رأي

حقائق وأوهام تتعلق بملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة

حقائق وأوهام تتعلق بملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة

كلما اقترب أكثر، موعد المراجعة الدورية لقضية الصحراء المغربية، وتجديد مهمة المينورسو داخل مجلس الأمن، كلما ازدادت تحركات الأطراف المعنية بهذا النزاع المفتعل، المغرب من جهة، والجزائر وربيبتها البوليساريو من جهة أخرى. كما أن وسائل الإعلام الجزائرية تنخرط في حملة مسعورة، بتوجيه طبعا من جنرالات البلد الجار، من أجل “غسل دماغ” المواطنين الجزائريين، والمحتجزين المغاربة في مخيمات تيندوف؛ المجموعة الأولى، من أجل الترويج أمامها لانتصارات دبلوماسية خيالية، تبرر صرف المليارات من خيرات الجزائريين عليه، وكذا تبرير استمرار قطع أواصر التواصل بين الشعبين الشقيقين، وباقي شعوب المغرب الكبير؛ والمجموعة الثانية، من أجل مزيد من كسب الوقت بعد قرابة نصف قرن من الوعود بنصر لا ولن يأتي!!
وكأي إعلام دعائي، فإن التضليل والتدليس والمغالطات والتلاعب بالإحصائيات والأرقام، هي أسلحته المعتادة لمحاولة الوصول إلى الأهداف التي سطرها جنرالات فرنسا، وسنقوم هنا باستعراض أبرز هذه الأكاذيب، التي تعتبر عماد الحملات الإعلامية الجزائرية الدائمة، وتوضيح الحقائق المقابلة لهذا التضليل، وفق منطق الأمم المتحدة نفسها، حتى لا تعتبر هذه مجرد حقائق مغربية مضادة.

أولى وأبرز الحقائق التي لا تريد السلطات الجزائرية، وصنيعتها البوليساريو، الإقرار بها هي تلك المتعلقة بالاستفتاء المتضمن لخيار الاستقلال عن المغرب، والذي حاول المنتظم الأممي تطبيقه أواسط التسعينات، قبل أن يصل إلى قناعة باستحالة هذا الأمر، نظرا لاستحالة الاتفاق على هوية من يحق لهم التصويت فيه. هذه القناعة تم التعبير عنها بشكل واضح، دون أدنى ظلال من شك أو التباس، وليست مجرد “اجتهاد” مغربي، أو من طرف بعض الدول المؤثرة في مجلس الأمن دون أخرى. قناعة جاء أوضح تعبير عنها، مستخدما لفظ “استحالة” على لسان الأمين العام للأمم المتحدة ساعتها كوفي عنان، بعد أن كان من المتحمسين لإجراء الاستفتاء وإقفال هذا الملف. وأمام هذه الحقيقة، يصبح العناد الجزائري مدعاة للاستهزاء والاستنكار، داخليا، وإقليميا، ودوليا، وعنوانا لإفلاس لم تستطع الدبلوماسية الجزائرية “العتيدة” تجاوزه، منذ تقديم المغرب لمقترح الحكم الذاتي عام 2007.

مقابل هذه الحقيقة، هناك واقع مغربي يحظى باعتراف الغالبية الساحقة من دول العالم، بدرجات وتعابير متفاوتة، تخص خطة الحكم الذاتي، كشكل من أشكال تقرير المصير. وعليه، فعندما ترد عبارة “تقرير المصير” في قرارات الأمم المتحدة، فهي لا تعني “عبر الاستفتاء” كما تروج لذلك الجزائر وربيبتها، وإنما تتحدث بشكل عام عن “حل سياسي” باتفاق الطرفين، يتيح للصحراويين التحكم بمصيرهم، وهو تماما ما يقومون به حاليا في ظل “الجهوية الموسعة” التي تعطي لسكان جهات المملكة المغربية الاثنتي عشر، إمكانية تسيير موازناتهم وبرامجهم التنموية وفق إرادتهم الحرة، وعبر منتخبيهم من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والمهنيين. هذا الشكل من تقرير المصير، مرفوض وبشدة طبعا من قبل جنرالات الجزائر، مدنيين وعسكريين، ومن طرف مرتزقة البوليساريو، الذين لا يعرفون سوى مبدأ واحدا في التعامل مع من هم تحت سلطتهم: “لا نريكم إلا ما نرى”، ولا يعتبرون أصلا، أن من حق المواطنين أن يكون لهم مجرد رأي فيما تضعه السلطات التنفيذية لمستقبلهم ولإدارة ثرواتهم من خطط وبرامج (إذا جاز تسمية عبثهم بهذا الاسم).

ثالث الأكاذيب وأكثرها مثارا للسخرية يتعلق بما تروج له البوليساريو عن “حروبها الوهمية” على المغرب، وتحاول الجزائر تسويقه -بشكل أكثر هزلا- على اعتبار أن هذه “الحرب” تهديد للأمن والسلم الدوليين، لا سيما في منطقة الصحراء. إذ كيف يعقل، أن يتجاوز عدد البيانات العسكرية التي تؤرخ لهجمات البوليساريو العسكرية على الجدار الأمني الألف، ولم تستطع أن تقترب حتى -ناهيك عن أن تحرر- معبر الكركرات؟! ويعلم كل جزائري، ومحتجز في تندوف، أن “خردة” الاتحاد السوفييتي السابق، التي تم بيعها بالمليارات في حالة متردية للقوات المسلحة الجزائرية، وقامت بدورها بمنحها لعصابات البوليساريو بعد أن صدئت، يمكنها أن تحقق أي انتصار، أو حتى إزعاج، للترسانة العسكرية المغربية المتطورة، التي تحمي سيادتها الوطنية على أقاليمها الجنوبية؟!

رابع الحقائق التي يكابر جنرالات الجزائر في الاعتراف بها، والتصرف على أساسها، أن صياغة قرارات الأمم المتحدة تخضع لأليات محددة، تشمل تقارير الأمين العام ومبعوثه الشخصي ومسؤول بعثة المينورسو، وتصوغها في النهاية الدولة “حاملة القلم” التي هي -في هذا النزاع- الولايات المتحدة، بلغة تضمن ألا يستخدم أحد البلدان دائمة العضوية لحقها في النقض “الفيتو”. وعليه، ومنذ سنوات، بدا لافتا أن جميع قرارات مجلس الأمن الدورية قد حظيت بترحيب المغرب، ورفض وغضب الجزائر وربيبتها، وهو واقع غير مرشح لأي تغيير، لاسيما بعد الموقف المتقدم للولايات المتحدة المتمثل في الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، وليس مجرد خطته للحكم الذاتي؛ وهو موقف يحظى بترحيب بريطاني، “موافقة” فرنسا، “وعدم ممانعة” من الصين وروسيا. كيف لا ومصالح هذه الدول مجتمعة هي مع الطرف الأقوى في هذا النزاع المفتعل، المغرب، والسياسة كما يعلم الجميع، باستثناء حكام الجزائر، مبنية على المصالح وليس الأحقاد والعناد!

مغالطة جزائرية إضافية، تتعلق بمحاولة التشويش على قضية حقوق الإنسان في الصحراء المغربية، وهو ما يثير استهزاء باقي دول العالم، لأن سجل هذا البلد في أي مجال حقوقي، يجعله يتوارى خجلا عندما تذكر كلمة “حقوق” حتى حقوق الحيوانات! فكيف لبلد يرفض -وبإصرار- زيارة جميع المسؤولين الأمميين المعنيين بمختلف مجالات حقوق الإنسان (حق التظاهر، حق تأسيس الجمعيات، حق التعبير الحر، حق تشكيل النقابات.. الخ) ومنذ زمن طويل، كيف له أن يدافع عن توسيع ولاية المينورسو لتشمل رصد انتهاكات حقوق الإنسان، لاسيما مع معرفتنا “سوء الاستخدام الغربي” لهذه القضية، وتعوّد دول، كفرنسا مثلا، على استخدامها لابتزاز الدول المدافعة عن سيادتها الوطنية. ثم أين هي غيرة السلطات الجزائرية على حقوق الإنسان المحتجز في مخيمات تندوف، وهي ترفض أصلا السماح لمفوضية الهجرة الأممية بمجرد إحصائهم ومعرفة عددهم؟! على الأقل، نحن نعرف أسماء وعناوين المعارضين الصحراويين لخطة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، وهم يتمتعون بحرية السفر والتعبير وزيارة البرلمان الأوروبي وغيرها من الأنشطة، فهل يضمن جنرالات الجزائر، ومرتزقتهم، حقوقا مماثلة للناشطين الصحراويين المؤمنين بحل الحكم الذاتي؟!

ختاما، فإن قمة ما يخشاه النظام الجزائري، ويعمل على تأخيره الراعي الفرنسي، رغم علم الطرفين أنها لحظة تقترب بشدة، هو نفاذ صبر العالم على استمرار هذا النزاع المفتعل، وإنفاق المزيد من المليارات على قوة السلام (المينورسو) هناك، دون مبرر حقيقي. وربما تأتي هذه اللحظة بأسرع مما يتمناه قادة المغرب ويخشاه قادة الجزائر، ويعود العالم إلى “خيارات كوفي عنان الأربعة”، بعد أن حذف منها خيار الاستفتاء وخيار التقسيم، وتبقى على الطاولة خيار اعتماد مخطط الحكم الذاتي دون انتظار موافقة البوليساريو، وخيار خروج المينورسو والأمم المتحدة من المنطقة، وترك الأطراف تواجه مصيرها! وهما خياران يعتبران كابوسا -بل مصيبة- حقيقيا للجزائر والبوليساريو، ومصيرا مرحبا به بالنسبة للمملكة المغربية، الماضية في تجسيد خطتها للحكم الذاتي على الأرض دون انتظار أحد، والقادرة على الدفاع عن حدودها بطريقة يعلم العالم صرامتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News