رأي

توظيف المعاناة …..لماذا ترفض الجزائر إحصاء ساكنة تندوف؟

توظيف المعاناة …..لماذا ترفض الجزائر إحصاء ساكنة تندوف؟

                تظل قضية مخيمات تندوف على الأراضي الجزائرية واحدة من أكثر الملفات الإنسانية تعقيدا وارتباطا بالنزاع الإقليمي حول الصحراء، حيث يتحول البعد الإنساني في كثير من الأحيان إلى أداة للصراع السياسي. وفي قلب هذه المعاناة المستمرة منذ عقود، يبرز الموقف الجزائري الرافض لإحصاء الساكنة كحجرة عثرة أمام المنتظم الدولي والمؤسسات الإغاثية. هذا الرفض لا يقتصر تأثيره على إطالة أمد غياب الشفافية والمساءلة، فهو يمتد ليشل قدرة الوكالات الأممية، وعلى رأسها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، عن أداء مهامها القانونية والحمائية، مما يجعل الساكنة رهينة حسابات سياسية ضيقة تضع المصداقية الدبلوماسية للجزائر والشرعية الدولية في مسار مواجهة مفتوحة مع قرارات مجلس الأمن.

الجزائر ترفض إحصاء ساكنة مخيمات تندوف

يعد رفض الجزائر إحصاء ساكنة مخيمات تندوف من أعقد القضايا الخلافية في نزاع الصحراء، حيث يضع السلطات الجزائرية في مواجهة مباشرة مع المطالب المتكررة للمجموعة الدولية ومجلس الأمن الدولي، ويسلط الضوء على تحديات قانونية وإنسانية تمس بجوهر عمل المنظمات الأممية. وتتداخل الحسابات السياسية والإستراتيجية وراء إصرار الجزائر وجبهة البوليساريو على رفض أي عملية إحصاء رسمي للساكنة، إذ تشير القراءات الدولية والميدانية إلى أن هذا الرفض ينبع أولا من الخوف من كشف تضخيم الأرقام، حيث تسعى الجزائر والبوليساريو إلى الحفاظ على تقديرات مرتفعة لأعداد الساكنة تتراوح بين 164 ألف إلى 173 ألف شخص، في حين تؤكد تقارير مستقلة وميدانية أن العدد الفعلي الحقيقي قد يكون أقل بكثير ويترواح بين 50 ألف إلى 70 ألف شخص كحد أقصى، وهو التضخيم الذي يضمن تدفق كميات أكبر من الدعم المالي والإنساني الدولي.

علاوة على ذلك، يساهم غياب لوائح اسمية دقيقة في تغطية شبهات تحويل المساعدات، ويمعن في منع الهيئات الدولية، مثل برنامج الأغذية العالمي، من تحديد الحاجيات بدقة، مما يسهل تحويل جزء مهم من المساعدات الإنسانية والتموينية لتباع في أسواق دول الجوار، وهو ما وثقته تقارير سابقة الصدور عن الاتحاد الأوروبي ومكتب المفتش العام للمفوضية. كما ترتبط الخلفيات بأبعاد الهوية والقانون الدولي، حيث تخشى الجزائر من أن يؤدي الفرز القانوني إلى تحديد دقيق لهويات القاطنين، مما قد يكشف عن وجود مجموعات بشرية تنتمي إلى مناطق وتجمعات سكانية خارج النطاق الجغرافي التاريخي للنزاع، فضلا عن أن الإحصاء يمنح الساكنة حقوقا قانونية عندما يتم تصنيفهم كـلاجئين بموجب اتفاقية جنيف لعام 1951، ومنها حرية التنقل واختيار العودة الطوعية.

تعطيل وشل القدرات المؤسساتية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

يتجاوز الرفض الجزائري أبعاده السياسية ليؤدي مباشرة إلى تعطيل وشل القدرات المؤسساتية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مكرسا واقعا من العجز الأممي غير المسبوق، إذ تمثل مخيمات تندوف حالة شاذة وفريدة عالميا بكونها المنطقة الوحيدة التي تمنع فيها المفوضية من ممارسة حقها السيادي في تسجيل السكان الخاضعين لرعايتها، مما يجردها من أدوات تطبيق اتفاقية عام 1951. ويفرز هذا الموضع عجزا ماليا وهدرا في موارد المانحين، حيث تواجه المفوضية عجزا ماليا حادا وأزمة تمويل عالمية خانقة، ومع ذلك تضطر لاعتماد أرقام تقديرية وضعتها الجزائر منذ عقود، مما يساهم في تبديد الموارد المحدودة ويحرم لاجئين آخرين حول العالم من هذه التمويلات الشحيحة بسبب سوء التوزيع المفروض قسرا. كما تقف المفوضية عاجزة أمام شبهات الاختلاس والابتزاز الإنساني، فحين يطالب المانحون بربط زيادة المساعدات بإجراء الإحصاء للحد من الفساد، تجد الهيئة الأممية نفسها في شلل تام بين التزامها الأخلاقي بإطعام الساكنة وبين عجزها عن حماية أموال المانحين، فضلا عن عجزها عن تقديم الخدمات الحمائية الفردية مثل بطاقات اللجوء الرسمية أو تفعيل خيار العودة الطوعية المستنيرة للراغبين في مغادرة المخيمات، مما يحول دورها من هيئة حماية قانونية إلى مجرد جهة تموين لوجستي خاضعة لسلطة عسكرية محليّة.

ويواجه الموقف الجزائري انتقادات حقوقية ودبلوماسية واسعة على الصعيدين الإقليمي والدولي، لكونه يمثل خرقا صريحاً للقانون الدولي الإنساني وانتهاكا صارخاً للقواعد التنظيمية للمفوضية الأممية، فتسجيل اللاجئين هو آلية حماية قانونية أساسية وحق إنساني أصيل لا يمكن حرمان السكان منه أو رهنه بحسابات سياسية ضيقة. كما ينتقد هذا الموقف لإسهامه في تكريس المعاناة الإنسانية، حيث إن حجب الأرقام الحقيقية يمنع تقديم دعم إنساني متوازن ودقيق، ويجعل سكان المخيمات ضحية لسياسة تعتيم تحرمهم من التمتع بحقوقهم المدنية والأساسية، كالحق في العمل، والتنقل، وتأمين بطاقات لاجئين رسمية تحميهم. ويظهر في هذا السياق تناقض دبلوماسي صارخ، فالجزائر تتشبث في المحافل الدولية بكونها طرفا ملاحظا وليست جزءا من النزاع، ومع ذلك، فإن إصرارها على منع منظمة أممية من ممارسة مهامها الإنسانية فوق ترابها الوطني يعكس تحكما مباشرا وتتدخلا في إدارة هذا الملف، مما يضعف مصداقية خطابها الدبلوماسي ويشكل تحديا مستمرا للشرعية الدولية وللقرارات المتتالية لمجلس الأمن الدولي، والتي طالبت مرارا وبقوة بتسجيل وإحصاء سكان المخيمات كوسيلة لا غنى عنها لتحقيق الشفافية وضمان وصول المساعدات لمستحقيها الفعليين.

الخاتمة:

تأسيسا على ما سبق، يظهر جليا أن استمرار الجزائر في منع إحصاء قاطني مخيمات تندوف يتجاوز كونه تحفظا سياديا ليصبح استراتيجية ممنهجة لإطالة أمد النزاع والاستفادة من عوائده السياسية والمالية. إن هذا التعنت لا يسهم فقط في تقويض جهود الإغاثة الدولية وتبديد أموال المانحين في منظومة تفتقر للشفافية، فهو يكرس وضعا مأساويا يحرم آلاف الأفراد من أبسط حقوقهم المدنية والقانونية التي كفلتها المواثيق الدولية. ولا يمكن للمجتمع الدولي، ومجلس الأمن تحديدا، الاستمرار في غض الطرف عن هذا الشلل الإنساني، إذ أضحى من الضروري الانتقال من لغة التوصيات والمطالبات إلى آليات ضغط حقيقية تلزم الدولة الحاضنة بالامتثال للقانون الدولي، لإنهاء هذه الحالة الشاذة وتحرير العمل الإنساني من التوظيف السياسي.

د.محمد الطيار.. رئيس المرصد الوطني للدارسات الاستراتيجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News