رأي

هلالمغربقوةإقليمية؟ 

هلالمغربقوةإقليمية؟ 

قد يبدو هذا السؤال، للوهلة الأولى، غريباً أو مبالغاً فيه. فالمغرب لا يمثلسوى نحو 0,14 في المائة من الناتجه الداخلي الإجمالي العالمي، ولا يتجاوزعدد سكانه 0,53 في المائة من سكان العالم. كما أن اقتصاده، رغم ما حققهمن تقدم خلال العقود الأخيرة، لا يزال متواضع الحجم مقارنة بالقوىالكبرى، بل وحتى ببعض الاقتصادات الصاعدة.

ومع ذلك، يصعب اليوم إنكار المكانة التي أصبحت المملكة تحتلها علىالساحتين الإقليمية والدولية. فمن إفريقيا إلى أوروبا، ومن العالم العربي إلىالمحافل الدولية، أصبح المغرب فاعلاً يحظى بالاحترام، وصوتاً يُستمع إليه، ونموذجاً يُستشهد به في عدد من القضايا الإقليمية والدولية. وبات حضورهالسياسي والدبلوماسي يفوق، في كثير من الأحيان، ما توحي به إمكاناتهالاقتصادية والديموغرافية.

فكيف يمكن تفسير هذا التباين بين الوزن الاقتصادي للمغرب وحضورهالسياسي والدبلوماسي؟ وهل أصبح بالفعل قوة إقليمية، أم أنه لا يزال بلداًيمتلك مقومات القوة دون أن يبلغها كاملة؟ وما الشروط التي ينبغي أن تتوافرحتى يتحول إلى قوة مؤثرة في عالم يعاد تشكيل موازين القوى فيه بوتيرةغير مسبوقة؟

القوة… مفهوم تغير مع الزمن 

ارتبط مفهوم القوة، لزمن طويل، بحجم الاقتصاد والقدرات العسكرية. فالإمبراطوريات الكبرى، ثم القوى العظمى في القرن العشرين، بنت نفوذهاعلى هذين العاملين أساساً. غير أن عالم اليوم لم يعد يقاس بهذه المعاييروحدها، بل أصبح أكثر تعقيداً وتشابكاً، وأضحت القوة مفهوماً متعددالأبعاد.

فالقوة في القرن الحادي والعشرين لا تُختزل في حجم الناتج الداخلي أوعدد السكان، وإنما تقاس أيضاً بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة، وامتلاكالتكنولوجيا، وتطوير رأسمالها البشري، وترسيخ حكامتها، وتعزيز تماسكهاالوطني، وتوسيع نفوذها الدبلوماسي والثقافي، فضلاً عن موقعهاالجيوستراتيجي وقدراتها الدفاعية.

وتؤكد التجارب الدولية أن أياً من هذه المقومات، مهما بلغت أهميتها، لا يكفيبمفرده لصناعة قوة مستدامة. فالقوة الحقيقية هي ثمرة تفاعل هذه العناصرجميعاً داخل مشروع وطني متماسك، تقوده مؤسسات فعالة وتحظى بثقةالمجتمع.

وبهذا المعنى، يمكن تعريف القوة بأنها قدرة الدولة على تعبئة مواردها الماديةواللامادية للدفاع عن مصالحها الوطنية، والتأثير في محيطها الإقليميوالدولي، والإسهام في صياغة التوازنات الدولية، لا الاكتفاء بالتكيف معها.

وانطلاقاً من هذا الفهم، يصبح من المشروع أن نتساءل: هل نجح المغرب فيتحويل ما يتوفر عليه من مؤهلات إلى عناصر نفوذ حقيقية؟ أم أن الطريقنحو ترسيخ مكانته كقوة إقليمية لا يزال يتطلب استكمال أوراش أخرى لا تقلأهمية عن الإنجازات التي تحققت حتى الآن؟

مقومات القوة المغربية 

إذا كان مفهوم القوة قد تغير، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إلى أي حديتوفر المغرب على المقومات التي تؤهله ليكون قوة إقليمية صاعدة؟

أولى هذه المقومات تتمثل في موقعه الجغرافي الفريد. فالمغرب يوجد عندملتقى إفريقيا وأوروبا، ويطل في الوقت نفسه على المحيط الأطلسي والبحرالأبيض المتوسط، مما يمنحه موقعاً استراتيجياً استثنائياً في قلب المبادلاتالتجارية العالمية والتوازنات الجيوسياسية.

وقبل ما يقارب سبعين عاماً، لخّص الكاتب والصحفي الفرنسيجان لاكوتورهذه الخصوصية بقوله: «هنا المحيط، وهناك البحر الأبيض المتوسط، وخلفناإفريقيا، وأوروبا على مرمى حجر» وقليل من الدول تحظى بمثل هذه المكانةالجغرافية.

أما المقوم الثاني، فيكمن في العمق التاريخي للدولة المغربية. فالمغرب ليسدولة نشأت نتيجة ترتيبات فرضتها المؤتمرات الدولية أو التحولاتالاستعمارية، بل هو دولة عريقة تمتد جذورها عبر قرون، راكمت خلالهاتجربة غنية في بناء الدولة وممارسة الدبلوماسية، وهو ما يشكل رصيداًسياسياً ورمزياً لا يستهان به.

ويتمثل العامل الثالث في الاستقرار المؤسساتي. ففي منطقة عرفت خلالالعقود الأخيرة أزمات سياسية وأمنية متلاحقة، استطاع المغرب أن يحافظعلى استقراره واستمرارية مؤسساته، الأمر الذي جعله يحظى بثقة شركائهويعزز مكانته كفاعل إقليمي موثوق.

أما المقوم الرابع، فيتجسد في الحيوية التي طبعت الدبلوماسية المغربية خلالالسنوات الأخيرة. فقد شهدت السياسة الخارجية للمملكة، بقيادة جلالة الملكمحمد السادس، تحولاً نوعياً، تجلى في العودة القوية إلى العمق الإفريقي، وتنويع الشراكات الدولية، واعتماد دبلوماسية اقتصادية أكثر فاعلية، إلىجانب تدبير استباقي للقضايا الوطنية الكبرى. وقد أفرز ذلك ما يمكنتسميته بـ “أسلوب محمد السادس” في العمل الدبلوماسي، وهو أسلوبيقوم على الرؤية بعيدة المدى، والبراغماتية، والقدرة على استشراف التحولاتالدولية.

ولا يقتصر رصيد المغرب على عناصر القوة التقليدية، بل يمتد أيضاً إلى مايعرف اليوم بالقوة الناعمة. فالإشعاع الديني للمملكة داخل إفريقيا، وحيويةالجالية المغربية بالخارج، وجاذبية المغرب السياحية والثقافية، وتطور بنياتهالتحتية، فضلاً عن الإنجازات الرياضية التي حققها خلال السنوات الأخيرة، كلها عوامل ساهمت في تعزيز صورته ومكانته على الصعيد الدولي.

ويكفي التذكير بالنجاح الكبير الذي حققته المملكة في تنظيم كأس إفريقياللأمم، وبالمستوى العالمي الذي بلغه المنتخب الوطني، ثم باستحقاق التنظيمالمشترك لكأس العالم 2030، لندرك أن المغرب لم يعد يحضر فقط كفاعلسياسي ودبلوماسي، بل أصبح أيضاً يحظى بإشعاع متزايد في المجالاتالرياضية والثقافية والتنموية.

ما الذي ما يزال يحد من قوة المغرب؟ 

غير أن الاعتراف بهذه المكتسبات لا ينبغي أن يحجب جوانب القصور التيما تزال تحد من قدرة المغرب على الارتقاء إلى مصاف القوى الإقليميةالمؤثرة.

فأول هذه التحديات يظل اقتصادياً. فعلى الرغم من النجاحات التي تحققتفي عدد من القطاعات الإنتاجية والخدماتية، لا يزال الاقتصاد المغربيمحدود الوزن مقارنة بالاقتصادات الكبرى والصاعدة، كما أن وتيرة النمو لمتنجح بعد في توفير ما يكفي من فرص الشغل اللائق، أو في الرفع منمتوسط الدخل الفردي بالقدر المأمول.

ويبرز التحدي الثاني في مجال الرأسمال البشري. فلا تزال منظومة التربيةوالتكوين، والبحث العلمي، والابتكار، بحاجة إلى إصلاحات عميقة حتىتصبح في مستوى الطموحات التي يفرضها اقتصاد المعرفة المنافسةالعالمية.

أما التحدي الثالث، فيتعلق باستمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية. فالقوةالحقيقية لا تقوم فقط على المؤشرات الاقتصادية، بل تتطلب أيضاً مجتمعاًمتماسكاً يشعر أفراده بأنهم شركاء في التنمية، وأن ثمارها توزع بشكلمنصف بين مختلف الفئات والجهات.

ويظل رهان الحكامة من أكبر التحديات المطروحة. فتحسين أداء المؤسسات، والارتقاء بجودة الإدارة، وترسيخ دولة الحق والقانون، ومحاربة اقتصاد الريعومظاهر الفساد، كلها أوراش أساسية لتعزيز القوة الوطنية.

ولا يقل عن ذلك أهمية تعميق المسار الديمقراطي، وترسيخ المشاركة المواطنة، وتقوية المؤسسات المنتخبة على المستويات المحلية والجهوية والوطنية، لأنالديمقراطية لم تعد مجرد قيمة سياسية، بل أصبحت أحد عناصر القوةوالقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المغرب يمتلك اليوم نفوذاً دبلوماسياًوجيوسياسياً يفوق وزنه الاقتصادي والتكنولوجي، وهو ما يفسر المكانة التيأصبح يحتلها في عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

رهان القوة في عالم يعاد تشكيله 

يشهد العالم اليوم تحولات عميقة غيرت طبيعة العلاقات الدولية. فقد ولّى زمنالعولمة الهادئة، ليحل محله عالم يتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتنامي النزعات الحمائية، واحتدام الصراعات الجيوسياسية، وتراجع كثيرمن المسلمات التي حكمت النظام الدولي لعقود.

غير أن هذه التحولات لا تحمل المخاطر وحدها، بل تفتح أيضاً آفاقاً جديدةأمام القوى المتوسطة. ففي هذا السياق الدولي الجديد، أصبحت الجغرافيا، والاستقرار السياسي، والأمن الغذائي، والطاقي، والقدرة على الربط بينالقارات والأسواق، عوامل أكثر حسماً في تحديد مكانة الدول.

ويمتلك المغرب عدداً من الأوراق التي تؤهله للاستفادة من هذه التحولات. فقدعزز حضوره في إفريقيا، ونجح في بناء شراكات متنوعة، ورسخ مكانتهكفاعل موثوق في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وهو ما مكنه من تحقيقنفوذ يفوق، في كثير من الأحيان، وزنه الاقتصادي والديموغرافي.

غير أن الطموح إلى التحول إلى قوة إقليمية مؤثرة لا يمكن أن يقوم علىالدبلوماسية وحدها، مهما بلغت نجاعتها. فالقوة في عالم اليوم تبدأ منالداخل، قبل أن تتجلى في الخارج. وهي تقتضي تسريع وتيرة التحولالاقتصادي، والاستثمار المكثف في الرأسمال البشري، وتعزيز القدراتالتكنولوجية، والارتقاء بمنظومة الحكامة، وترسيخ دولة المؤسسات.

وكما يؤكد عبد المالك العلوي في كتابه «المغرب… تحدي القوة»، فإن القوةليست وضعاً ثابتاً يُكتسب مرة واحدة، وإنما هي مسار متواصل من البناءوالتجديد، يقوم على تحويل الإمكانات إلى إنجازات، والمؤهلات إلى نفوذمستدام.

قوة في طور التشكل 

ليس المغرب قوة عظمى، كما أنه لم يعد دولة هامشية في محيطه الإقليمي. إنه بلد يشق طريقه بثبات نحو ترسيخ مكانته، مستنداً إلى رصيد مهم منالمقومات الجيوسياسية والدبلوماسية والمؤسساتية، غير أن استكمال هذاالمسار يظل رهيناً بقدرته على تعزيز أسسه الاقتصادية والعلمية والتكنولوجيةوالبشرية.

ولعل السؤال الحقيقي لم يعد هو ما إذا كان المغرب يمتلك مؤهلات القوة، بلما إذا كان قادراً على استثمار اللحظة التاريخية التي يعيشها العالم، وتحويل رصيده الدبلوماسي والسياسي إلى قوة شاملة، قوامها اقتصادتنافسي، ومؤسسات قوية، ومجتمع متماسك، ورأسمال بشري مؤهل.

فهل سيكون النصف الأول من هذا القرن مرحلة تتويج هذا الطموح، أم أنهسيشكل فرصة تاريخية ضائعة؟

إن الجواب لن تحدده الجغرافيا وحدها، ولا التحولات الدولية وحدها، وإنماسيبقى رهيناً، قبل كل شيء، بقدرة المغرب على إنجاح ورشه الداخلي، وتحويل رهانات التنمية والإصلاح إلى عناصر قوة مستدامة، تضمن له مكانةتليق بتاريخه وطموحات شعبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News