بلكوش: الاستعراض الدوري أداة لمواكبة الإصلاحات وفعاليته تقاس بتنفيذ التوصيات

أكد المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان، محمد الحبيب بلكوش، أن التحدي الحقيقي الذي يواجه آلية الاستعراض الدوري الشامل لم يعد مرتبطا بصياغة التوصيات بقدر ما يرتبط بتنفيذها الفعلي وتحويلها إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، مشددا على أن المغرب ينظر إلى هذه الآلية الأممية باعتبارها رافعة للتحسين المستمر للعمل العمومي وأداة لمواكبة الإصلاحات الوطنية.
جاء ذلك خلال كلمة المندوب الوزاري، اليوم الجمعة، بمناسبة انعقاد ورشة التفكير الدولية حول الاستعراض الدوري الشامل: “ما بعد الجولة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل: دعم الآلية وضمان التأثير في واقع حقوق الإنسان”، والتي نظمت بشكل مشترك بين المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان بالمملكة المغربية، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ومنظمة “يو بي آر إنفو” (UPR Info).
وأكد المندوب الوزاري أن المغرب لا يعتبر الاستعراض الدوري الشامل “مجرد آلية دولية للتقييم، بل أيضا، رافعة للتحسين المستمر للعمل العمومي وأداة لمواكبة الإصلاحات الوطنية”، مشددا على أن هذه القناعة قادت “بلادنا إلى بلورة تدريجية لمقاربة مؤسساتية مندمجة، تقوم على التنسيق والتشاور وتتبع التوصيات الصادرة عن الآليات الدولية لحقوق الإنسان”.
وأردف أن إحداث المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان شكل تجسيدا لمقاربة وطنية رائدة “تهدف إلى تعزيز تنسيق السياسات العمومية في مجال حقوق الإنسان وضمان تفاعل المملكة مع الآليات الدولية ذات الصلة”، مفيدا أن المندوبية تضطلع “اليوم، بصفتها الآلية الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع، بدور محوري في تنسيق جهود مختلف الفاعلين المعنيين، وتعزيز التكامل فيما بينهم بما يكفل الوفاء الفعلي بالتزامات المملكة الدولية في مجال حقوق الإنسان”.
وأوضح أن هذه التجربة تندرج “ضمن توجه دولي متنامٍ أفضى إلى اعتراف مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأهمية الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع والنهوض بها، باعتبارها رافعة أساسية لتعزيز فعلية التوصيات الدولية”.
وأفاد بلكوش أن المغرب يؤمن بأن تعزيز الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع “يُعدّ من أبرز التطورات البنيوية التي عرفها النظام الدولي لحقوق الإنسان خلال السنوات الأخيرة”.
وأكد أن “التجربة المكتسبة في هذا المجال، إلى جانب ديناميات التعاون التي تم تطويرها داخل الشبكة الدولية للآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع، تبرهن على أن جودة التنسيق الوطني وتتبع التوصيات يظلان من العوامل الحاسمة في إحداث الأثر الفعلي لهذه التوصيات على السياسات العمومية وعلى حياة المواطنين”. وعبر بلكوش عن الالتزام “بالاستمرار في دعم هذه الدينامية وتطويرها خصوصا بمناسبة اللقاء المقبل للشبكة الذي ستحتضنه المملكة المغربية خلال عام 2027”.
وأضاف المتحدث: “لقد علمتنا تجربتنا أن آلية التتبع الفعالة لا تقتصر على إعداد التقارير الدورية فحسب، بل ينبغي أن تُمكّن من إرساء صلة دائمة بين التوصيات الدولية والسياسات العمومية الوطنية، وأن تساهم في تعزيز تقييم التقدم المحرز، وكذا تحديد التحديات التي تستدعي مزيداً من العمل”.
هذه المقاربة، بحسب بلكوش، تدعو إلى “التفكير في سبل تعبئة الأدوات الرقمية والابتكارات التكنولوجية بشكل أمثل لتحسين تتبع التوصيات، وتدبير المعلومات، وتقييم النتائج، مع ضمان احترام المبادئ الأخلاقية والحقوق الأساسية”، مضيفا أنها تذكر “بأهمية التعاون الدولي، وبناء القدرات، وتبادل التجارب بين الدول، وخاصة في إطار التعاون جنوب-جنوب والشبكات الإقليمية والدولية”.
وشدد المندوب الوزاري على أن المملكة المغربية تولي “أهمية خاصة لهذه الدينامية”، موضحا أنه وبفضل القيادة الملكية “تمكنت بلادنا من تعزيز دولة القانون، وتوطيد منظومة حقوق الإنسان، وتوسيع فضاءات المشاركة المواطنة، كتوجهات استراتيجية ثابتة وراسخة”. وأشار إلى أن المملكة باشرت، خلال العشرين سنة الماضية، “إصلاحات مهيكلة ساهمت في تعزيز إدماج حقوق الإنسان في المؤسسات، والسياسات العمومية والإطار المعياري الوطني”، مفيدا إلى أن هذا المسار ترجم من خلال “تعميق التجربة المغربية في العدالة الانتقالية عبر تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة”.
ولفت في السياق ذاته إلى “اعتماد دستور 2011 الذي كرس مجموعة واسعة من الحقوق والحريات، والإصلاحات المتتالية الرامية إلى النهوض بالمساواة وتعزيز مكانة المرأة داخل المجتمع والأسرة، والاعتراف بالتنوع الثقافي كمكون أساسي للهوية الوطنية، فضلاً عن الإدماج المتزايد لحقوق الإنسان في التوجهات الاستراتيجية للتنمية بالمملكة، خاصة من خلال النموذج التنموي الجديد”.
واعتبر بلكوش أن اختيار المملكة المغربية لاحتضان هذه الورشة الدولية للتفكير “يعكس الثقة الموضوعة في بلادنا كفضاء للحوار والتشاور والبحث عن حلول مشتركة في خدمة النهوض الشامل بحقوق الإنسان”، مفيدا أن ذلك يشهد على الإرادة السياسية الراسخة للمملكة، بفضل الرؤية الملكية، “لدعم المبادرات النوعية الرامية إلى تعزيز فعالية، ووجاهة وتأثير الآليات الأممية لحقوق الإنسان”. وشدد المسؤول الحقوقي على أن “تعزيز هذه الآلية ليس غاية في حد ذاته، بل يندرج ضمن طموح أوسع يتمثل في جعل حقوق الإنسان واقعاً معاشاً للجميع، وفي كل مكان، دون تمييز”.
وأشار المتحدث نفسه أنه “بعد عشرين سنة على إطلاقها، أثبتت آلية الاستعراض الدوري الشامل أنها تشكل إحدى أهم الابتكارات المؤسساتية في منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان”، مضيفا أنه “بفضل طابعها الشمولي، ونهجها القائم على الحوار بين النظراء، وطبيعتها التعاونية، وانفتاحها على كافة الأطراف المعنية، استطاعت هذه الآلية أن تحظى تدريجياً بثقة الدول، لتصبح فضاءً متميزاً لتبادل التجارب، وتقاسم الممارسات الجيدة، والنهوض بالإصلاحات وتعزيزها”.
وأردف أنه “إذا كانت آلية الاستعراض الدوري الشامل قد أثبتت وجاهتها ومرونتها، فإن التجربة المتراكمة خلال الجولات الأربع تظهر أيضا أن التحدي الحقيقي يظل كامناً في التنفيذ الفعلي للتوصيات، وترجمتها إلى تحسينات ملموسة في الحياة اليومية للمواطنين. وهو طموح يقتضي مواصلة الجهود الرامية إلى ترسيخ التملك الوطني للمسار من قبل كافة الأطراف المعنية”.





