“الدارجة” في شعارات وبرامج الأحزاب الانتخابية.. بحث عن القرب أم تراجع للغة الرسمية؟

مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، لم يعد التنافس بين الأحزاب السياسية المغربية مقتصرا على مضمون البرامج والوعود الانتخابية، بل امتد إلى اللغة التي تصوغ بها هذه الأحزاب خطابها الموجه إلى الناخبين، بعدما برز استعمال الدارجة في عدد من الشعارات والبرامج والمواد التواصلية، إلى جانب استمرار حضور العربية الفصحى في الوثائق الرسمية لعدد من التنظيمات السياسية.
ويبرز حزب التقدم والاشتراكية بشكل لافت في هذا النقاش، من خلال اختياره شعار “نزعمو كاملين” لحملته الانتخابية، وهو تعبير بالدارجة يحيل على المشاركة الجماعية والقدرة على الفعل، فيما اختارت أحزاب أخرى عبارات أقرب إلى الصياغة السياسية التقليدية.
وفي المقابل، يعتمد حزب الاستقلال شعار “وطني.. مستقبلي”، بينما اختار الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية شعار “التنمية العادلة”، وهما تعبيران باللغة العربية الفصحى، في حين يحضر استعمال الدارجة لدى حزب الأصالة والمعاصرة بشكل أكبر في الخطاب الشفهي والمواد التواصلية، دون أن تتحول إلى شعار مركزي لبرنامجه الانتخابي.
ويعيد هذا التباين طرح سؤال أوسع حول لغة الخطاب السياسي في المغرب، وحدود الفصل بين لغة التواصل مع الناخبين ولغة الوثائق والبرامج الحزبية، خصوصا أن البرنامج الانتخابي يفترض أن يكون وثيقة سياسية تحدد التوجهات والالتزامات التي يقدمها الحزب للناخبين.
وفي هذا السياق، يرى محسن الندوي، أستاذ العلوم السياسية، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن البرنامج الانتخابي “ليس مجرد شعارات لاستمالة الأصوات”، وإنما يمثل “وثيقة سياسية تعبر عن رؤية الحزب والتزاماته تجاه المواطنين”.
ويعتبر الندوي أن الأحزاب السياسية مطالبة، بدل الاكتفاء بتوظيف الشعارات ذات الحمولة الانتخابية، باستحضار المقتضيات الدستورية المرتبطة باللغة، مبرزا أن الفصل الخامس من الدستور ينص على حماية اللغة العربية وتطويرها وتنمية استعمالها.
ويضيف أستاذ العلوم السياسية أن المفارقة تكمن، في نظره، في أن بعض الأحزاب “تعمل، بشكل مفارق، على تهميش اللغة العربية نفسها في برامجها الانتخابية، مفضلا عليها اللهجة العامية”.
ويربط الندوي بين لغة البرنامج الانتخابي ومبدأ احترام الدستور، معتبرا أن هذا الاحترام “لا ينبغي أن يبقى مجرد شعار انتخابي”، بل يجب أن ينعكس أيضا في لغة البرنامج الانتخابي ذاته.
ويطرح المتحدث سؤالا حول مدى انسجام الخطاب الحزبي مع المرجعية الدستورية، قائلا: “فكيف يمكن لحزب أن يدعو إلى احترام الدستور، وهو يهمش، في وثيقة سياسية يفترض أن تكون رسمية، اللغة العربية التي نص الدستور على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها؟”.
ولا يضع الندوي استعمال الدارجة في مختلف أشكال التواصل السياسي في الخانة نفسها، إذ يميز بين استخدامها باعتبارها وسيلة للتواصل المباشر مع المواطنين وبين اعتمادها في الوثائق والبرامج التي يفترض أن تؤطر الالتزامات الانتخابية للأحزاب.
ويؤكد في هذا الصدد أن “العامية قد تكون وسيلة للتواصل في اللقاءات والمهرجانات”، لكنه يستدرك بأنها “لا ينبغي أن تحل محل اللغة الرسمية في برنامج انتخابي يحدد الوعود والالتزامات التي يمكن على أساسها محاسبة الأحزاب والمرشحين”.
ويفتح هذا التمييز المجال أمام قراءة استعمال الدارجة في الحملات الانتخابية من زاويتين مختلفتين؛ الأولى مرتبطة بقدرة الأحزاب على تبسيط خطابها والاقتراب من الناخبين، خصوصا في الفضاء الرقمي، والثانية تتصل بمكانة اللغة العربية داخل الوثائق السياسية الرسمية للأحزاب.
فالشعار الانتخابي، وإن كان قصيرا ومكثفا، يظل جزءا من الهوية التواصلية للحملة، فيما يمثل البرنامج الانتخابي الإطار الذي تقدم من خلاله الأحزاب رؤيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتحدد عبره جملة من الوعود التي يفترض أن تشكل أساسا لتقييم أدائها أمام الناخبين.
ويرى الندوي أن النقاش لا يتعلق باللغة باعتبارها مجرد أداة تقنية للتواصل، وإنما يرتبط أيضا بصورة الخطاب السياسي ومستوى الجدية الذي تقدمه الأحزاب إلى المواطنين.
ويقول إن “احترام الأحزاب للمواطنين يبدأ من احترام هويتهم، واحترام هويتهم يمر عبر احترام لغتهم الرسمية”، معتبرا أن اعتماد اللغة الرسمية في البرامج الانتخابية من شأنه أن يعزز جدية الخطاب السياسي ومصداقيته.
ويخلص أستاذ العلوم السياسية إلى أن “كلما احترمت الأحزاب اللغة الرسمية في برامجها الانتخابية، اكتسب خطابها السياسي مزيدا من الجدية والمصداقية، وارتقى إلى مستوى خطاب رصين وراق يليق بدولة المؤسسات، والعكس صحيح”.





