حوارات | فن

سيجلماسي: الحقل السينمائي بالمغرب يحتاج إلى سياسة شمولية منسجمة ومتناغمة الجوانب

شهدت السنة المنقضية عودة المهرجانات السينمائية بالمغرب واستئناف أنشطتها، بعد عامين من التوقف بسبب جائحة “كورونا”، ليتنفّس أهل الشاشة الكبيرة وعشاق الفن السابع الصعداء. لكنّ هذه العودة اعترتها مجموعة من الاختلالات، بداية بالتنظيم الذي اتسم بـ”الفشل” في تقديم صورة ترقى بقيمة مهرجان سينمائي قطع أشواطا وخرج إلى الوجود قبل سنوات عديدة، ثم “ضعف” مستوى لجان التحكيم، التي تعرض معظمها للتقريع والانتقاد على اختياراتها، وصولا إلى مشاركة بعض الأفلام في المسابقات الرسمية الوطنية دون خضوعها للرقابة القبلية اللازمة.

هذا “التخبط” في تدبير الشأن السينمائي يجعل السينما المغربية تعيش أزمة تشلّ تطورها، ويستدعي حلها، حسب المهتمين والباحثين في هذا الميدان، إعادة النظر في السياسة الممنهجة وإعداد إستراتيجية للنهوض بقطاع السينما بالمملكة وتصحيح مسارها.

وفي هذا الحوار مع جريدة “مدار21″، يضع الناقد السينمائي والمهتم بتاريخ السينما بالمغرب أحمد سيجلماسي، يده على مكامن الخلل في تنظيم المهرجانات السينمائية بالمغرب، التي خلفت استياء عارما في صفوف المهتمين بالشأن السينمائي بالمملكة، ثم يعلق على الجدل المثار حول بعض الأفلام، ويعرج على اقتراح الحل الناجع لتطوير السينما المغربية.

في ما يلي نص الحوار:

خلفت نتائج المسابقات الرسمية لعدد من المهرجانات السينمائية المغربية جدلا واسعا، ووُجهت للجن تحكيمها اتهامات بـ”التسمسير” و”المحاباة” و”جبر الخواطر” من قبل النقاد والمهتمين بالحقل السينمائي بالمملكة. في نظرك، هل حان الوقت لمراجعة معايير اختيار أعضاء لجن التحكيم بالمهرجانات السينمائية؟

وقع هذا الأمر بالخصوص عند الإعلان عن نتائج مسابقات الدورة الـ22 للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، وهي الدورة التي خلفت العديد من ردود الأفعال على أكثر من صعيد من لدن المهنيين والمهتمين على حد سواء. ولعل سبب ما وقع في هذه الدورة يرجع في جانب منه إلى غياب مدير حقيقي للمركز السينمائي المغربي منذ رحيل صارم الفاسي الفهري، وإلى بعض القرارات التنظيمية غير الصائبة للمدير الحالي بالنيابة، الذي أقصى وهمّش موظفين أكفاء من المركز المذكور راكموا تجربة معتبرة في تنظيم المهرجانات؛ ومن بينهم طارق خلامي، المدير الفني للمهرجانات والتظاهرات التي ينظمها هذا المركز سنويا، وكان يشغل منصب رئيس قسم التنمية والتعاون قبل إقالته من هذا المنصب بقرار من هذا المدير بالنيابة مباشرة بعد ما حدث أخيرا في الدورة السادسة لمهرجان الفيلم الوثائقي بالعيون.

وبصفة عامة، تخلف نتائج مسابقات بعض المهرجانات، دائما، ردود أفعال متباينة من طرف بعض المشاركين أو النقاد والصحافيين وغيرهم. وهذا أمر طبيعي، لأن الذائقة الفنية للأعضاء تختلف من لجنة لأخرى. لكن، عندما يكون الاختيار غير صائب لبعض الأعضاء، وحينما تغيب الكفاءة والاختصاص والمصداقية والنزاهة الفكرية وغيرها من الشروط التي ينبغي توفرها في كل حكم، تحدث الكوارث.

هل ترى هذا النقاش صحيا ويخدم تطور السينما المغربية؟

هو نقاش صحي في أحد أبعاده إذا انصب على ما هو جوهري وابتعد عن تصفية الحسابات الضيقة والمساس بالأشخاص. وما هو جوهري يتمثل في وضع اليد على مكامن الخلل في التدبير وفي السياسة السينمائية عموما، إن كانت هناك بالفعل سياسة حقيقية. لابد من احترام الأشخاص ومناقشة التصورات والمقترحات والإستراتيجيات.

في الحقيقة، حقلنا السينمائي في حاجة إلى سياسة شمولية تنظر للقطاع من جميع جوانبه بانسجام وتناغم. شجعنا ودعمنا الإنتاج وأصبحنا نحتل الصفوف الأولى إفريقيا وعربيا، لكننا لم نفكر بجدية في ترويج منتوجاتنا السينمائية داخليا وخارجيا، ولم نفكر فيمن سيملأ قاعاتنا السينمائية شبه الفارغة طيلة السنة، على قلتها، في ظل غياب الثقافة الفنية (والسينمائية جزء منها) بمؤسساتنا التعليمية. لابد إذن من إعادة النظر في كل شيء، في ظل التطورات السريعة التي تشهدها التكنولوجيات الرقمية الجديدة الزاحفة والمكتسحة لكل مجالات الحياة اليومية للإنسان المعاصر.

ثمة شريطان دعمهما المركز السينمائي المغربي، أحدهما روائي تضمن مقطعا غنائيا لمغنية انفصالية، وآخر وثائقي تضمن خطأ تاريخيا يمس شخصية صحراوية حسانية، لكن الغريب أن الفيلمين عرضا في مسابقتين رسميتين دون أن ينتبه أحد للأمر. في رأيك، هل هذه الأخطاء المتكررة تدل على انعدام الرقابة القبلية للأعمال السينمائية أم عن ضعف مستوى الجهات التي تقوم بها؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

الذي يتحمل مسؤولية ما حدث في فيلمي “زنقة كونتاكت” و”زوايا الصحراء، زوايا الوطن” بالدرجة الأولى هو مدير المركز السينمائي المغربي الحالي بالنيابة، الذي وقّع على تأشيرتي عرضهما بالمهرجانين المذكورين، وبدرجة ثانية لجنة تراخيص الاستغلال (التجاري والثقافي) المكونة من خمسة أشخاص يمثلون المركز السينمائي المغربي، وقطاعي الثقافة والتواصل إلى جانب غرفتي الموزعين وأرباب القاعات السينمائية، وبدرجة ثالثة لجنة دعم الأعمال السينمائية، التي لا تمنح الشطر الأخير من الدعم إلا بعد مشاهدة الفيلم جاهزا للعرض ومقارنته مع ما جاء في السيناريو، الذي على أساسه تم منح الدعم، وبدرجة رابعة منتجا الفيلمين، ومخرج الأول إسماعيل العراقي ومخرجة الثاني مجيدة بنكيران. وهذا يعني أن هناك تقصيرا من هذه الجهات كلها في القيام بعملها على الوجه الأكمل.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *