رأي

ما بعد الاقتراع: قراءة في الرسائل السياسية للمرحلة الجديدة

ما بعد الاقتراع: قراءة في الرسائل السياسية للمرحلة الجديدة

حين تنتهي الحملات الانتخابية وتُعلن النتائج، تبدأ مرحلة أكثر أهمية من المنافسة نفسها: مرحلة قراءة ما حدث بعيداً عن لغة الشعارات والحسابات الحزبية الضيقة.

فالانتخابات لا تُقاس فقط بمن تصدّر النتائج، وإنما أيضاً بمستوى المشاركة، وبطبيعة التحولات التي طرأت على اختيارات الناخبين، وبالرسائل التي يمكن استخلاصها من الخريطة السياسية الجديدة.

ومن بين أبرز هذه الرسائل استمرار حضور الحركة الشعبية ضمن المشهد البرلماني، بحصولها على 29 مقعداً. وهو حضور ينبغي قراءته في سياقه الطبيعي، بعيداً عن المبالغة في الاحتفال أو التقليل من قيمته. فالحزب حافظ على موقعه ضمن التعددية السياسية المغربية، وسيكون أمامه، كما هو الشأن بالنسبة إلى باقي الأحزاب، اختبار تحويل حضوره الانتخابي إلى ممارسة سياسية أكثر ارتباطاً بالانتظارات الاجتماعية والمجالية.

لكن السؤال الأوسع يتجاوز نتائج حزب بعينه.

نسبة المشاركة تفرض نفسها كواحدة من أهم مؤشرات هذه الانتخابات، لأنها تعيد إلى الواجهة مسألة الثقة في العمل السياسي. فحين يختار عدد من المواطنين عدم المشاركة، لا ينبغي تفسير ذلك دائماً باعتباره لامبالاة أو غياباً للاهتمام بالشأن العام. قد يكون الأمر مرتبطاً أيضاً بتراكمات تتصل بصورة الأحزاب، وبالفجوة بين الخطاب الانتخابي وما يلمسه المواطن في حياته اليومية.

وهنا تظهر مسؤولية الأحزاب مجتمعة.

فالناخب لا يقيس السياسة فقط بعدد الوعود التي يسمعها أثناء الحملة، وإنما بمدى انعكاس السياسات العمومية على التعليم والصحة والشغل والتنمية المحلية والعدالة المجالية. وكلما اتسعت المسافة بين الخطاب والممارسة، أصبح من الصعب إعادة بناء الثقة.

ومن هذه الزاوية، فإن المشاورات السياسية التي ستلي الانتخابات ينبغي ألا تختزل في توزيع المواقع أو البحث عن أغلبية عددية. صحيح أن الحسابات البرلمانية عنصر أساسي في تشكيل الحكومات، لكن الاستقرار السياسي يحتاج أيضاً إلى انسجام في البرامج وإلى وضوح في الأولويات.

ويمكن للحركة الشعبية، من موقعها، أن تساهم في هذا النقاش من خلال القضايا التي ارتبط بها حضورها تاريخياً، خصوصاً ما يتعلق بالتنمية المجالية والمناطق القروية والجبلية. غير أن أهمية هذه المشاركة لا تتحدد فقط بموقع الحزب داخل الحكومة أو خارجها، وإنما بقدرته على تحويل هذه القضايا إلى مقترحات وسياسات قابلة للنقاش والتنفيذ.

في المقابل، فإن تصدّر أي حزب للنتائج لا يعفيه من الأسئلة نفسها. فالفوز الانتخابي يمنح مسؤولية سياسية، لكنه لا ينهي الحاجة إلى تقييم الأداء والاستماع إلى المجتمع.

ولهذا، ربما يكون الدرس الأهم من هذه المحطة هو أن الانتخابات لا ينبغي أن تكون نهاية النقاش السياسي، بل بدايته. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى أحزاب أكثر قرباً من المجتمع، وبرامج أكثر قابلية للقياس، وخطاب أقل اعتماداً على الشعارات وأكثر ارتباطاً بالنتائج.

وفي النهاية، لا تكمن قوة المشهد السياسي في ترتيب الأحزاب وحده، وإنما في قدرته على إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات. فالصندوق الانتخابي يمنح الشرعية، لكن الحفاظ على الثقة يحتاج إلى ممارسة سياسية يومية ومسؤولة.

بعد الاقتراع تبدأ المسؤولية، وهناك فقط يمكن قياس معنى النتائج.

أحمد أمين الرحالي
مستشار سابق لوزير التعمير وإعداد التراب الوطني
عضو المجلس الوطني لحزب الحركة الشعبية
نائب رئيس الشبكة الوطنية للمجالس المحلية للشباب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News