رياضة

القفاز المغربي في غيبوبة.. أزمة تسيير وعشوائية تدمر أحلام الأبطال

القفاز المغربي في غيبوبة.. أزمة تسيير وعشوائية تدمر أحلام الأبطال

على وقع إرث تاريخي عريق أنجب أساطير القفاز المغربي، تقف الملاكمة المغربية اليوم على حافة الهاوية، متخبطة في حالة ركود غير مسبوقة وشلل تسييري خانق، فبينما تتبخر الموارد وتتكدس الشعارات، تترك المواهب الصاعدة لمواجهة العبث وعشوائية التدبير، في مشهد صادم يصرخ بحثاً عن ثورة تصحيح تنقذ ما تبقى من هيبة الرياضة وتاريخها المجيد.

فعلى امتداد عقود من الزمن، لم تكن الملاكمة المغربية مجرد رياضة ممارسة، بل كانت مصنعاً حقيقياً للأبطال ومرفقاً سيادياً لطالما رفع الراية الوطنية في كبرى المحافل القارية والعالمية والأولمبية. وذلك بعدما أثبت القفاز المغربي علو كعبه فوق الحلبات الدولية، بدءاً من الألقاب الأولمبية الخالدة التي بصم عليها جيل الرائد عبد الحق عاشيق والطاهر التمسماني، مروراً بالإنجاز التاريخي لمحمد الربيعي الذي عانق الذهب في الدوحة سنة 2015، ووصولاً إلى الطفرة النسوية المذهلة التي قادتها البطلة العالمية خديجة المرضي ووداد برطال.

هذا الإرث المجيد الذي ظهرت بوادره سنة 1931، قبل أن يمر بمراحل مختلفة ومتنوعة من التطور، أكد بلا شك حضور المغرب كقوة بارزة ورائدة على الصعيدين القاري والدولي، غير أن السنوات الأخيرة باتت تضع هذا الإرث وهذا المجد الذي دام سنوات وعقوداً محط تهديد، على الرغم مما يتم توفيره كل سنة من موارد مخصصة للنهوض بالقطاع الرياضي.

أزمة تسيير و”وزيعة” تعيق تطور القطاع

وفي حديثه لجريدة “مدار 21” أوضح الإطار الوطني في رياضة الملاكمة جمال بن حداد أن رياضة الملاكمة المغربية تعيش على وقع فترة ركود وتراجع “مخيفة”، سواء على صعيد صناعة الأبطال أو أيضاً طريقة تسيير القطاع.

وفي هذا السياق انتقد بن حداد بشكل كبير الكيفية التي يتم بها تسيير رياضة الملاكمة اليوم بالمغرب، خصوصاً من حيث كيفية إدارة الموارد المالية، وعدم القدرة أو فشل استغلال الطفرة التي باتت تعيشها الرياضة المغربية في إطار استعداد المملكة لاحتضان منافسات كأس العالم 2030، والتي أشار المتحدث إلى أنها من المفترض أن تكون دفعة وانطلاقة حقيقية لجميع الرياضات الوطنية خصوصاً العريقة والمعروفة منها.

وحمل بن حداد جزءاً كبيراً من المسؤولية لمسؤولي القطاع، مشيراً إلى أنهم لم ينجحوا بالرغم من بقائهم في مناصبهم في تقديم الإضافة المرجوة، واصفاً عدداً منهم “بغير الأكفاء والدخلاء” على رياضة الملاكمة، مشدداً في الوقت ذاته على أن منطق “الوزيعة” والاستغلال الذي بدأ يلقي بظلاله على الرياضة كان بمثابة شهادة وفاة لهذه الرياضة التي أوضح أنها تحتاج إلى أناس من ذوي الخبرة والكفاءة العلمية والتقنية من أجل النهوض بها.

وعلق الأخير قائلاً: “هاد الناس اللي كيشدو في الكراسي ديالهم بهاد الشدة هادي، شنو هي القيمة المضافة اللي كيعطيو… ومحدهم كاينين ما عمرها تعطى شي قيمة مضافة للرياضة، ومع ذلك باقين تايحكمو وباقين فالتسيير”.

ليشدد المتكلم على أن أولى بوادر التغيير الحقيقي لإرجاع هذه الرياضة إلى مستواها المعهود وإلى صورتها الرمزية الخاصة لدى الشارع المغربي، تقتضي القيام بمراجعة شاملة للقطاع بداية من المسؤولين المباشرين وصولاً إلى المسؤولين عن الجمعيات، مع إشارته لضرورة وضع لجان مراقبة وتدقيق بشكل دوري قادرة على إغلاق صنبور “التجاوزات” التي يتم تسجيلها.

ورفض الإطار الوطني اعتبار أي حل آخر هو القادر على معالجة الملاكمة من “غيبوبتها”، مؤكداً على أن المسكنات الترقيعية والصورية التي يراد منها فقط ادعاء الإصلاح لا يمكنها مداواة جريح ومرض يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

مسؤولية الحكومة وغياب وزارة مستقلة

ولم تقتصر انتقادات بن حداد على المسؤولين المباشرين عن قطاع الرياضة الأولمبية ورياضة الملاكمة بالمغرب، بل وسع دائرة المسؤولين ليؤكد على أن الحكومة بدورها تتحمل جزءاً مهماً من المسؤولية، وذلك أنها لم تعِ ولم تفهم بعد أهمية وخصوصية القطاع الرياضي الذي بات في حاجة ماسة لأن يعود إلى وزارة منفردة يكون هدفها النهوض بالقطاع وليس فقط الدخول في حسابات انتخابية.

وأوضح جمال بن حداد قائلاً: “الحكومة أيضاً مسؤولة عن ما تعيشه الرياضة المغربية ورياضة الملاكمة اليوم، باعتبارها الوصية على القطاع… اليوم الرياضة في حاجة لوزارة خاصة بها، غير مندمجة مع أي قطاع آخر سواء قطاع الشباب أو أي قطاع آخر، نحتاج لوزارة فقط للرياضة، وأن يتم منحها وزناً مهماً، وسلطة كاملة على هذه الجامعات الرياضية”.

عشوائية التحضير وغياب التكوين والتأطير

وبعيداً عن المسؤوليات ومراكز القرار، أشار بن حداد أيضاً إلى وجود عدد من المعطيات والأسباب التي تفسر سبب غياب المواهب المغربية عن منصات التتويج فوق حلبات الملاكمة، ذكر منها “عشوائية التحضير وغياب الاحترافية في الاستعداد”، حيث استغرب بن حداد من كيفية انتظار نتائج إيجابية من لاعبين يحضرون قبل أيام وأسابيع قليلة من الدخول للبطولات، في توقيت يعرف فيه الخصوم تحضيراً أكثر كثافة وتركيزاً قد يمتد طوال السنة.

وفي نفس السياق، شدد بن حداد على الضرر الكبير الذي يحدث بسبب غياب الاستمرارية والتسلسل من مختلف الفئات العمرية، مشدداً على أن المغرب اليوم والمنتخب المغربي للملاكمة بات في حاجة ماسة لدعم التكوين من سن صغيرة وفي مختلف الفئات على غرار الدول المتقدمة والرائدة في الرياضة مثل كوبا وروسيا، اللتين أوضح بن حداد أنهما تمثلان مرجعاً مهماً وجب الاستفادة منه في مجال إعداد وتكوين اللاعبين والأبطال.

واعتبر الإطار الوطني أن المغرب اليوم وسنة بعد سنة يفرط ويضيع عدداً من المواهب الشابة التي كانت بالفعل قادرة على الوصول إلى مستويات تشرف الرياضة الوطنية، مشدداً على أن المغرب يعرف غنى استثنائياً على صعيد “المادة الخام” للأبطال خصوصاً على صعيد الرياضات القتالية بمختلف أنواعها، مستحضراً ما نجح المغاربة في تحقيقه أمام أبطال عالميين بموارد وبمؤهلات جد محدودة.

وبعيداً عن غياب الدعم المادي والظروف المناسبة، أشار بن حداد إلى عامل التكوين والتأطير، واستنكر بن حداد غياب تكوين احترافي داخل رياضة الملاكمة المغربية، مشيراً إلى أن أغلب المدربين والأطر اليوم يقتصرون على امتلاكهم تجربة رياضية كلاعبين بدون أي تكوين متخصص كمدربين، وهو ما اعتبره “ضرباً من الجنون” و”عبثاً” لا يمكن معه سوى توقع انحدار مستوى النتائج المحققة من اللاعبين.

كما أشار المتكلم إلى أن غياب التكوين الحقيقي بالنسبة للاعبين يبقى بدوره عاملاً رئيسياً في ضياع المواهب التي لا يتم توجيهها في الطريق الصحيح ليس على الصعيد الاجتماعي ولكن على الصعيد الرياضي، موضحاً أن التكوين الأكاديمي والعلمي يسمح باختيار المواهب التي تمتلك مقومات النجاح، كما يسمح بالتعامل معها واستخراج أفضل ما لديها في مجالها.

معتبراً أن غياب هذا التكوين وهذه الرؤية يكلف المغرب كل سنة ضريبة غالية من المواهب، متخذاً الأبطال المغاربة الذين هاجروا إلى الخارج كنماذج، حيث قال: “هناك عدد من اللاعبين هنا لا نعطيهم قيمة أصلاً ويرى أنهم غير مؤهلين، لكن بمجرد وصولهم إلى الخارج وتعاملهم مع مدربين وأطر أكفاء يظهر الفرق وتبدأ مستوياتهم بالتطور بشكل نستغرب منه، وهذا ليس بأمر سحري ولكنه علمي وأكاديمي وجب أن نتعلمه سريعاً إذا أردنا النهوض بهذه الرياضة اليوم”.

واختتم الإطار الوطني جمال بن حداد تصريحاته مشدداً على أن النجاح يتطلب رؤية واضحة، ومشروعاً حقيقياً يتجاوز الشعارات “الوردية”، مؤكداً على أهمية الوقوف ووضع تقييم صريح لمستوى رياضة الملاكمة المغربية اليوم، وطرح تساؤلات جريئة شدد على أنها ستكون مفتاح طي صفحة الماضي وابتداء صفحة جديدة يمكن من خلالها استعادة أمجاد القفاز المغربي.

شهادات ميدانية: صوات الملاكمين الشباب

وفي تصريحات ميدانية استقصرتها جريدة “مدار 21” من عدد من الملاكمين الشباب المغاربة، أجمعوا على أن غياب “المستقبل” وغياب الدعم يبقيان من الأسباب الرئيسية في حرمانهم من مواصلة المشوار، حيث أكد الكلاكم الشاب عثمان ذو 22 سنة عن عصبة الشاوية أن حبه لرياضة الملاكمة وتضحياته التي قام بها لأزيد من 10 سنوات لم تثمر حتى الآن في ظل غياب الدعم وقلة الفرص، وتكاثر بعض النقاط السوداء داخل محيط الرياضة.

وأوضح عثمان أن عدداً من الشباب من زملائه الذين كانوا في فترة معينة طامحين لتحقيق إنجازات عالمية وقارية، باتوا اليوم يمارسون اللعبة كهواية، مع بعض الحالات التي لم تعد تريد السماع عن هذه الرياضة، ليوضح قائلاً: “المشكل هو أن المستقبل في رياضة الملاكمة باهت نوعاً ما مقارنة برياضة كرة القدم، اليوم يمكنك أن ترى كم من بطل مغربي يصل وكم من بطل قادر على أن يعيش من هذه الرياضة وأن يواصل مسار حياته من هذه الرياضة، نحن نحبها مع الأسف وهي على ما يبدو لا تريد ذلك”.

واسترسل الأخير حديثه بحسرة واضحة داعياً لمتابعة وضعية اللاعبين والأبطال القدماء، الذين أشار إلى أن منهم اليوم من لا يملك تكاليف العلاج رغم أنه في وقت معين كان يعيش كبطل، وهو ما اعتبره عثمان شبحاً يطارد كل محب وممارس لهذه الرياضة اليوم.

ليختتم تصريحاته بالإشارة إلى أن الموارد المالية والطفرة التنموية التي تعيشها الرياضة الوطنية لا زالت لم تلقِ بظلالها على عدد من الجمعيات خصوصاً المتواجدة في أحياء شعبية ومناطق هامشية، والتي أوضح الأخير أنها لا تزال تشتغل في ظروف “غير لائقة” يصعب معها إنتاج أبطال قادرين على تحقيق ما هو منتظر منهم في المحافل الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News