رأي

رأس السنة

مع قرب انتهاء كل سنة ميلادية كانت أم هجرية أو أمازيغية أو وفق أي تقويم آخر، يستعد عموم الناس للتوديع، لتوديع سنة أشرفت عن الانتهاء ونسيان ما حملت معها من إحباطات وإخفاقات وصدمات وكل الأشياء السلبية الأخرى، واستقبال سنة أخرى جديدة باستشراف وتفاؤل وأمل. وهذا المشهد يتكرر مع بداية كل سنة جديدة وسيظل الأمر كذلك إلى أن يرث الله الارض ومن عليها. وستتكرر العادة لا محالة دون أن نمل أو أن نكل أو أن نكلف أنفسنا عناء السؤال عن جدوى الاستمرار في الاحتفال برأس السنة لسبب بسيط وهو اننا ورغم كل شيء مقبلون عن الحياة ونحبها ونريد ان نعيش اليوم أفضل من الأمس والغد أفضل من اليوم.
نريد حاضرا أفضل من الماضي ونريد غدا أفضل من الحاضر، وأعتقد انه تفكير منطقي وسليم في كل الحالات. لذلك يتسابق الأصدقاء بتبادل التهانىء والتبريكات وتقديم أفضل الأمنيات بموفور الصحة والعافية وبالتوفيق للجميع في كل المجالات الحياتية الخاصة منها والعامة، الشخصية منها والمهنية، بأفضل البطاقات وأجمل العبارات والصور والفيديوهات التي توفرها اليوم وسائط التواصل الاجتماعية بكل تلويناتها وأصنافها. بعض هذه البطاقات تحمل أسماء أصحابها، والبعض الآخر، وهو السائد عموما، تكون مجهولة الأصل والاسم، لكنها تؤدي نفس الوظيفة التواصلية وتعبر عن العلاقة الشخصية التي تجمع بين المرسل والمرسل إليه بدرجات متفاوتة.
وتتزايد وثيرة تبادل رسائل وبطاقات التهانئ مع قرب منتصف ليلة الواحد والثلاثون من دجنبر، حيث العد التنازلي يشتد عندما يجتمع الاهل والأصدقاء في البيوت أو في المطاعم وغيرها من الاماكن لتتبع السهرة الفنية التي تعدها مختلف قنوات التلفزة والتي تتخللها فقرات فنية متنوعة من أغاني مشهورة وسكيتشات فكاهية في حضرة ضيوف يتم اختيارهم بعناية فائقة ليقدموا أفضل ما أنتجوا و يقدموا حصيلة السنة التي هم بصدد توديعها والمشاريع التي يعتزمون إنجازها خلال السنة الجديدة، وذلك في بلاطوهات مجهزة بعناية كبيرة من إنارة مثيرة وديكورات فاخرة وتصوير باهر. ويقوم المشاهدون من داخل بيوتهم بتحضير الأجواء الاحتفالية وتنشيطها بموائد مليئة بأنواع مختلفة من الحلويات والمشروبات وما يصاحبها من أجواء الدعابة والمرح والتنكيت والرقص على ايقاعات الأغاني المبرمجة في السهرات التي تتنافس القنوات التلفزية في تقديمها. نفس القنوات تتنافس فيما بينها طيلة الشهر في تقديم تقارير وربوطاجات بالصوت والصورة لأهم الأحداث التي ميزت السنة التي أوشكت عن الإنتهاء محليا ووطنيا وإقليميا وقاريا ودوليا. وتدعو إلى استوديوهاتها محللين متخصصين في السياسة والاقتصاد والعلوم والاجتماع والثقافة والرياضة وغيرها ليسلطوا الضوء على أهم محطات السنة ويضعوها في سياقها العام والخاص واسبابها وتداعياتها على جميع الأصعدة. ولعل أبرز إنجاز على الصعيد الوطنيتم التركيز عليه هو ما حققه ابناء الركراكي على أرضية ملاعب قطر ببلوغهم نصف نهائي كأس العالم 2022في سابقة من نوعها إفريقيا وعربيا.
ثم تصل فترة العد العكسي والتي يتم عرضها بواسطة أرقام كبيرة على شاشات التلفزيون وتتوقف جميع البرامج والمشاريع وتتعطل الذاكرة قليلا ومعها الهموم لتحل محلها فرحة دخول سنة جديدة بألوان الألعاب النارية التي تطلق ايضا من أعلى الابراج ورموز البلدان والمدن والتي تستمر لدقائق وينشرح لها الجميع ويتبادلون بهذه المناسبة العناق ويخلدون اللحظة بسلفيات وصور تذكارية ينشرونها بسرعة البرق في مواقع التراسل الفوري والتواصل الاجتماعي. وقبلها او بعدها بقليل حسب تموقعنا في الخريطة العالمية تصلنا أولى صور الاحتفالات في العالم وأشهرها تأتينا من أستراليا ونيوزيلندا وبلدان شرق آسيا…
بعد ذلك بقليل تحس أن الأمور اصبحت عادية وان الحياة استأنفت نشاطها واستعادت ايقاعات بعد توقف مؤقت دام لفترة قصيرة قصر مدة مرور ارقام العد العكسي عبر شاشات التليفزيون وشاشات العرض المتبثة على واجهات كبريات العمارات وأبراج أشهر المدن عبر العالم، فينصرف بذلك كل إلى حاله إما ليخلد إلى النوم أو إلى اتمام باقي فقرات السهرة التلفزية أو إستكمال ما تبقى من التهانىء عبر الواتساب أوالرسائل القصيرة أو بإجراء مكالمات هاتفية. ويسود الليل فيلقي على ما تبقى منه بضلاله ليعم السواد والنوم والهدوء في البيوت وبعض أعمال الشغب جراء ما يرافق الاحتفالات الخارجية من فوضى وضوضاء التي تتصدى لها الفرق الأمنية بحزم وصرامة تتخذ من أمن وسلامة المواطنين أولويتها الرئيسية في ليلة رأس السنة وذلك من خلال وضع خطط أمنية فعالة لكل السيناريوهات التي تفترضها المناسبة.
وتمر الليلة الأولى تاركة وراءها السنة الماضية وراءها بكل ما حملت وتحمل، بكل آلامها وأحزانها وأفراحها ومسراتها. ويحل الصباح وترى الناس من جديد كما كانوا بالأمس مستأنفين أنشطتهم الاعتيادية. وترى في الشارع المواطنين الذين يستيقظون باكرا للذهاب الى العمل في المعامل والمقاهي وغيرها، وبعدهم الموظفون في الادارات العمومية ثم ارباب المحلات التجارية ومن يساعدونهم ثم موزعي المواد الغذائية بكل انواعها ويساهمون كلهم في خلق حركة ودينامية وحيوية صباحية في الأزقة والشوارع والأحياء المترامية الأطراف. ترى ايضا الحافلات والطاكسيات يحملون الاشخاص من مكان الى آخر في حركة لا تتوقف، حركة مستمرة لا تمل. وترى شاحنات من احجام متعددة تحمل السلع والبضائع من كل صنف ونوع، فتدب الحياة في أزقة وشوارع المدينة.
وينسى الجميع انه بالأمس القريب توقفت شرايين الحياة لفترة من أجل أن يحتفلوا بقدوم سنة يمنون النفس بأن تكون جديدة مختلفة محملة بالكثير من الآمال والامنيات. وينسى الجميع أنه بالأمس القريب فقط توقف الجميع عن الركض وراء الحياة اليومية كأنهم يرغبون في إحداث قطيعة مع السنة الماضية، قطيعة تنسيهم معاناتهم وأحلامهم الوردية والبسيطة التي لم تتحقق في السنة المنصرمة، وكلهم آمال في أن تسهم السنة الجديدة في تحقيق البعض منها إذا لم يكن ممكنا تحقيقها بالكامل.
ينسى الجميع ان هذا الأمر يتكرر كل سنة لكنهم مصرون على القيام به كما لو كان أول مرة. يعيشه كل واحد منا بطريقته ويحس به ويعبر عنه بأساليب مختلفة والنتيجة بطبيعة الحال واحدة والحقيقة ايضا واحدة. هي سنوات من العمر تمر بهدوء وفي صمت رهيب. هي حتمية كونية لا يمكن أن تمحى في لمح البصر أو لمجرد أننا أخذنا وعيا بها. الناس تحب الحياة وهذا يضعها امام خيار اللامبالاة في ليلة رأس السنة تجاه كل المحن والمشاكل والصعوبات والعراقيل التي تضعها الحياة نفسها امامها. فنتشبث بها أكثر من ذي قبل في هذه المناسبة بالضبط لكونها محطة تاريخية بارزة الرمزية والتقويم ايضا.
بعد ذلك تتداخل التقاويم وتفقد أهميتها الا مما تحمله من معاني أو رموز اجتماعية وإشارت ثقافية أو دينية من قبيل السنة الأمازيغية أو السنة الهجرية أو أعياد الفطر والاضحى والمولد النبوي، دون أن ننسى الأعياد الوطنية البارزة، سيما تلك التي تقع خلال أيام العمل حيث تعطينا فرصة أخرى للعطلة وربما للسفر أوتبادل الزيارات. كما أن أعياد الميلاد تجد لها مكانا من بين كل هذه المواعيد والمحطات لارتباطها الوثيق بالأفراد في علاقتها الوطيدة بما توثق لها هذه الأعياد من لحظات حميمية وعاطفية تشترك فيها الأم بالدرجة الأولى وباقي أفراد الأسرة والجيران والمقربين الذين كانوا شهودا عليها ويخلدونها بما يروونها من قصص وحكايات مرتبطة بتلك الفترة او بزمن وقوع الولادة.
تتداخل التقاويم ايضا مع متطلبات الحياة اليومية التي يواجهها الكثير منا بصعوبات وتفكير موجع جراء قصر ذات اليد أحيانا أو لكثرة الكماليات التي أصبحت تؤرق الناس الذين وقعوا في فخها ولا يستطيعون التخلص من مخالبها. غير أن التقاويم لا تشمل ولا تعني عموم الناس، إذ توجد شريحة كبيرة من المجتمع لا تحبها، بل تزيد من إحساسها بالضعف والهشاشة والحرمان والحاجة والفقر أمام الإحتفالات الكرنافالية والإستعراضية للفئة الميسورة في المجتمع.
هذه الفئة العريضة من المجتمع تعيش على هامش كل التقاويم، بل البعض منها تتمنى لو لم يصل موعدها لأنها تحرجها أمام نفسها وأمام الأهل والجيران والأصدقاء والمجتمع برمته. تحرجها لأنها تعطيها إحساس بالفشل والهزيمة، إحساس بالقهر والإحباط. إحساس بالظلم لكونها تعيش وضعا أو أوضاعا جعلت من حياتها ومصيرها خارج تصرفها وتحكمها. إحساس بأن الحياة لم تنصفها وأن المجتمع لم يرحمها وكذلك نظرات الناس.
لكن ومع ذلك، فهذه الفئة وباقي فئات المجتمع هي نفسها التي تصادفها تسير في أزقة وشوارع المدينة منكسرة أو مسلحة بأمل الحياة، هي نفسها التي تصادفها في الأسواق الراقية والممتازة أو المتنقلة والثابتة على مختلف أطراف المدينة لتشتري أو تبيع أشياء بسيطة وصغيرة وتفاوض مكرهة زبناء من نفس طبقتها ومستواها على سعر المنتوجات التي يعرضونها ويبيعونها ليتمكنوا من مواجهة مصاريف ومستلزمات الحياة اليومية. هي نفسها من تلجأ للتحايل والمكر والخديعة والكذب لتبيع وتضمن لها هامشا مريحا من الربح كأنها آخر صفقة تقوم بها وستنقذها من الفقر والهشاشة أو ستزيد من غناها. هي نفسها أيضا من تعيش على الكفاف والعفاف والقناعة لأنها تؤمن بأن هذا قدرها ويجب أن ترضى به فتعيش مرتاحة البال والضمير. هي نفسها أيضا من تجلس لساعات طوال في المقاهي العادية والراقية التي غزت جميع الأحياء بما فيها الشعبية. هي نفسها من تحاول أن تكسب معارك الحياة بالغش والتدليس واستعمال أساليب ملتوية لأجل النجاح في شتى الإمتحانات. هي نفسها من تعتمد على نفسها رغم أن محيطها فاسد لأنها تؤمن أنه لا يصح إلا الصحيح ولا يدوم إلا المعقول.
كل عام وأنتم بألف خير.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *