فن

الروخ جلاد “الهاربون من تندوف” يكشف كيف واجه الوجه الإنساني للشر

الروخ جلاد “الهاربون من تندوف” يكشف كيف واجه الوجه الإنساني للشر

يرى الفنان إدريس الروخ أن تجسيد شخصية تقف في صف الجهة التي تمارس القهر ضد مغاربة محتجزين في مخيمات تندوف، ضمن فيلم “الهاربون من تندوف”، يفرض مسؤولية تتجاوز الأداء التمثيلي، لتشمل فهم آليات العنف واستحضار المعاناة الإنسانية المرتبطة بالذاكرة الوطنية، مؤكدا أن خطورة الشخصية التي يؤديها تكمن في كونها تجسد إنسانا يتحول، تحت تأثير المصلحة والتعصب والتنكر للآخر، إلى أداة لممارسة القسوة.

وأوضح الروخ في تصريح لجريدة “مدار21” أن الشخصية التي يجسدها هي شخصية “كولونيل” يوجد في صفوف الطرف المعادي، وتحمل تناقضا أخلاقيا وإنسانيا عميقا، إذ اختارت الالتحاق بهذا الطرف، ربما بدافع الطمع في مكسب مادي أو معنوي، أو تحت تأثير وعود استُخدمت لاستقطابها، قبل أن تجد نفسها في موقع الجلاد، تنفذ الأوامر وتشارك في ممارسة القهر ضد مواطنين مغاربة أبرياء.

وقال الروخ إنه لم يتعامل مع الشخصية باعتبارها شريرة بالمعنى السطحي، بل حاول البحث في طبيعتها النفسية، وفي الجانب الذي يجعل الإنسان قادرا على ممارسة القسوة على غيره، وتنفيذ الأوامر وكأنها تعفيه من مسؤوليته الأخلاقية.

وأضاف أن أداء هذه الشخصية استلزم إبراز الحقد الدفين والتوحش والبرود الذي قد يصاحب ممارسة العنف عندما يتحول إلى سلوك يومي، مبرزا أن السينما لا تكتفي بإخبار المشاهد بوجود جلاد، بل تمنحه إمكانية النظر إلى وجهه وفهم الطريقة التي يتحول بها الإنسان إلى أداة للقهر.

واعتبر الروخ أن خطورة هذه الشخصية تكمن في أنها تذكر بأن الشر ليس دائما قوة استثنائية، بل قد يكون اختيارا بشريا يتغذى من المصلحة والتعصب والتنكر للآخر.

وبخصوص استعداده لتجسيد هذه الشخصية، أوضح الروخ أن مقاربته للدور انطلقت من إدراكه أنه لا يؤدي شخصية معزولة عن سياقها، بل يشارك في عمل يستحضر معاناة إنسانية مرتبطة بذاكرة مغربية جماعية، تتعلق بأشخاص حُرموا من الحرية وعاشوا ظروفا قاسية، وظل سؤال العودة إلى الوطن حاضرا في وجدانهم.

وأكد أن تناول هذه التجربة يفرض احترام الضحايا، وعدم تحويل آلامهم إلى مجرد وسيلة للتأثير العاطفي في المشاهد، مشددا على أن المعاناة الإنسانية لا تحتاج إلى المبالغة كي تكون مؤثرة، إذ يمكن للنظرة أو الصمت أو حركة الجسد أن تكون أكثر بلاغة من خطاب طويل.

وأشار إلى أن تجسيده شخصية تقف في الجهة التي تمارس القهر تطلب منه استيعاب هذا التناقض، والاقتراب نفسيا من منطق الجلاد، ليس لتبريره، بل لكشف آلياته وإظهار كيف يمكن للإنسان أن يتخلى عن إنسانيته عندما يجعل من الآخر عدوا يستحق الإذلال.

وأضاف أن الممثل، في نظره، لا ينبغي أن يحكم على الشخصية قبل فهمها، لكنه ليس ملزما بتبرير أفعالها، موضحا أن مهمته تتمثل في منحها صدقها الدرامي حتى يتمكن المتفرج من رؤية حقيقتها والحكم عليها بنفسه.

واعتبر أن مسؤولية السينما تكمن في جعل الذاكرة محسوسة، ومنح الإنسان الذي عانى فرصة لأن يُرى ويُسمع، بعيدا عن الاختزال أو النسيان.

وأكد الروخ أن تجسيد هذه الشخصية يفرض مسؤولية تتجاوز حدود الأداء التقني، بالنظر إلى ارتباط الفيلم بقضية الصحراء المغربية ومعاناة مغاربة عاشوا سنوات من الاحتجاز بعيدا عن وطنهم.

وقال إن هناك أدوارا يؤديها الممثل، وأخرى يجد نفسه أمامها باعتباره فنانا ومواطنا في الوقت نفسه، معتبرا أن الوطنية ليست مجرد شعار يُرفع أو خطاب يُردد في المناسبات، بل هي أيضا قدرة على الإسهام، كل من موقعه، في الدفاع عن الذاكرة الوطنية وصون كرامة الإنسان المغربي.

وأوضح أن السينما تمنح الفنان وسيلة خاصة للتعبير عن هذا الانتماء، من خلال الصورة وبناء الشخصيات وتحويل الوقائع إلى تجربة إنسانية قادرة على الوصول إلى وجدان الجمهور.

وأضاف أنه لم يشعر بضرورة الفصل بين الممثل والمواطن، بل سعى إلى جعل وعيه كمواطن يغني أداءه كممثل، وتسخير أدواته الفنية لخدمة عمل يحمل قضية تتجاوز الشخصية التي يجسدها.

وفي المقابل، شدد الروخ على أن قوة الفيلم الوطني لا تنبع من الخطابة، بل من قدرته على أن يكون عملا سينمائيا صادقا ومتماسكا، يمتلك شخصياته ولغته وصوره، معتبرا أن العمل كلما كان أكثر صدقا من الناحيتين الفنية والإنسانية، كان أقدر على إيصال موقفه والدفاع عن قضيته.

واعتبر أن الوطنية في السينما ليست نقيضا للإبداع، بل يمكن أن تكون أحد منابعه عندما تتحول من فكرة مجردة إلى تجربة إنسانية حية، مضيفا أن انخراط الفنان في القضايا الكبرى لا ينتقص من استقلالية الفن، بل يمنحه معنى إضافيا، شريطة أن يظل وفيا لجوهره الإبداعي.

وعن الصعوبات التي رافقت التصوير، أوضح الروخ أن العمل في الفضاء الصحراوي يفرض تحديات خاصة، سواء من حيث طبيعة المكان أو الإضاءة أو المناخ أو الحركة، إضافة لضرورة الحفاظ على التركيز والاستمرارية في الأداء.

وأشار إلى أن الصعوبة لا تقتصر على الظروف الطبيعية، بل تشمل أيضا بناء عالم درامي يستطيع المشاهد الإحساس بقسوته دون الحاجة إلى شرح كل شيء بالكلمات.

واستحضر في هذا السياق طبيعة السينما باعتبارها فنا للصورة والزمن والفضاء، موضحا أن المكان ليس مجرد جغرافيا، بل يمكن أن يتحول إلى حالة نفسية ويحمل معاني قد تعجز الحوارات عن نقلها، كما يمكن للقطة ثابتة في فضاء مفتوح أو لوجه يواجه الضوء القاسي أن يكون أبلغ من مشهد كامل قائم على الكلام.

وأضاف أن استحضار أجواء القسوة يتطلب، على المستوى التمثيلي، ضبطا كبيرا للأداء، مشيرا إلى أن الهدف لم يكن صناعة قسوة مصطنعة، بل البحث عن الصدق داخل المشهد، وإتاحة المجال للصورة وأجساد الممثلين والصمت أحيانا للتعبير.

وأكد أن التحدي الحقيقي في السينما لا يكمن في إعادة إنتاج الظروف القاسية فحسب، بل في اكتشاف الطريقة التي تتحول بها تلك الظروف إلى معنى، ويصبح فيها الفضاء نفسه شاهدا على ما عاشه الإنسان.

وبخصوص الرسالة التي يتمنى أن تصل إلى الجمهور من خلال رحلة أبطال الفيلم من مخيمات تندوف إلى الوطن، قال الروخ إنه يأمل أن يخرج المشاهد بإحساس عميق بقيمة الوطن، ليس باعتباره حدودا جغرافية فقط، بل فضاء للذاكرة والكرامة والانتماء، ومكانا يجد فيه الإنسان جذوره وحقه في الحياة بحرية وأمان.

وأوضح أن رحلة الأبطال لا تمثل مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هي رحلة لاستعادة الذات واسترجاع الحق في الاختيار، والعودة إلى فضاء الانتماء بعد سنوات من الحرمان، مبرزا أن الإنسان يستطيع تحمل الكثير، لكن حاجته إلى الحرية والكرامة تظل أقوى من محاولات إخضاعه.

وأضاف أن من المهم أن يدرك المشاهد أن وراء كل قضية وطنية وجوها بشرية وحكايات شخصية وأسرا وذكريات وأحلاما مؤجلة، معتبرا أن الحديث عن الصحراء المغربية لا يتعلق بقضية سياسية فقط، بل بالإنسان المغربي وحقه في العيش موحدا مع وطنه، والتمتع بحرية تقرير مصيره بعيدا عن الإكراه والتضليل والوعود التي قد تدفع الإنسان إلى اختيارات يدفع ثمنها سنوات من عمره.

وعلى المستوى السينمائي، أعرب الروخ عن أمله في أن يغادر المشاهد قاعة العرض وهو يحمل أسئلة، لا مجرد انطباعات عابرة، وأن يفكر في معنى الحرية ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، والفرق بين من يختار حماية كرامة الآخرين ومن يختار سلبهم إياها.

وختم بالتأكيد على أن السينما الحقيقية هي التي تجعل الجمهور يرى الوطن من خلال الإنسان، والإنسان من خلال مصيره، ويفهم أن الدفاع عن الوطن لا ينفصل عن الدفاع عن كرامة أبنائه.

وأضاف أن نجاح الفيلم في جعل المشاهد يشعر بثقل المعاناة ويقدر قيمة العودة ويزداد وعيا بمسؤولية الذاكرة الوطنية، من شأنه أن يتجاوز حدود الفرجة، ليصبح مساهمة فنية وإنسانية في قضية تستحق أن تُروى وتُحفظ وتظل حاضرة في وجدان الأجيال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News