فيضانات آسفي… حين تتحوّل الكارثة الطبيعية إلى منصة للمزايدة الإيديولوجية

خلفت الفيضانات التي ضربت مدينة آسفي وأسفرت عن مصرع 21 مواطنًا صدمة إنسانية عميقة وحزنًا مشروعًا، لا يملك أمامه أي ضمير حي إلا أن ينحني إجلالًا لأرواح الضحايا ويتضامن مع ذويهم. غير أن ما أعقب الكارثة من ضجيج سياسي وإيديولوجي، كشف مرة أخرى عن الوجه الحقيقي لبعض التيارات التي لا ترى في المآسي إلا فرصة للانقضاض على الدولة، وتصفية الحسابات مع النظام، ولو على حساب المنطق، والعقل، وحتى الدين الذي تزعم الدفاع عنه.
فما إن انحسرت مياه السيول، حتى انطلقت أصوات اليساريين الراديكاليين، وتنظيمات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان، مطالبة بـ«المحاسبة»، وكأن السؤال المنطقي هو: من نحاسب؟ الدولة؟ الحكومة؟ المؤسسات؟ أم نذهب مباشرة – إن كانوا صادقين مع خطابهم الديني – إلى محاسبة الطبيعة و تقلباتها؟
إن منطق هؤلاء يقوم على مغالطة كبرى: تحميل الدولة مسؤولية ظواهر كونية خارجة عن سيطرة البشر. فالكوارث الطبيعية، من فيضانات وزلازل وأعاصير، تضرب أقوى دول العالم وأكثرها تقدمًا، من الصين إلى الولايات المتحدة، ومن أوروبا إلى اليابان، رغم ما تمتلكه من تكنولوجيا متطورة وبنى تحتية متقدمة وأنظمة إنذار مبكر. ومع ذلك، تسقط الضحايا وتُعلن حالات الطوارئ، دون أن يخرج أحد ليطالب بمحاكمة الدولة لأنها لم توقف غضب الطبيعة.
الطبيعة، حين تثور، لا تعترف بالحدود ولا بالإيديولوجيات ولا بالشعارات. والمطر، في العقيدة الإسلامية التي يتاجر بها الإسلاميون، هو رزق ورحمة وقد يكون ابتلاءً، وليس أداة سياسية لتصفية الحسابات. فكيف يستقيم أن يستشهدوا بالدين حين يخدم خطابهم، ويتناسوه حين يفرض عليهم التسليم بقضاء الله وقدره؟
أما الحديث عن “ضعف البنية التحتية” و”تأخر الإنقاذ”، فهو حديث مشروع إن أُطِّر في سياق عقلاني تقني هادئ، يهدف إلى التقييم والتحسين المستقبلي، لا في سياق التحريض والتجييش وتوظيف الدماء لإسقاط الدولة. الفرق شاسع بين النقد المسؤول، والمزايدة السياسية الرخيصة.
إن الدولة ليست كائنًا خارقًا يتحكم في الغيوم، ولا سلطة مطلقة تستطيع منع السيول من الجريان. دورها هو التدبير في حدود الممكن، والتدخل لتقليص الخسائر، وهو ما يتم – مع الاعتراف بوجود نواقص قابلة للنقاش والتطوير – في إطار إمكانيات بشرية ومالية محددة.
لكن اليسار المتطرف، والإسلام السياسي، لا يعنيهما ذلك. فالأول يعيش على خطاب سوداوي يرى في الدولة أصل كل شر، والثاني يوظف الكوارث لإعادة إنتاج سردية المظلومية وتهييج الشارع، تمهيدًا لمشروع رجعي لا علاقة له لا بالإيمان ولا بالعدالة الاجتماعية، بل بانتهازية سياسية مكشوفة.
إن أخطر ما في هذا الخطاب، ليس فقط زيفه، بل محاولته استغلال آلام الناس لتغذية العداء للمؤسسات، وضرب الثقة في الدولة، وخلق قطيعة نفسية بين المواطن وبلده. وهو سلوك لا يقل خطورة عن الكارثة الطبيعية نفسها، لأنه يهدد الاستقرار ويزرع الفوضى باسم التعاطف.
رحم الله ضحايا فيضانات آسفي، وجعل مثواهم الجنة، وألهم ذويهم الصبر والسلوان. أما تجار المآسي، فسيبقون مكشوفين، مهما حاولوا التستر خلف شعارات المحاسبة والدين والنضال، لأن الشعوب – في نهاية المطاف – تميّز بين النقد الصادق، والاستثمار القذر في دماء الأبرياء.







