تغيير فلسفة الصفقات العمومية.. هل يخدم معيار العرض “الأقل ثمناً” تنافسية المقاولات؟

أثار استعداد الحكومة لتغيير فلسفة تدبير وإبرام الصفقات العمومية، عبر الانتقال في تقييم العروض المتنافسة من معيار “العرض الأفضل ثمناً” إلى معيار “العرض الأقل ثمناً”، (أثار) قراءات متباينة في أوساط الفاعلين في قطاع الصفقات العمومية وأرباب المقاولات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، لما يحمله هذا التحول في منهجية اختيار نائلي الصفقات العمومية من تأثير مباشر على مستوى مشاركة المقاولات المغربية وقدرتها على المنافسة للفوز بالطلبيات العمومية.
وتستعد الحكومة لإحداث تغييرات جوهرية في مضامين مرسوم الصفقات العمومية الذي يجري العمل به اليوم في تدبير الطلبيات العمومية، من خلال مراجعة عدد من مقتضياته وإدخال تعديلات على آليات إبرام وتنفيذ الصفقات، خاصة ما يتعلق منها بتقديم العروض والمعايير التي تعتمدها الإدارة في اختيار نائلي الصفقات العمومية، حيث فتحت الأمانة العامة للحكومة مسطرة التعليق للعموم على مشروع المرسوم بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، قبل مروره إلى مرحلة المصادقة بالمجلس الحكومي.
وليست هذه أول مرة تعتمد فيها الحكومة منطق العرض “الأقل ثمنًا” في إبرام الصفقات العمومية، بل هي المسطرة التي كانت معمول بها قبل صدور مرسوم الصفقات العمومية لسنة 2023. هذا الأخير استحدث مفهوم العرض “الأفضل ثمنًا”، والذي يُحتسب وفق عملية دقيقة تعتمد على:
- حساب المتوسط الحسابي لجميع العروض المالية المقدمة من الشركات المتنافسة.
- إضافة هذا المتوسط إلى الكلفة التقديرية للمؤسسة صاحبة المشروع.
- قسمة الحاصل الإجمالي على اثنين لتحديد السعر المرجعي، ليفوز بالصفقة أقرب عرض لهذه النتيجة.
“رجوع للوراء” و”خسارة” للمقاولات الصغيرة
عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، قال إن “ما يحدث حالياً لا يمثل خطوة إيجابية لفئة المقاولات، بل هو بمثابة رجوع إلى الخلف”، موضحاً أن “العمل بمنهجية الأقل ثمناً سيتسبب في كسر الأسعار واختلال جودتها بشكل كبير”.
وأضاف الفركي، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أنه “في فترات سابقة، كانت هناك مقاولات تسعى فقط لتحقيق مكاسب سريعة بتقديم أسعار خيالية وغير منطقية، ولا يمكن حتى إن كان نائل الصفقة هو المنتج الأصلي للمواد الأولية بنفسه أن يغطي تكاليفها أو يحقق منها هامش ربح قانوني منها، ورغم ذلك كانت الدولة تمنحهم الصفقات”.
ويشدد الفركي على ضرورة وضع الحكومة، من خلال المرسوم الجديد، سقفاً أدنى للعروض المقدمة (Barème) لا يمكن النزول تحته لحماية قطاع المقاولات؛ مبرزاً أنه في غياب هذا المعيار، ستتراجع الجودة وتكثر النزاعات القانونية بين القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية وأصحاب المقاولات.
وسجل الفركي أن العديد من المقاولين يقدمون أسعاراً منخفضة جداً لمجرد الفوز بالصفقة العمومية، وعندما يصطدمون بالواقع الميداني، يعجزون عن إتمام المشاريع، فتكون النتيجة تعثر المرفق العمومي وخسارة الدولة والولوج في متاهات المحاكم التي تستغرق سنوات، قبل الاضطرار إلى فسخ العقد وإعادة طرح طلبات عروض جديدة.
وأضاف رئيس الكونفدرالية أن الأفضلية في العروض كان يجب أن تعتمد على “العرض الأفضل” (Le mieux-disant) المرتكز على دراسات واقعية ودفاتر تحملات واضحة تحدد سقفاً معقولاً للأسعار، بدلاً من الاعتماد على “العرض الأقل سعراً” (Le moins-disant) الذي أثبت فشله، في التجربة السابقة، فالجهات المعنية بالدراسات تملك دراية بأسعار المواد الأولية والحد الأدنى للتكلفة، ولذلك لا ينبغي السماح بالنزول عن هذه الحدود لحماية المقاولات من الإفلاس وحماية المشاريع العمومية من التوقف.
مسطرة الأقل ثمناً أفضل
من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي، رشيد ساري، أن النظام الذي كان معتمدًا في السابق في الصفقات العمومية كان يرتكز على اختيار العرض الأقل تكلفة، بعد ذلك، جاء المرسوم الجديد في 2023 والساري المفعول حاليًا ليعتمد معيار الأفضل عرضًا، مشيراً إلى أن “هذا النظام الأخير يطرح مجموعة من الاختلالات الحقيقية؛ أولها هو المعايير المعتمدة لاحتساب (العرض الأفضل)”.
واعتبر ساري، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن “مسطرة العرض الأفضل ثمناً تثير العديد من النقاشات نظرًا لأن الفارق بين الفائز بالصفقة ومن يليه قد لا يتعدى في بعض الأحيان بضعة دراهم، أي أن هذه الطريقة في اختيار الفائز بالصفقة قد تظلم منافسا على حساب آخر بفارق مالي بسيط”، مبرزاً أن “الإشكال الثاني، فيتجلى في مدى توفر معايير الإنجاز في أحسن الظروف لدى صاحب “الأفضل عرضًا” مقارنة بصاحب الأقل عرضًا (أقل ثمن)”.
وأكد الخبير الاقتصادي عينه أن “(نظام العرض الأقل ثمنًا) يتيح خفض مجموعة من الأعباء المادية”، مسجلاً أن “الصفقات العمومية الحالية تتميز بوضوح تام وشفافية كبيرة، وذلك لأن الثمن التقديري لإنجاز أي مشروع يكون محددًا ومعلومًا مسبقًا من طرف المؤسسة العمومية (على سبيل المثال: 100 ألف درهم). بناءً على ذلك، فإن كل مقاول يدخل هذه المنافسة يكون على علم بالرقم التقريبي للمشروع، ويتعين عليه تقديم عروض بأسعار أقل من هذا الثمن التقديري المعلن”.
وانتقد رشيد ساري “التوجه نحو تعقيد المساطر من خلال اعتماد نظام الأفضل عرضًا، معتبرًا إياه “نظامًا غير عادل، لكونه يحرم في كثير من الأحيان الشركات المتوسطة من الفوز بالصفقات، مقابل استحواذ شركات بعينها (نفس الشركات) على هذه المشاريع”.
وفي هذا الصدد، أوضح الخبير الاقتصادي أن “الشركات المتوسطة تتميز بتقديم عروض أقل ثمنًا لأنها لا تتحمل أعباء ومصاريف ضخمة مقارنة بالشركات الكبرى، وبالتالي فإن نظام “الأقل ثمنًا” يتيح للجميع فرصة الولوج إلى الصفقات ويضمن عدالة حقيقية بعيدًا عن الحسابات المعقدة”.
وردًا على المخاوف المتعلقة بتأثير نظام “الأقل ثمنًا” على جودة المشاريع المنجزة من طرف الشركات، أكد الخبير أن “الجودة لا تتأثر أبدًا؛ حيث تم إنجاز مشاريع كبرى في المغرب بناءً على هذا النظام”، مبرزاً أن “الإدارة العمومية، في حال تبين لها أن الثمن المقترح منخفض بشكل مبالغ فيه، تطلب استفسارات وتوضيحات من المقاول لمعرفة المعايير التي اعتمد عليها لتحديد هذا السعر مقارنة بالتقدير الأولي. فإذا كانت التبريرات منطقية يُقبل العرض، وإذا كانت غير واضحة يُلغى ويؤول المشروع للمرتب الثاني”.







