استقالة الوزراء من عضوية مجلس النواب بعد التعيين الملكي.. خارج المسطرة التي رسمها القانون؟

أعلن مكتب مجلس النواب، مساء يوم الاثنين 2 نونبر 2026، توصله باستقالات تسعة من أعضاء الحكومة من عضوية المجلس، وتليت أسماء المعنيين بهذه الاستقالات، وتثير الواقعة التساؤل حول الصيغة التي اختارها الوزراء لمراسلة المجلس:
هل يتوقف التصريح بشغور مقعد النائب الذي تم تعيينه عضوا في الحكومة على استقالة يوقعها؟
وبأي سند يمكن انتظار هذه الاستقالة، وقد نص القانون التنظيمي على الجهة التي تبادر إلى طلب التصريح بالشغور، وحدد للقضاء الدستوري أجلا للبت فيه؟
ولتحليل هذه النازلة يتعين الإنطلاق منمنطوق المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب قاعدة واضحة،حيث أن هذه المادة وبحسب منطوق فقرتها الأولى، تتنافى العضوية في مجلس النواب مع صفة عضو في الحكومة، وتحدد فقرتها الثانية أثر تعيين النائب عضوا في الحكومة، فتسند إلى رئيس مجلس النواب طلب التصريح بشغور مقعده، وإلى المحكمة الدستورية إعلان هذا الشغور داخل أجل شهر. لذا فإن تقديم الاستقالة الشخصية إجراء لا تشترطه المسطرة التي رسمها القانون لهذه الحالة، والمقصود بذلك أن توقيع الوزير رسالة وإيداعها لدى رئاسة المجلس يظل تصرفا جائزا، في حين أن إضفاء قيمة منشئة للشغور على تلك الرسالة، أو تعليق الإحالة على التوصل بها، يقحم في المسطرة شرطا لم يقرره المشرع.
ويبقى هذا الحكم قائما ولو أتاح النظام الداخلي لمجلس النواب للنائب الاستقالة من عضويته، وأفضت هذه الاستقالة بدورها إلى إحالة مقعده على المحكمة الدستورية (وقد أثبتت المحكمة الدستورية، في قرارها رقم 129/21 الصادر في 28 يوليوز 2021، شغور مقاعد خمسة نواب قدموا استقالتهم، استنادا إلى المادة 90 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب التي “تخول المحكمة الدستورية صلاحية إثبات شغور مقعد بالمجلس المذكور”)؛ فوجود هذا الطريق الإرادي لا يسقط المسطرة الخاصة التي رتبها المشرع على التعيين في الحكومة ولا يعلقها، لأن مصدر التنافي في هذه الحالة هو الظهير الشريف بالتعيين وليس إرادة النائب، علما أنه من تاريخ التعيين تقوم حالة التنافي ويبدأ سريان أجل الشهر، كما استقر على ذلك القضاء الدستوري، وتعلن المحكمة الدستورية شغور المقعد بطلب من رئيس مجلس النواب، ولو امتنع أحد الوزراء عن تقديم استقالته، لظل رئيس المجلس مختصا بطلب التصريح بشغور مقعده، ولظل أجل الشهر ساريا من التاريخ الذي حدده القضاء الدستوري.
ويظهر وجه الالتباس في اعتبار الاستقالة الشخصية شرطا للإحالة، وهو ما يتضح من التمييز الذي أقامته المادة 14 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب كما تم تغييره وتتميمه بين حالتين تختلفان من حيث الواقعة المنشئة للتنافي، وصاحب الطلب، والأثر القانوني المطلوب ترتيبه.
ففي الحالة الأولى، يكون المعني بالأمر نائبا ثم يعين عضوا في الحكومة، إذ أفرد المشرع لهذه الحالة الفقرتين الأولى والثانية؛ فقرر في الأولى تنافي الصفتين، وحدد في الثانية المسطرة الواجبة بمجرد التعيين، حيث إن المحكمة الدستورية تعلن شغور المقعد داخل أجل شهر “بطلب من رئيس مجلس النواب”، ولا بد من استحضار أن إسناد الطلب صراحة إلى رئيس المجلس له دلالة تتجاوز تعيين الجهة التي تراسل المحكمة، إذ يجعل مباشرة اختصاصه قائمة على ثبوت التعيين الملكي، ومستقلة عن إرادة النائب في التخلي عن مقعده، وهو ما أكده القضاء الدستوري كما سيأتي بيانه، ولو كانت الإحالة متوقفة على استقالة الوزير، لكان بإمكانه أن يعطل المسطرة بمجرد امتناعه عن الاستقالة، مع أن أجلها قد بدأ يسري، وبذلك، فالتعيين الملكي ينشئ حالة التنافي، وطلب رئيس المجلس يحرك مسطرة التصريح بالشغور، وقرار المحكمة الدستورية يعلن شغور المقعد.
أما الحالة الثانية، فتنعكس فيها أسبقية الصفتين؛ إذ يكون المعني بالأمر مزاولا لمهمة عمومية غير انتخابية ثم ينتخب نائبا، وقد عددت الفقرة الثالثة من نفس المادة الجهات التي تمارس فيها هذه المهام، وهي مصالح الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية وغيرها من الأشخاص الاعتباريين من أشخاص القانون العام، والشركات التي تملك الدولة أكثر من 30 في المائة من رأسمالها، مع استثناء المأمورية المؤقتة المنصوص عليها في المادة 19، ثم أحالت الفقرة الرابعة صراحة على حالات التنافي الواردة في الفقرة السابقة، فحصرت فيها مدلول عبارة “بناء على طلب منه”، والطلب هنا يصدر عن المنتخب، وموضوعه وضعه في حالة إلحاق طوال مدة انتدابه،ويؤكد هذا التفسير ما ورد في المادة 17 التي أحالت على الفقرة الثالثة من المادة 14 دون فقرتها الثانية، وألزمت المنتخب بإثبات استقالته من المهمة المتنافية مع انتدابه أو طلب إلحاقه عند الاقتضاء، لذا لا يصح قياس وضعية الوزراء على هذه الحالة، لأن المشرع جعل الطلب فيها بيد المنتخب للاحتفاظ بمقعده، في حين جعله في حالة التعيين في الحكومة بيد رئيس المجلس للتصريح بشغوره
وقد حسم المجلس الدستوري مسألة الواقعة التي يبدأ بها سريان أجل الشهر في قراره رقم 825/12 الصادر في 2 يناير 2012(ملف عدد 1349/11)، حيث طلب رئيس مجلس النواب التصريح بشغور مقعد نائب عين رئيسا للحكومة وقبل تعيين بقية أعضائها، ورغم صدور الطلب عن الجهة المختصة، اعتبر المجلس الدستوري أن شروط التصريح بالشغور لم تكتمل بعد، واستخلص من الفصول 47 و87 و88 من الدستور أن الحكومة تتشكل بتعيين الملك أعضاءها باقتراح من رئيسها، وأن أجل الشهر يبدأ من تاريخ هذا التعيين، إذ قرر أنه “لا يكون لأعضائها ـ بما في ذلك رئيسها ـ صفة عضو في الحكومة إلا من تاريخ هذا التعيين”، وأن الأجل “لا يسري إلا ابتداء من تاريخ تعيين جلالة الملك للحكومة الجديدة”،وتفيد هذه السابقة أن التنافي لا يقوم بتعيين رئيس الحكومة قبل اكتمال تشكيلها، بل بتعيين أعضائها جميعا، ولو تعلق الأمر برئيسها نفسه، ومن ذلك التاريخ يقوم التنافي ويبدأ الأجل دون انتظار التنصيب البرلماني أو صدور تعبير فردي عن الرغبة في التخلي عن المقعد.
ثم استقر هذا الفهم، بدءا بقرار المجلس الدستوري رقم 828/12 الصادر في 19 يناير 2012 ووصولا إلى اجتهاد المحكمة الدستورية، ففي قرارها رقم 141/21 الصادر في 2 نونبر 2021، بمناسبة النظر في طلب رئيس مجلس النواب من أجل التصريح بشغور ستة مقاعد عقب تعيين شاغليها أعضاء في الحكومة، واستندت المحكمة إلى ظهير تعيين أعضاء الحكومة وإلى رسالة رئيس المجلس، ثم صرحت بشغور المقاعد ودعت إلى تعويض شاغليها وفق المادة 90 من القانون التنظيمي، كما سلكت المسار نفسه في القرار رقم 246/24 الصادر في 19 نونبر 2024 عقب التعديل الحكومي لسنة 2024، حين طلب رئيس المجلس التصريح بشغور خمسة مقاعد عقب تعيين شاغليها أعضاء في الحكومة بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.24.56 الصادر في 23 أكتوبر 2024، وتنبع قوة هاتين السابقتين من مسألة محددة، هي أن المحكمة أقامت قضاءها على ثبوت التعيين الملكي وإحالة رئيس المجلس، ولم تجعل رسالة الاستقالة عنصرا يتوقف عليه التصريح بالشغور.
ولا يغير من هذا الحكم ما ورد في المادة 35 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، من وجوب تسوية عضو الحكومة وضعيته داخل أجل أقصاه ستون يوما يسري، حسب الحالة، من تاريخ تنصيب الحكومة من قبل مجلس النواب أو من تاريخ التعيين، فهذا الالتزام يشمل أوضاعا متعددة، منها العضوية البرلمانية المنصوص عليها في المادة 32 من القانون التنظيمي نفسه والمسؤولية عن مؤسسة عمومية ومزاولة نشاط مهني، وتختلف طريقة التسوية باختلاف الوضعية المعنية، أما المقعد النيابي فقد خصه المشرع بقاعدة تحدد صاحب الإحالة، والجهة المختصة بالبت، وأجل التصريح بالشغور، واختلاف نقطة انطلاق الأجلين يكشف بدوره اختلاف وظيفتيهما. فالخاص يقيد العام، والمادة 14 من القانون التنظيمي لمجلس النواب قاعدة خاصة بالمقعد النيابي لا تعطلها قاعدة عامة في الوضع القانوني لأعضاء الحكومة، ولذلك لا يسوغ اتخاذ مهلة الستين يوما مبررا لانتظار رسائل الوزراء فيما يسري أجل الشهر المقرر للمحكمة الدستورية.
وفي الحالة الراهنة، عين جلالة الملك أعضاء الحكومة يوم 16 أكتوبر 2026، وصدر الظهير الشريف رقم 1.26.91 بتاريخ 21 أكتوبر محددا سريان التعيين ابتداء من 16 أكتوبر، ليكون بذلك تاريخ 16 أكتوبر هو المرجع لقيام التنافي وبدء احتساب أجل الشهر، أما إعلان التوصل بالاستقالات يوم 2 نونبر فيوثق إجراء برلمانيا لاحقا، ولا يغير تاريخ نشوء الحالة القانونية، ويترتب على ذلك أن أجل الشهر المخول للمحكمة الدستورية ينقضي يوم 16 نونبر 2026، وهو أجل مضروب للمحكمة لا لرئيس المجلس، غير أن احترامه يقتضي أن يبادر الرئيس إلى الطلب دون إبطاء، لأن كل تأخير في الإحالة يقتطع من المدة المتاحة للمحكمة ولا يمدها. وهنا يطرح سؤال عملي، فإذا لم يقدم أحد النواب المعينين أعضاء في الحكومة استقالته من مجلس النواب، فهل يجوز لرئيس المجلس انتظارها قبل إحالة أمر مقعده إلى المحكمة الدستورية، وقد بدأ أجل الشهر يسري من تاريخ التعيين؟ كما أن تلاوة أسماء المستقيلين لا تفيد، في حد ذاتها، أن الإحالة إلى المحكمة قد تمت أو أن المحكمة صرحت بشغور المقاعد.
إن ما يقتضيه احترام المادة 14 هو أن ترتب رئاسة مجلس النواب على التعيين الملكي أثره بالنسبة إلى جميع النواب الذين شملهم التعيين وظلوا أعضاء في الحكومة، وأن تطلب من المحكمة الدستورية التصريح بشغور مقاعدهم داخل الأجل القانوني.
وعموما، فبالتعيين الملكي تقوم حالة التنافي، وبطلب من رئيس مجلس النواب تبت المحكمة الدستورية في شغور المقعد، دون حاجة إلى استقالة الوزير.





