رأي

قضية الصحراء المغربية: من تدبير النزاع إلى الحسم السياسي في ظل التحولات الدولية

قضية الصحراء المغربية: من تدبير النزاع إلى الحسم السياسي في ظل التحولات الدولية

تعرف قضية الصحراء المغربية تحولات دولية وسياسية متسارعة، لم تعد تسمح بالتعامل معها بالمنطق الدبلوماسي التقليدي الذي ظل يطبع هذا الملف لعقود. فقد أفرزت التحولات الجيوسياسية، وتغير مواقف عدد من القوى الدولية، وتطور النقاش داخل مجلس الأمن، معطيات جديدة تقتضي من الدبلوماسية المغربية الانتقال من مرحلة تدبير النزاع والدفاع عن المكتسبات إلى مرحلة المبادرة الاستراتيجية، بما يضمن تحصين الوحدة الترابية للمملكة، وتثبيت أفق سياسي واضح يقوم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

ولعل أبرز ما يميز المرحلة الراهنة أن النقاش بشأن قضية الصحراء المغربية لم يعد مقتصرا على تجديد ولاية بعثة المينورسو أو إنهاء مهامها، بل أصبح يطرح أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الإطار الأممي الذي ظل يؤطر هذا الملف لعقود، ومدى ملاءمته للتحولات السياسية والدبلوماسية التي عرفتها القضية. ومن هنا، فإن الرهان أمام الدبلوماسية المغربية لم يعد مجرد حسم مستقبل بعثة أممية أنشئت في سياق تاريخي محدد، بل المبادرة إلى إعادة ترتيب الوضع الأممي للقضية برمته، بما ينسجم مع المرجعيات السياسية الجديدة، ويفتح الطريق أمام الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق تثبيت الحل السياسي على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

أولا: التحولات الدولية وموقع قضية الصحراء المغربية

لم تعد قضية الصحراء المغربية معزولة عن التحولات الكبرى التي يعرفها النظام الدولي، ولا عن إعادة تشكل موازين القوى والتحالفات بين الدول. فقد أصبح الملف يتقاطع مع اعتبارات استراتيجية واقتصادية وأمنية تتجاوز حدوده الإقليمية، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمملكة، وأهمية واجهتها الأطلسية، وامتدادها الإفريقي، وصلاتها المتنامية بمختلف القوى الدولية.

وفي هذا السياق، تكتسب التوجيهات الملكية أهمية خاصة في رسم معالم التحرك المغربي خلال المرحلة المقبلة. فالبلاغ الملكي لا يقتصر على تقديم قراءة للتحولات الدولية، بل يؤسس لتوجه استراتيجي يدعو إلى استثمار هذه التحولات بما يخدم المصالح العليا للمملكة، ويعزز مكانتها الإقليمية والدولية، ويحصن وحدتها الترابية. ومن هذا المنطلق، لم يعد التعاطي مع قضية الصحراء المغربية قابلا للاختزال في تدبير المواقف داخل المؤسسات الأممية، بل أصبح يقتضي رؤية استراتيجية شاملة، تجمع بين المبادرة الدبلوماسية، وترسيخ السيادة الوطنية، وتعزيز التنمية بالأقاليم الجنوبية، وتنويع الشراكات الدولية، بما يهيئ للانتقال من مرحلة تدبير النزاع إلى أفق الحسم السياسي.وتبرز أهمية تنويع الشراكات الدولية، وعدم حصر العلاقات الخارجية في محور واحد، بما يتيح للمغرب توسيع هامش تحركه الدبلوماسي، وبناء مواقف داعمة لقضيته الوطنية على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل. فالدبلوماسية المغربية، بقيادة الملك محمد السادس أعزه الله، اعتمدت خلال السنوات الأخيرة مقاربة تقوم على تنويع الشركاء وتعزيز التعاون مع قوى دولية وإقليمية مختلفة، وهو توجه تزداد أهميته في ظل عالم يتجه نحو تعدد مراكز التأثير والنفوذ.

غير أن هذا الانفتاح على القوى الدولية ينبغي أن يظل محكوما بثابت أساسي، يتمثل في أن الشراكات الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون على حساب السيادة الوطنية أو استقلال القرار المغربي. فالموقع الاستراتيجي للمملكة، وما تزخر به أقاليمها الجنوبية من مؤهلات اقتصادية ومجالية، ينبغي أن يشكلا مصدر قوة في علاقاتها الدولية، لا مدخلا لتحويل هذه الأقاليم إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي أو لتقاسم مناطق النفوذ بين القوى الكبرى.

وفي تقديري، فإنه بعد عقود من المسار الأممي، آن الأوان للانتقال إلى مرحلة جديدة، قوامها طي صفحة المقاربات التي استنفدت مبررات استمرارها، والعمل على الحسم النهائي في هذا الملف الاستراتيجي، من خلال دبلوماسية متعددة الاتجاهات، تقوم على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولا سيما في ظل إدارة دونالد ترامب، وحوار متوازن مع روسيا، وانفتاح واسع على الصين، دون إغفال تعزيز الحضور المغربي داخل إفريقيا والعالم العربي وأوروبا، وتوسيع شبكة المصالح الاقتصادية والسياسية مع مختلف الشركاء.

إن تنويع الشراكات لا ينبغي أن يكون مجرد خيار لتنويع العلاقات الخارجية، بل رافعة استراتيجية لتعزيز استقلال القرار الوطني، وتحصين الوحدة الترابية، وترسيخ مكانة المغرب كدولة-أمة فاعلة في نظام دولي متعدد الأقطاب، قادرة على بناء علاقاتها على أساس المصالح المتبادلة والاحترام الكامل لسيادتها الوطنية.

ثانيا: جلسة مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2026: دلالات التصويت وحدود المكاسب الدبلوماسية

شكلت جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 30 أكتوبر 2026 محطة مهمة في مسار قضية الصحراء المغربية، بالنظر إلى طبيعة مشاريع القرارات المطروحة، وما كشف عنه التصويت من تباين في مواقف القوى الكبرى بشأن مستقبل بعثة المينورسو والإطار السياسي الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة.

فقد اصطدم مشروع القرار الأمريكي بفيتو روسي، بينما لم يحصل المشروع الروسي البديل على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده. وبذلك لم يتمكن مجلس الأمن من اعتماد قرار جديد بشأن تجديد ولاية البعثة، وهو تطور يعكس عمق الخلاف داخل المجلس حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود التغيير الممكن في مهام المينورسو ودورها.

ولا يمكن اختزال الموقف الروسي في معارضة الموقف المغربي، إذ تحكمه حسابات دولية وإقليمية أوسع؛ فموسكو تتحفظ على ما تعتبره انفرادا أمريكيا بتوجيه المسار الأممي، خاصة أن مشروع القرار الأمريكي لم يقتصر على تجديد ولاية المينورسو، بل تضمن تغييرات في طبيعة البعثة ومهامها، وجعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للمفاوضات. كما يرتبط موقفها برغبتها في الحفاظ على التوازنات داخل مجلس الأمن، ومراعاة علاقاتها الاستراتيجية مع الجزائر، فضلا عن دفاعها عن تصورها لاستمرار الإطار الأممي القائم دون إدخال التحولات التي تضمنها المشروع الأمريكي. وفي هذا السياق، قدمت موسكو مشروع قرار بديلا، قبل أن تستخدم واشنطن حق النقض ضده، بما يكشف أن الخلاف لم يكن متعلقا بمضمون قضية الصحراء وحده، بل امتد إلى طبيعة إدارة الملف وحدود النفوذ داخل مجلس الأمن.

وتكشف هذه النتيجة أن التوافق الدولي حول تدبير الملف لم يعد أمرا سهلا، وأن اختلاف تصورات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن قد يؤثر بصورة مباشرة في مستقبل الآليات الأممية المعتمدة. كما تؤكد أن الرهان المغربي لا ينبغي أن يقتصر على قراءة نتائج التصويت باعتبارها مكسبا أو تعثرا ظرفيا، بل يتعين أن ينصرف إلى استثمار التحولات التي أفرزتها، وبناء تصور دبلوماسي واضح للمرحلة التالية.

وفي هذا الإطار، يظل قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 محطة مرجعية مهمة، بالنظر إلى تأكيده أن المفاوضات تتخذ من المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا لها، مع دعوة الأطراف إلى الانخراط في النقاش من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول. كما طلب القرار من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولاية المينورسو، مع مراعاة نتائج المفاوضات.

ومن هنا، فإن الدبلوماسية المغربية مطالبة بالتعامل مع هذه التطورات بمنطق استراتيجي بعيد المدى، يميز بين المواقف المعلنة للدول ومصالحها الجيوسياسية، وإمكانية تحويل التقاطعات الدبلوماسية إلى دعم عملي للموقف المغربي.

ثالثا: إنهاء مهام المينورسو وطي صفحة المرحلة السابقة

أنشئت بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء المعروفة اختصارا بالمينورسو، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690 لسنة 1991، في سياق خطة تسوية كان من بين أهدافها تنظيم استفتاء لتحديد الوضع النهائي للإقليم، إلى جانب مراقبة وقف إطلاق النار. غير أن الاستفتاء لم ينظم، وظلت الخلافات السياسية والإجرائية تحول دون تنفيذ هذا المسار، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على إنشاء البعثة.

وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري حول مدى استمرار ملاءمة بعثة أنشئت في سياق سياسي محدد لتنفيذ مهمة ارتبطت بخطة لم يتم التوصل إلى تنفيذها. فمن غير المنطقي أن يظل تدبير الملف رهينا إلى أجل غير محدد بآليات ارتبطت بمرحلة سابقة، بينما عرف المسار السياسي تطورات مهمة، وأصبحت المبادرة المغربية للحكم الذاتي حاضرة في مرجعية المفاوضات بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2797.

ومن هذا المنطلق، وانسجاما مع التوجه الذي أبرزه البلاغ الملكي، يمكن للمغرب أن يطرح بوضوح ضرورة إنهاء مهام بعثة المينورسو بصيغتها الحالية، ومغادرتها بعد استكمال الترتيبات الضرورية، بما يطوي صفحة المهمة التي أنشئت من أجلها في سياق التحضير للاستفتاء ، يتعلق  الأمر هنا، بإنهاء مرحلة مؤسساتية استنفدت الغاية التي قامت عليها، والانتقال إلى تصور جديد ينسجم مع التحولات التي عرفها الملف ومع أفق الحل السياسي القائم على مبادرة الحكم الذاتي.

رابعا: ما بعد المينورسو: استمرار خيار التسوية السلمية

ينبغي التأكيد أن المطالبة بإنهاء مهام المينورسو لا تعني بأي حال من الأحوال التوجه نحو الحسم العسكري أو التخلي عن التسوية السياسية. فالمغرب متمسك بالحل السلمي، ومستعد لمواصلة التعاون مع الأمم المتحدة في أي مسار جاد يخدم هذه الغاية ويحترم الثوابت الوطنية للمملكة.

وإذا ارتأت الأمم المتحدة إحداث لجنة أو آلية جديدة لمواكبة التسوية السياسية وتتبع تنفيذ الحكم الذاتي، متى تم التوصل إلى اتفاق بشأنه، فإن ذلك يظل خيارا يمكن التعامل معه في إطار احترام السيادة الوطنية للمملكة. ويمكن التفكير في آلية محددة الاختصاصات والمدة الزمنية، تتولى مواكبة تنفيذ الترتيبات المتفق عليها، وتيسير التعاون التقني والمؤسساتي عند الاقتضاء، دون إعادة إنتاج الاختصاصات أو الإشكالات التي ارتبطت بالبعثة السابقة.

كما أن عدم إحداث بعثة جديدة لا يعني الانتقال إلى الخيار العسكري. فاستمرار التسوية السياسية يرتبط بالإرادة السياسية للأطراف وبالجهود الدبلوماسية، وليس بالضرورة باستمرار بعثة أممية بعينها.

كما ينبغي التمييز بين إنهاء مهمة المينورسو وبين التدابير الميدانية والأمنية المرتبطة بالمنطقة. فمغادرة البعثة لا تؤدي تلقائيا إلى إلغاء الاتفاقات العسكرية السابقة أو زوال الترتيبات القائمة، وهي مسائل ينبغي التعامل معها وفق مقتضيات القانون الدولي ومتطلبات الأمن والاستقرار، بما يحول دون نشوء فراغ ميداني أو عودة التوتر.

إن ما انتهى هو الدور الذي أنشئت المينورسو من أجله، و على العموم، المغرب في صحرائه، ولا ينبغي أن يظل مستقبل ممارسة سيادته أو انخراطه في الحل السياسي معلقا على استمرار بعثة أممية.

خامسا: إعادة ترتيب الوضع الأممي للقضية: من مجلس الأمن إلى أجهزة تصفية الاستعمار

إن المرحلة المقبلة تتيح للدبلوماسية المغربية فرصة للانتقال من الدفاع عن الموقف الوطني داخل الأطر الأممية القائمة إلى المبادرة بإعادة صياغة الإطار الذي يعالج فيه ملف الصحراء المغربية. ويمكن أن يبدأ ذلك بطرح تصور متكامل على الأمم المتحدة، لا يقتصر على إنهاء مهام بعثة المينورسو، بل يشمل أيضا فتح نقاش مؤسسي حول جدوى استمرار إدراج القضية ضمن قائمة المسائل المعروضة على مجلس الأمن، وحول وضع الإقليم ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

وفي هذا السياق، يمكن للمغرب أن يدرس التقدم بمبادرة رسمية لدى مجلس الأمن، ترمي إلى مراجعة استمرار إدراج القضية ضمن قائمة المسائل التي يظل المجلس منشغلا بها، مستندا في ذلك إلى التحولات التي عرفها الملف، وإلى تطور مرجعية المفاوضات، وإلى ضرورة الانتقال من تدبير نزاع ارتبط بخطة الاستفتاء إلى مواكبة مسار سياسي جديد. غير أن هذا التوجه يقتضي تحركا دبلوماسيا مسبقا مع الدول الأعضاء، وفهما دقيقا للقواعد الإجرائية للمجلس.ولا ينبغي أن يتوقف هذا التحرك عند مجلس الأمن، بل يتعين أن يمتد إلى الجمعية العامة وأجهزتها المعنية بملف تصفية الاستعمار، وفي مقدمتها لجنة الأربعة والعشرين واللجنة الرابعة. فالإقليم لا يزال مدرجا ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وهو ما يجعل من الضروري فتح مسار دبلوماسي وقانوني مواز، يرمي إلى طرح مراجعة هذا الوضع والعمل على إنهاء الإدراج ضمن القائمة، وفق الاختصاصات والمساطر المعتمدة داخل منظومة الأمم المتحدة.

وهنا يمكن للدبلوماسية المغربية أن تتقدم بمبادرة متكاملة، تستند إلى التطورات السياسية والدبلوماسية التي عرفها الملف، وإلى ما تحقق من تقدم في جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للمفاوضات، مع العمل على بناء دعم دولي لمراجعة الوضع الأممي القائم. ويتطلب ذلك إعداد مذكرة قانونية وسياسية تشرح أوجه التحول في الملف، وتحدد المسارات الإجرائية الممكنة أمام كل جهاز أممي، وتفتح مشاورات مع الدول المؤثرة والمجموعات الإقليمية، بما فيها الدول الإفريقية والعربية والأوروبية، من أجل بلورة موقف داعم لهذا التوجه.

إن الفكرة الاستراتيجية هنا هي ألا تكتفي الدبلوماسية المغربية بالمطالبة بإنهاء مهمة أممية استنفدت الغاية التي أنشئت من أجلها، بل أن تطرح سؤالا أعمق على المنتظم الدولي: هل ما زالت الأطر الأممية التي نشأ في ظلها هذا النزاع ملائمة للمرحلة الجديدة؟ وهل من المنطقي استمرار إدراج الملف ضمن الأطر نفسها، دون مراجعة في ضوء التحولات السياسية والمرجعيات التي أصبحت تحكم مسار المفاوضات؟

وبذلك، يصبح الرهان هو الانتقال من مجرد تدبير الوضع القائم إلى المبادرة بإعادة ترتيبه، عبر مسارات مؤسساتية متوازية: إنهاء مهمة المينورسو بصيغتها الحالية، ومراجعة إدراج القضية ضمن جدول أعمال مجلس الأمن، والعمل على مراجعة وضع الإقليم ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. وهي مسارات مختلفة من حيث الاختصاص والإجراءات، لكنها تلتقي في هدف استراتيجي واحد، يتمثل في طي صفحة المرحلة السابقة وفتح أفق سياسي جديد، قوامه الحكم الذاتي والتسوية السلمية في إطار السيادة المغربية.

سادسا: التنافس الجيوسياسي والحضور العسكري الأجنبي: السيادة الوطنية أولا

لا يمكن قراءة التحولات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية بمعزل عن التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، ولا عن الأهمية المتزايدة للموقع الأطلسي للمملكة، وما يتيحه من إمكانات اقتصادية وأمنية واستراتيجية. فالأقاليم الجنوبية أصبحت فضاء واعدا للاستثمار والتبادل التجاري والربط القاري، بالنظر إلى المشاريع الكبرى التي تعرفها، وفي مقدمتها المشاريع المينائية والطاقية واللوجستية.

وفي ظل هذه التحولات، قد تبرز تصورات أو رهانات دولية مرتبطة بإعادة تشكيل الحضور العسكري والأمني في المنطقة، سواء في إطار حماية المصالح الاستراتيجية أو تأمين الممرات البحرية أو مواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود. غير أن الإشارة إلى هذا الاحتمال تظل قراءة استشرافية للتحولات الدولية، ولا تعني تبنيه أو الدعوة إليه.

فالمغرب ليس مجالا جغرافيا مفتوحا لإعادة توزيع مناطق النفوذ العسكري الدولي، ولا فضاء لإقامة قواعد أو ترتيبات عسكرية أجنبية، بما في ذلك الأمريكية، خارج ما تقتضيه المصالح الوطنية وقرار الدولة المستقل. كما لا ينبغي أن تتحول التحولات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية إلى مدخل لإرساء وجود عسكري أمريكي أو أجنبي قد يمس باستقلال القرار الوطني، أو يزج بالأقاليم الجنوبية في حسابات التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى. فالشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، مهما بلغت أهميتها، لا تعني تفويضا في السيادة أو تنازلا عن استقلال القرار المغربي. فالسيادة الوطنية ليست موضوعا للمساومة، ولا ثمنا لأي شراكة أو مكسب ظرفي، بل هي الأصل الذي ينبغي أن تقاس به جميع الخيارات والتحالفات.ومن ثم، فإن أي تعاون أمني أو عسكري مع الشركاء الدوليين ينبغي أن يظل خاضعا للقرار السيادي المغربي، ومؤطرا بالمصالح الوطنية العليا، بعيدا عن أي ترتيبات قد تجعل من الأقاليم الجنوبية ساحة لتنافس القوى الكبرى أو موطئ قدم لإعادة توزيع النفوذ في المنطقة.

سابعا: رهانات المرحلة المقبلة: تحصين المكاسب وتثبيت الحل السياسي

إن المرحلة المقبلة تفرض على الدبلوماسية المغربية اعتماد رؤية متعددة الأبعاد، لا تقتصر على تدبير المواقف داخل مجلس الأمن، بل تشمل مختلف الفضاءات الدولية والإقليمية، وتربط بين العمل الدبلوماسي والتحول الاقتصادي والاستراتيجي الذي تعرفه المملكة.

ويقتضي ذلك، أولا، مواصلة تعزيز الشراكات مع القوى الدولية المؤثرة، مع الحرص على أن تتحول المواقف الداعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي إلى مواقف عملية داخل المؤسسات الأممية. كما يقتضي، ثانيا، تطوير خطاب قانوني ودبلوماسي يشرح مضمون الحكم الذاتي ومؤسساته وضماناته، ويبرز قابليته للتنفيذ باعتباره تصورا سياسيا واقعيا للتسوية.

ويتعين، ثالثا، مواكبة هذه الجهود بتعزيز التنمية في الأقاليم الجنوبية، وتسريع المشاريع الاقتصادية والبنيات التحتية والموانئ والطاقات المتجددة، بما يجعل من هذه الأقاليم فضاء للتنمية والاندماج الإفريقي والتعاون الدولي. فالمكاسب الدبلوماسية تزداد رسوخا عندما تسندها منجزات اقتصادية ومؤسساتية ملموسة، وعندما يشعر المواطن في الأقاليم الجنوبية بأن التنمية والتمثيل والمشاركة هي جوهر أي تصور سياسي للمستقبل.

كما ينبغي ألا تغيب عن هذه الرؤية الأبعاد الإقليمية، وفي مقدمتها ضرورة تجاوز حالة التوتر المغاربي، وفتح أفق جديد للتعاون بين دول المنطقة، على أساس احترام الوحدة الترابية للدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. فاستقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار النزاعات المفتوحة، ولا سيما أن التحديات الاقتصادية والأمنية والتنموية تفرض تعاونا إقليميا أكثر فعالية.

ومن المهم، في هذا السياق، ألا يغيب عن الدبلوماسية المغربية البعد الجزائري، وأن تحرص المملكة على توضيح أن مواقفها ومبادراتها الرامية إلى طي ملف الصحراء المغربية لا تستهدف الجزائر، ولا ينبغي أن تفهم باعتبارها إجراءات موجهة ضدها، وإنما هي مساع لإنهاء نزاع طال أمده وفتح صفحة جديدة في العلاقات المغاربية على أساس حسن الجوار والاحترام المتبادل. فالمغرب، وهو متمسك بثوابته وحقوقه السيادية، يظل منفتحا على بناء علاقات سياسية واقتصادية طبيعية ومتقدمة مع الجزائر، ويرحب بمشاركتها في المشروع الملكي الأطلسي، باعتباره مبادرة استراتيجية لتعزيز التعاون والتكامل الإفريقي، وفتح آفاق التنمية والربط الاقتصادي بين دول المنطقة وعمقها الإفريقي. فمستقبل المنطقة ينبغي ألا يظل رهينا بخلافات الماضي، بل أن يتجه نحو بناء فضاء إقليمي قوامه المصالح المشتركة والتنمية والاستقرار.

خاتمة

إن قضية الصحراء المغربية تقف أمام مرحلة مفصلية تتجاوز مسألة تجديد ولاية بعثة أممية أو إنهاء مهامها، لتطرح سؤالا استراتيجيا حول مستقبل الإطار الأممي برمته، ومدى ملاءمته للتحولات السياسية والدبلوماسية التي عرفها الملف.

ومن ثم، فإن الرهان أمام الدبلوماسية المغربية هو الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق المبادرة بإعادة ترتيب الوضع الأممي للقضية، عبر مسارات قانونية ومؤسساتية متوازية، مع التمسك بالتسوية السياسية السلمية، وتحصين المكتسبات الدبلوماسية، وتعزيز الشراكات الدولية، وصون استقلال القرار الوطني.

فالمغرب متمسك بالحل السلمي، ومتشبث بسيادته الوطنية؛ وما ينبغي أن ينتهي هو الإطار الذي استنفد الغاية التي أنشئ من أجلها، لا حق المملكة في صحرائها، ولا انخراطها في مسار سياسي جاد وواقعي. فالسيادة الوطنية أولا وأخيرا، وهي المنطلق والغاية في كل الخيارات والتحالفات والتصورات المرتبطة بمستقبل الأقاليم الجنوبية للمملكة.

د.محسن الندوي، رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News