رأي

الاستحقاق قبل الانتصار… التحول الهادئ للأصالة والمعاصرة

الاستحقاق قبل الانتصار… التحول الهادئ للأصالة والمعاصرة

عرف حزب الأصالة والمعاصرة، منذ تأسيسه، قدرة تنظيمية وانتخابية جعلته أحد أهم الفاعلين في المشهد السياسي الوطني. فقد راكم تجربة انتخابية ممتدة منذ سنة 2009، ونجح في بناء آلة تنظيمية قوية قادرة على خوض مختلف الاستحقاقات. غير أن امتلاك الآلة الانتخابية وحده لم يكن يوماً كافياً لصناعة حزب يقود مرحلة أو يحظى بثقة مستدامة.

فالرهان الحقيقي لم يعد هو الفوز في الانتخابات فقط، بل بناء حزب يستحق ثقة المغاربة، ويجعل من المصلحة الوطنية معياراً يسمو على كل الحسابات الضيقة.

خلال السنوات الأخيرة، اختار الحزب القيام بمراجعة عميقة لتجربته. لم ينكر الأخطاء ولم يبحث عن المبررات، بل واجه اختلالاته بشجاعة سياسية، لأن الأحزاب التي تطمح إلى قيادة المشهد السياسي مطالبة أولاً بقيادة نفسها.

فجاء ميثاق الأخلاقيات ليؤسس لثقافة جديدة داخل الحزب، وتبعته مراجعات تنظيمية وهيكلية شكلت ما يمكن وصفه بزلزال تنظيمي أعاد ترتيب البيت الداخلي، ورسخ ثقافة المسؤولية والمحاسبة، وفتح الباب أمام تجديد النخب واعتماد الكفاءة والاستحقاق والنزاهة معايير حقيقية للترقي داخل الحزب.

لقد انتقل الأصالة والمعاصرة اليوم من مرحلة بناء التنظيم إلى مرحلة بناء الشرعية السياسية والأخلاقية. فلم يعد يراهن فقط على قوة التنظيم، بل على قوة المشروع، وعلى تقديم نموذج يجعل خدمة الوطن فوق خدمة الحزب، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار.

لكن هذا التحول لم يكن معزولاً عن السياق السياسي العام. فالمشهد المغربي يعيش اليوم تنافساً بين مقاربات مختلفة.

الأولى : تجربة سياسية ذات مرجعية أصولية، تحولت مع مرور الزمن إلى ظاهرة صوتية أكثر منها مشروعاً سياسياً؛ يعلو فيها الخطاب كلما تراجعت القدرة على إنتاج الحلول، حتى أصبح الضجيج السياسي أكبر من الأثر الإصلاحي.

أما الثانية ، فهي نزعة أوليغارشية تتجه نحو تركيز النفوذ السياسي والاقتصادي في دوائر محدودة، بما يهدد تكافؤ الفرص ويضعف روح المنهجية الديمقراطية التي نعتبرها ش قاعدة لتدبير التنافس السياسي في المغرب.

لقد كان عبد الله العروي يعتبر أن نجاح الدولة الحديثة رهين بقدرة النخب على تغليب منطق الدولة على منطق الجماعة، بينما أكد محمد عابد الجابري أن أزمة السياسة تبدأ عندما تتحول العصبية والمصلحة إلى بديل عن العقل والمؤسسات. وبين هاتين الفكرتين يتحدد اليوم الرهان الحقيقي: بناء أحزاب قوية بالديمقراطية الداخلية، لا بالنفوذ؛ وبالكفاءة، لا بالولاءات.

ومن هنا، فإن الأصالة والمعاصرة لا يقدم نفسه باعتباره حزباً في مواجهة أحد، بل حزباً في منافسة ديمقراطية مع الجميع، أساسها البرامج والكفاءات والقدرة على الإنجاز.

كما لا يحتكر الوطنية، ولا يدعي امتلاك الحقيقة، بل يؤمن بأن بناء المغرب مسؤولية جماعية، وأن قوة الديمقراطية تكمن في تنافس المشاريع لا في إقصاء الخصوم.

ولهذا ستظل أبوابه مفتوحة لكل الكفاءات المؤمنة بخدمة الوطن، لأن الحزب الذي يخاف من الكفاءات لا يستطيع أن يقود الإصلاح.

لقد انتقل الأصالة والمعاصرة من سؤال التنظيم إلى سؤال الاستحقاق، ومن منطق الفوز إلى منطق الاستحقاق في الفوز. فتصدر الانتخابات ليس هدفاً في حد ذاته، بل نتيجة طبيعية لحزب يجعل الكفاءة معيار المسؤولية، والجدارة معيار الترشيح، وخدمة الوطن معيار القيادة.

فالمغرب اليوم لا يحتاج إلى أحزاب تبحث عن السلطة، بل إلى أحزاب تستحقها؛ ولا إلى مزيد من الضجيج السياسي، بل إلى مزيد من الثقة والنجاعة والقدرة على الإنجاز. وإذا نجح الأصالة والمعاصرة في ترسيخ هذا التحول، فلن يكون قد انتصر لحزب، بل لفكرة السياسة النبيلة التي تجعل الوطن أكبر من الجميع……

هشام عيروض
عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News