم عليه منظومة الضريح، بما يهدد مصالحها ومصدر نفوذها.
وأمام هذا الخطر، يتخذ الصراع منحى مأساويا، حين تقدم المجذوبة على قتل “ميرا” أمام عيني “يونس”، في محاولة لإخضاعه مجددا وترهيبه بعواقب التمرد عليها، ويصبح فقدها نقطة الانكسار التي تدفعه إلى حالة من الذهول والفقد، فيتحول بدوره إلى واحد من “مجاذيب” الحزن والشرود.
وتغادر “ميرا” العالم الأرضي لتكتمل رحلتها الرمزية في فضاء آخر، حيث تلتقي روحها بعائشة البحرية وبوشعيب الرداد، إذ تغلق المسرحية دائرتها بين واقع يفضح توظيف الدين والجهل، وحكاية صوفية تقدم الطهر الروحي بوصفه طريقا للتحرر من قيود الدنيا واستغلالها.
ويشارك في تشخيص أحداث المسرحية كل من نجوم الزهرة، ونسرين المنجي، وسفيان الملولي، وإيمان المومثيل، وفيصل الغابية، وخالد أزويشي، فيما تولى حميد الطالبي تأليف العمل، وأشرف خالد أزويشي على إخراجه.
وتقدم فرقة “دار الفن للمسرح” هذا العمل بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، ضمن برنامج دعم وإنتاج وترويج الأعمال المسرحية برسم موسم 2026-2027، مساء غد الخميس بالمركب الثقافي الحاجب، ابتداء من الساعة السابعة مساء.





