هل إيداع مشروع قانون المالية 2027 مخالف للدستور؟

صادق المجلس الحكومي، صباح الثلاثاء 20 أكتوبر، على مشروع قانون المالية لسنة 2027، في أفق إيداعه بمجلس النواب مساء نفس اليوم، احتراما لمقتضيات المادة 48 من القانون التنظيمي للمالية، وهو الأجل الأقصى المحدد بموجب الدستور المالي للمملكة.
غير أن هذا الإجراء أثار ردود فعل متباينة من أكاديميين ومتتبعين للشأن العام.
وإذا كانت بعض القراءات تعالج الإشكال بالاستناد إلى أحكام الدستور وسموها على ما سواها، فإنها تبقى جد محترمة وتساهم في النقاش الدستوري بشكل راقي.
غير أن بعض القراءات الأخرى كانت متسرعة وجانبت الصواب في الحسم بعدم دستورية انعقاد المجلس الحكومي ومصادقته على مشروع قانون المالية، وبعضها أثارت جدلا فارغا ينم عن جهل كبير بالمنظومة الدستورية والقانونية المؤطرة لأشغال الحكومة وقرار المجلس الدستوري لسنة 2015.
فالمادة 38 من القانون التنظيمي رقم 13-065 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، تنص صراحة على تكليف الحكومة الجديدة قبل تنصيبها البرلماني بتصريف الأمور الجارية إضافة إلى إعدادالبرنامج الحكومي (بإحالتها على الفقرة الأولى من المادة 37).
وحاول بعض الأكاديميين الاقتصار على القراءة الحرفية لهذا المقتضى القانوني، في حين أن القضاء الدستوري كان قد فتح الباب أمام مثل هاته الحالات الاستثنائية التي تعيشها المؤسسات أمام مشروع قانون المالية 2027.
ففي قراره رقم 955 لسنة 2015، وفي إطار فحصه لمدى دستورية القانون التنظيمي المتعلق بأشغال الحكومة، أعطى المجلس الدستوري تفسيرا أوسّع يشمل الحالات الاستثنائية بخصوص “تصريف الأعمال”، ليشمل ما اعتبره “مراعاة ما قد تستلزمه حالة الضرورة من اتخاذ تدابير تشريعية أو تنظيمية”، ولا توجد حالة ضرورة أوضح من الحاجة لمعالجة المأزق الدستوري الذي وجدت الحكومة الجديدة نفسها أمامه.
ومن هذا المنطلق، فإن تداول الحكومة الجديدة في مشروع قانون المالية 2027، وإيداعه بمجلس النواب يوم 20 أكتوبر، يكون سليما من الناحية الدستورية والقانونية من حيث المبدأ، ما دام أن هذا الأمر يندرج في إطار التدابير التشريعية الاستثنائية.
ومن جهته، لم يتطرق القانون التنظيمي للمالية لمثل هاته الحالات الاستثنائية، والمتعلقة بحالةعدم إيداع مشروع قانون المالية في الأجل القانوني، وهو ما يدفع للبحث عن الحلول الدستورية والقانونية الملائمة لمثل هاته الحالة غير المسبوقة.
فاجتهاد المجلس الدستوري في تفسيره المذكور يفسح المجال أمام تجاوز هذا المأزق الدستوري.
لذا فإن القراءة الحرفية لأحكام الدستور بمعزل عن المقتضيات القانونية الأخرى وقرار المجلس الدستوري، وبغض النظر عن أهميتها، تبقى مجانِبة للصواب في ظل منظومتنا الدستورية والقانونية، واعتمادها قد يُدخل المسطرة التشريعية لمشروع قانون المالية 2027 في متاهات غير محمودة العواقب وأكثر تعقيدا مما يمكن تخيله.





