فن

من الرواية إلى الشاشة.. الإدريسي يراهن على “كرابا” لكشف تعقيدات النفس البشرية

من الرواية إلى الشاشة.. الإدريسي يراهن على “كرابا” لكشف تعقيدات النفس البشرية

يفتح الفيلم السينمائي “كرابا” نافذة على عوالم نفسية معقدة، من خلال حكاية رجل مثقل بجراح الطفولة، تتحول ذكرياته المؤلمة وخيباته الشخصية إلى دوافع للانتقام، في اعتقاد منه أنه يسعى إلى إقامة العدالة، إذ بين ماضٍ يرفض مغادرته وحاضر تتشابك فيه الخيانة والاضطرابات النفسية، يحاول مؤلف العمل ومخرجه رصد الحدود الفاصلة بين الرغبة في الإنصاف والتحول إلى مصدر آخر للظلم والعنف.

وفي هذا الصدد، قال أحمد الطاهري الإدريسي، مؤلف الفيلم ومخرجه، في تصريح لجريدة “مدار21” إن “كرابا” يحكي قصة خالد سرماق، الرجل الذي يعاني اضطرابات نفسية تنعكس على حياته الزوجية، وتطارده ذكريات أليمة تعود إلى طفولته، حين تعرض، وهو في السادسة من عمره، للاعتداء الجنسي على يد بقال كان يقطن بالدوار الذي نشأ فيه، إلى جانب مشاهدته لاعتداءات مماثلة طالت حليمة، وهي امرأة من ذوي الإعاقة، وأطفالا آخرين من المنطقة.

وأضاف الطاهري الإدريسي أن خالد ظل طوال حياته يحاول التخلص من هذه الصور التي ترسخت في ذاكرته وأصبحت مصدر عذاب دائم بالنسبة إليه، غير أن اكتشافه خيانة زوجته مع ياسين، الشاب الذي يعمل لديه، يشكل منعطفا حاسما في حياته، ويدفعه إلى الانتقام ممن يعتبرهم مسؤولين عن حرمانه من طفولته وتشويه مسار حياته.

وأوضح أن البطل يحول زوجته إلى أداة لتنفيذ جرائمه، انطلاقا من إيمانه بوجود نوعين من العدالة، عدالة إلهية مؤجلة إلى يوم الحساب، وعدالة إنسانية عاجلة ينبغي، في نظره، أن تتحقق على الأرضـ إذ مع تفاقم اضطراباته النفسية، يتهيأ له أنه يؤدي مهمة قدرية تتيح له تطهير المجتمع من المجرمين، دون انتظار حكم القضاء أو الاحتكام إلى القانون.

وفي قراءته لأبعاد الفيلم، يرى الطاهري الإدريسي أن العمل يسلط الضوء على المبررات التي قد يستند إليها الإنسان لتفسير سلوكاته المنحرفة وأفعاله الإجرامية، دون أن يعني ذلك تبريرها أو منحها المشروعية، مشيراا إلى أن الماضي المثقل بالأذى قد يفسر بعض التصرفات، لكنه لا يجعل العنف وسيلة مقبولة لاسترداد الحقوق، ولا يمنح صاحبه الحق في أن ينصّب نفسه قاضيا ومنفذا للعقاب.

واعتبر المتحدث ذاته للجريدة أن خالد، رغم أفعاله غير السوية وجرائم القتل التي يرتكبها، شخصية لها خلفيات ودوافع نفسية واجتماعية تستحق التحليل، ما يدفعه إلى القول إن “كلنا كرابا”، في إشارة إلى قدرة الإنسان على حمل جراح وتجارب قد تترك آثارا عميقة في سلوكه ونظرته إلى العالم.

وأضاف أن الفيلم يقدم دراما نفسية تتتبع تطور شخصية البطل، وتكشف كيف تتراكم الأحداث والتجارب المؤلمة لتصنع إنسانا يعتقد أنه ضحية للظلم، قبل أن يجد نفسه، في سعيه إلى الانتقام، يمارس الظلم بدوره، ويجمع العمل، بحسب مخرجه، بين التحليل النفسي والتراجيديا والتشويق، من خلال تتبع جرائم خالد والطريقة التي يزج بها زوجته في مسار انتقامه.

وعن دلالة العنوان، أوضح الطاهري الإدريسي أنه اختار مصطلح “كرابا” لما يحمله من دلالات في الاستعمال المغربي، إذ يصف شخصا لا يستسلم بسهولة، ويتمسك بموقفه حتى أمام من يظلمونه.

ويربط المخرج التسمية بـ”الكراب”، وهو اسم بعض القشريات البحرية المعروفة بمخالبها القوية التي تتمسك بالأشياء بإحكام، إذ يجد في هذه الصورة استعارة لشخصية خالد، الذي يتشبث بتصوره الخاص للعدالة، ويرفض التخلي عن فكرة تطهير الحياة من المجرمين، كما يتصورهم، ومن بينهم البقال والوسيطة التي كانت تستدرج الأطفال للاعتداء عليهم.

وبخصوص انتقال “كرابا” من الرواية إلى السينما، كشف الطاهري الإدريسي أن الفكرة بدأت عندما شرع في كتابة قصة سينمائية، بحكم اشتغاله بالأساس على كتابة السيناريو، قبل أن تدفعه تطورات الحكاية إلى التفكير في تحويلها إلى رواية، وبعد كتابة الفصل الأول، وجد نفسه منجذبا إلى مسار الأحداث، فقرر العودة إلى السيناريو قبل إتمام الرواية.

وأوضح أنه تقدم بالسيناريو إلى المركز السينمائي المغربي، غير أن لجنة القراءة رفضته، ما دفعه إلى استكمال الرواية، قبل العودة مجددا إلى السيناريو، في مسار استغرق نحو ثلاث سنوات، وأسفر عن عملين أدبي وسينمائي ينبعان من الفكرة نفسها.

وتعد “كرابا” الرواية الثالثة للطاهري الإدريسي، بعد “بين الجدران”، التي فاز بها بجائزة اتحاد كتاب المغرب سنة 1996، و”من هنا مر الوزير”، الصادرة سنة 2003.

وأكد أن تحويل الرواية إلى فيلم لم يكن نقلا حرفيا لأحداثها، إذ اختار الاشتغال على بعض الوقائع دون غيرها، معتبرا أن الرواية تتيح مجالا أوسع للتعمق في الأفكار والحالات النفسية ووصفها، بينما يمنح الفيلم هذه الحالات بعدا بصريا يجعل المشاهد يتفاعل معها بطريقة مختلفة.

وأضاف أن اشتغاله على الرواية والسيناريو معا، إلى جانب تجسيده الشخصية الرئيسية في الفيلم، أتاح له هامشا من الحرية الإبداعية للتعبير عن الأفكار والمشاعر التي أراد إيصالها، معتبرا أن تحويل الرواية على يد كاتبها إلى عمل سينمائي يمكن أن يمنحها بعدا إضافيا، بدل الاكتفاء بنقلها إلى الشاشة.

ولم تكن رحلة إنجاز “كرابا” خالية من الصعوبات، إذ كشف الطاهري الإدريسي أن غياب التمويل شكل أبرز العقبات التي واجهته، خاصة بعد رفض السيناريو من طرف لجنة القراءة بالمركز السينمائي المغربي، مؤكدا أنه لا يرغب في الخوض في تفاصيل أسباب الرفض.

وأوضح أنه أصر على إنجاز الفيلم، فلجأ إلى جمع الأموال والاقتراض، بمساهمة من زوجته التي شاركته الإنتاج، إلى جانب أصدقاء قدموا له دعما ماليا أو وفروا معدات ووسائل اشتغال، إلى جانب شركة وضعت بعض آليات التصوير رهن إشارته.

وأضاف أنه صور الجزء الأول من الفيلم سنة 2024، رغم عدم توفره على المال الكافي، قبل أن ينتظر نحو سنة ونصف لاستكمال تصوير الجزء المتبقي، بالاعتماد على قرض مالي ومساعدات من أشخاص آمنوا بالمشروع.

وعلى مستوى التشخيص، أشار المخرج إلى أنه وجد ممثلين مناسبين لتجسيد الشخصيات، مبرزا أن إيمان مطوف، التي تؤدي الدور النسائي الرئيسي، شكلت اكتشافا متميزا بالنسبة إليه، إلى جانب مشاركة أسماء معروفة في المجال الفني.

وختم الطاهري الإدريسي حديثه بالتأكيد على أن تجربة إنجاز رواية “كرابا” كانت غنية على المستويين المعرفي والإنساني، سواء من خلال النقاشات التي رافقتها أو تفاعل القراء معها، دفعه لصناعة الفيلم، معربا عن أمله في أن ينال إعجاب الجمهور، وأن يشكل إضافة سينمائية للرواية التي انبثق منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News