فن

هكذا عاش الفنانون المغاربة فترة الإغلاق الكلي بزمن كوورنا

لم تستثن جائحة كورونا قطاع الثقافة والفن من تداعياتها السلبية التي أوقفت الحياة وفرضت شروطا جديدة للعيش اليومي، وجدت معها فئة كبيرة من الفنانين المغاربة، بين عشية وضحها، أنفسهم معطّلين عن العمل قسرا بسبب تفشي فيروس قضّ مضجع العالم، وألحق خسائر مادية بكل القطاعات منذ مارس 2020.

وفرضت الإجراءات الاحترازية المتخذة من الحكومة المغربية للحد من تفشي “كوفيد 19″، على غرار باقي دول العالم، حالة من الجمود في جميع القطاعات، بما فيها الفني، الذي تضرر بشكل كبير بسبب إغلاق جميع الفضاءات الفنية وإلغاء وتقييد التجمعات، من سهرات ومهرجانات ومعارض سنيمائية وحفلات فنية، إلى أجل غير مسمى.

وقامت السلطات الصحية والمحلية منذ شهر مارس 2020؛ بسبب تأزم الوضعية الوبائية، بإغلاق دور العرض وقاعات السينما والمسارح ومنعت الحفلات بشتى تلاوينها، ليصطدم الفنانون المغاربة بواقعين متناقضين: الأول للمحظوظين منهم الذين تمكنوا من ركوب مركب الأعمال الرمضانية، والثاني لمن لم يسعفهم الحظ وظلّوا متخبطين في المجهول، مستغرقين في حاضر لا يرحم  ومستقبل معتم، لا حيلة بيدهم سوى مواساة أنفسهم بغد قريب أفضل، ورفع معنويات بعضهم البعض، بقلوب مفجوعة، من منازلهم التي ربما لم يتمكنوا حتى من أداء إيجار سقفها الذي يأويهم.

الفنانون.. أي موقع في خريطة المهن؟

سؤال تبادر إلى ذهن كل فنان حُرم من لقمة عيشه مباشرة بعد فرض الحجر الصحي في مارس من السنة الفارطة. في النهاية، الفنان، مهما بلغت شهرته، فهو رب أسرة مُهمّته، قبل إيصال رسالته الفنية، توفير لقمة العيش لها. يقول الممثل رشيد علي العدواني في تصريح لجريدة “مدار21”: “لقد كان للحجر الصحي سلبيات وإيجابيات. لكن ما آلمني في البداية بعد إغلاق المسارح هو السؤال التالي: أين هي مهنة الفنان وسط خريطة المهن؟”، مضيفا “هناك الأستاذ، الشرطي، المهندس، لكن أين هو الفنان؟”

رغم ذلك، يقرّ العدواني أن لفترة الحجر الصحي إيجابيات أيضا لم يكن يجد لها حيّزا كافيا في حياته اليومية، ويقول “وجدت وقتا لعائلتي الصغيرة، وتفرّغت لمشاريعي الفنية والأكاديمية بحكم أنني طالب في السنة الثانية في سلك الدكتوراه”.

وأقرّت الحكومة تمديد فترة الحجر الصحي بتدابير احترازية صارمة وطال معها انتظار فرجٍ قد لا يأتي، على المدى القريب على الأقل. أمام هذا الوضع، بدأت فئة كبيرة من الفنانين المغاربة  في البحث، مُجبرين، عن حلول بديلة تمكنهم من توفير لقمة عيشهم. هذا الواقع المرير ينطبق على رشيد العدواني، الذي انضم إلى فرقة مسرحية تجمع ثلة من الفنانين من مختلف بقاع العالم، جمعتهم ظروف الجائحة قبل الفن، فلجؤوا إلى العالم الافتراضي لعرض فنّهم، وفق ما أكده للجريدة: “كنا سبعة ممثلين مسرحيين من سبع جنسيات مختلفة، ومن بلدان مختلفة (أمريكا، أمريكا اللاتينية، كندا، اليابان، أستراليا والمغرب) وكانت لغة التواصل بيننا هي الإنجليزية”.

لقد شكّلت وسائل التواصل الاجتماعي المتنفس الوحيد لهؤلاء الفنانين خلال فترة الإغلاق الكلي، ويوضّح المتحدث ذاته بهذا الصدد “بمساعدة تطبيق الزوم كنا نقوم كل يوم بالتدريبات، متقاسمين مع بعضنا البعض أنشطتنا اليومية.”

حلول بديلة.. الضارة النافعة
دفعت حالة الركود الفني التي فرضها تفشي فيروس كورنا رشيد العدواني إلى البحث عن حلول بديلة مؤقتة لكسب لقمة العيش، وصرّح بالقول: “من آخر الحلول التي وجدتها بعد سنة من الإغلاق هي الانخراط في نقابة سائقي النقل عبر خدمات التطبيقات الإلكترونية، بحكم أنني أحب السياقة والتعرف على الناس والتقرب أكثر من المجتمع الذي أعيش فيه. لقد كانت تجربة جديدة بالنسبة لي، إذ زاولت مهنة سائق لمدة أربعة أشهر.”

ويتفق أمين ناسور، الممثل والمخرج المسرحي، مع صعوبة فترة الفراغ التي مرّ منها غالبية الفنانين المغاربة في فترة الحجر الصحي، وأوضح في تصريح لـ”مدار21″: “المسرحيون دبّروا الأزمة مثل جميع المغاربة وذلك عن طريق إنفاق مدخراتهم أو عن طريق تضامن الفنانين فيما بينهم أو تلقّي مساعدات من عائلاتهم”، مضيفا بنبرة يائسة “هناك من عاشوا مآسٍ اجتماعية حقيقية وصعبة جدا، ومنهم من اضطر إلى تغيير حرفته ليستطيع توفير لقمة عيشه”، منهيا حديثه بعبارة “لهلا يعاودها، فترة الحجر فترة عدم الاشتغال”.

بيْد أن العدواني يرى في تجربة السياقة قيمة مضافة ستساعده مستقبلا في مجاله الفني، وأوضح بهذا الصدد “كانت تجربة فريدة من نوعها ستفيدني في مجال التمثيل بالدرجة الأولى، فقد تمكنت من التعرّف على شخصيات جديدة وعلى قصصهم التي كانت ملهمة بالنسبة لي”.

إضافة إلى ذلك، استغلّ رشيد فترة اشتغاله سائقا عبر خدمة التطبيقات الإلكترونية في تصوير كاميرا خفية بثت خلال شهر رمضان الماضي.

القطاع غير المهيكل.. من ساحة الفنا إلى التسوّل!

بعدما توقفت حركة ساحة “جامع الفنا”، القلب النابض لمدينة مراكش، بسبب انتشار الوباء، كحال جميع الأنشطة الثقافية والفنية، وجد أكثر من 400 فنان استعراضي وحكواتي وبهلواني “الحلايقية” أنفسهم يعانون من الهشاشة والفقر المدقع.

هم مهنيو الفن المحرومون من حقهم في العيش الكريم. فنان استعراضي لا يستفيد من الحماية ‏الاجتماعية، وليس لديه الحق في بطاقة الفنان، الشيء الذي أكده الفنان الاستعراضي بساحة جامع الفنا، عبد العزيز البهليلي، لجريدة “مدار21″، معبّرا بألم عن حسرته لاضطراره إلى “امتهان التسوّل” بسبب عدم تمكنه من التغلب على شظف العيش.

البهليلي، الذي قضى أكثر من خمسين سنة في تقديم عروض بهلوانية بساحة جامع الفنا،، تابع الحديث عن معاناته أثناء فترة الحجر الصحي: “لم نجد أي حل بديل لسد حاجاتنا البسيطة، عشنا لمدة سنة ونصف على بقايا من هم في وضعية اجتماعية أحسن من وضعيتنا”، مضيفا “غير كنهربو من مالين الكرا”.

أمين ناسور.. “مسرحي للبيع”

قال المخرج والمسرحي أمين ناسور، صاحب مبادرة “مسرحي للبيع”، معلّقا على القرار الحكومي القاضي باستثناء المسارح ودُور السينما من تخفيف القيود المتعلقة بجائحة كرونا، في ماي الماضي، والتي همّت جميع القطاعات، إنه: “إجحاف في حق هذا القطاع، فحكومة بلدي لا تريد الثقافة والفن”، مضيفا: “حكومة بلدي لا يهمها سوى الخبز للأصوات الانتخابية… أمام صمت كل النخب وكل الشرائح في مجتمعي حول الثقافة والفن.. أعلن نفسي مسرحيا للبيع.”

بهذا التعليق أطلق الفنان أمين ناسور صرخته على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، لتنشر بسرعة البرق عبر جميع منصات “السوشيال ميديا”، وتفاعل معها مجموعة كبيرة من الفنانين المسرحيين.

حملة عبّر من خلالها الفنان المغربي عن استنكاره للقرار الحكومي الصادر يوم 20 من شهر ماي الماضي. وبخصوص حملته المسماة “مسرحي للبيع”، يعتبر ناسور أنها: “لم تكن “للبوز”، بل صرخة فنان حقيقية، ناتجة عن إحساسي بالظلم نظرا لضبابية تعامل الحكومة المغربية مع الثقافة والفنون، لأنه قبل القرار الحكومي بدأت الحياة تعود تدريجيا لمجموعة من القطاعات، باستثناء القطاع الفني، وهذا حزّ في نفسي، كأننا في آخر سلّم الترتيب، كمواطنين مغاربة أولا وكفنانين يقدّمون الوجه الحضاري للمملكة ثانيا”.

وزاد موضحا: “فكرة مسرحي للبيع هي حملة لاقت تفاعلا كبيرا من طرف الفنانين إلى جانب الإعلام المغربي بكل أطيافه، وأنا أحيّي الصحافة المغربية على مساندتها ومواكبتها للقضية”.

“جا وجاب”.. ضوء في آخر النفق

تصدّرت كلمة “تخفيف” عناوين جميع الصحف المغربية والدولية بعد قرار الحكومة المغربية، يوم الثلاثاء21 يونيو الماضي، تخفيف القيود المتعلّقة بجائحة فيروس كورونا، التي تشمل إجراءات السماح بإقامة أنشطة وتجمعات وفق شروط محددة، وإعادة فتح قاعات السينما والمراكز الثقافية بنصف طاقتها الاستيعابية. وقالت السلطات المختصة إن هذا القرار أتي بعد تحسن الوضع الوبائي وتقدم عمليات التلقيح في المملكة.


وتلقّى الفنانون، بجميع مشاربهم وألوانهم، القرار القاضي بإعادة فتح المسارح ودور السينما بعد نحو سنة ونصف من الإغلاق، بفرحة عارمة وترحاب كبير، وكانت مسرحية “جا وجاب” أوّل عملٍ يدشّن افتتاح المسارح بعد الأزمة.

وعُرضت مسرحية “جا وجاب” بمسرح محمد الخامس بالرباط. هذا العمل عبارة عن كوميديا من توقيع فرقة المسرح الوطني، وبعدها مسرحية “شاطارا” لمخرجها أمين ناسور، لتتوالى الأنشطة الفنية واحدة تلو الأخرى.

وبهذا الخصوص كانت الفنانة المغربية سعاد خويي قد عبّرت لجريدة “مدار21″، في تصريح سابق، عن فرحتها بعودة عجلة الفن إلى الدوران، وقالت:” لمسنا اشتياق الجمهور للمسرح كفضاء وكذلك لفرقتنا المسرحية، وأحسسنا بذلك التجاوب الكبير للجمهور، لقد استمتعنا كذلك باجتماع ولمّة المجموعة من جديد، وأرى أن عودة الحياة للقطاع الفني هي أيضا حياة جديدة للعديد من الشغيلة بالقطاع”.

ومن جهته أوضح أمين ناسور بهذا الخصوص “استقبلنا إعادة فتح المسارح، التي تعتبر إعادة إحياء المسرح بفرحة كبيرة جدا، وسنلتقي بالجمهور الحي بعد سنة ونصف من الغياب”.

تعليقات الزوار ( 1 )
  1. الفن هو إبداع يمكن من خلاله تقويم إنكسارات المجتمع و خلق أشياء مميزة في حبكتها و هو محرار لمعرفة مقدار عظمة البلدان و تقدمها في جميع العلوم,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *