رأي

ماذا ينتظر المغاربة من حكومة المنصوري

ماذا ينتظر المغاربة من حكومة المنصوري

تدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة، بعد نجاح رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، في تشكيل تحالفها الحكومي، الذي اكتملت ملامحه بانتخاب رئيس لمجلس النواب من حزبها. ولم يتبقَّ سوى الإعلان عن تشكيلة وزارية تجمع بين الكفاءة والنزاهة، وفق ما وعد به البلاغ الحكومي.

لكن استكمال هذه الترتيبات السياسية لا يمثل سوى بداية الطريق. فالسؤال الأهم الذي ينتظر الحكومة المقبلة ليس كيف تشكلت أغلبيتها، بل ماذا ستفعل بهذه الأغلبية؟ وما الأولويات التي ينبغي أن تتصدر عملها؟ وكيف يمكنها أن ترسل، منذ أيامها الأولى، إشارات إيجابية تعيد الثقة إلى المواطنين وتؤكد أن الوعود الانتخابية قابلة للتحول إلى نتائج ملموسة؟

لا تحتاج المرحلة إلى حكومة منسجمة فحسب، بل إلى حكومة تمتلك رؤية واضحة، وتعرف كيف تحولها إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والقياس، على أن تبدأ آثارها في الظهور منذ المائة يوم الأولى.

وبموازاة إعداد البرنامج الحكومي، يتعين على الفريق الحكومي أن يشرع، منذ اليوم الأول، في تعزيز قدرة المؤسسات والإدارة على تنفيذ البرامج القائمة، وتسريع الأوراش المتعثرة، والاستعداد لتنزيل الالتزامات الجديدة. فالمشكلة لا تكمن دائما في غياب الأفكار أو الاستراتيجيات، بل كثيرا ما تكمن في ضعف التنفيذ وتشتت المسؤوليات وغياب التقييم المنتظم.

لا شك أن الاقتصاد والاستثمار والتوازنات المالية تظل قضايا أساسية في تدبير الشأن العام، لكن الغاية النهائية منها ينبغي أن تكون الإنسان. وهذا الأمر يكتسي أهمية خاصة في حالة الحكومة المقبلة، بالنظر إلى سقف الانتظارات الذي رفعته الوعود الانتخابية لمختلف الأحزاب.

من هنا، تبرز أولوية التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، باعتبارها حقوقا أساسية وليست مجرد خدمات تقدمها الدولة. فبدون تعليم جيد، وصحة عمومية فعالة، وحماية اجتماعية تصل إلى مستحقيها، سيظل النمو الاقتصادي عاجزا عن إنتاج شعور واسع بالإنصاف والأمان.

فالدولة الاجتماعية لا تقاس بعدد البرامج التي تحمل هذا الاسم، وإنما بما يشعر به المواطن داخل بيته وخارجه، وبمدى قدرته على مواجهة المرض والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة دون أن يجد نفسه مهددا في استقرار أسرته ومستقبل أبنائه.

أولا: جعل الحماية الاجتماعية حماية فعلية

ينبغي لأعضاء الحكومة المقبلة أن ينطلقوا من أسئلة بسيطة، لكنها تختزل جوهر السياسة الاجتماعية: هل يستطيع المواطن، إذا مرض أحد أفراد أسرته، الحصول على العلاج في الوقت المناسب دون أن يتحول المرض إلى أزمة مالية؟ وهل يجد العامل الذي فقد وظيفته حماية تمنع أسرته من السقوط المفاجئ في الهشاشة؟ وهل تستطيع الأسرة محدودة الدخل توفير التعليم والصحة والسكن والنقل والغذاء لأبنائها دون أن تعيش باستمرار تحت ضغط الخوف من المستقبل؟

هذه هي الانشغالات التي ينبغي أن تتصدر السياسة الاجتماعية.

الحكومة المقبلة لا تنطلق من الصفر. فقد قطعت البلاد أشواطا في بناء منظومة الحماية الاجتماعية، وأصبح الدعم الاجتماعي المباشر أحد مكوناتها الأساسية، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى توسيع قاعدة المستفيدين وربط الحماية بالإدماج الاقتصادي وسوق الشغل.

لكن المرحلة المقبلة تطرح سؤالا أكثر عمقا: ماذا يحصل عليه المواطن فعليا من هذه المنظومة؟ فالحماية الاجتماعية الحقيقية لا تعني مجرد التسجيل في قاعدة بيانات أو الاستفادة من تحويل مالي، وإنما تعني الحصول على خدمة أو تعويض أو حماية فعالة عندما تدعو الحاجة إليها.

لذلك، ينبغي الانتقال من منطق قياس عدد المسجلين والمستفيدين إلى منطق قياس جودة الحماية وأثرها في حياة الأسر.

ويقتضي ذلك أن يكون الدعم الاجتماعي سريعا وواضحا وقابلا للتوقع، وأن يستند إلى معايير شفافة. كما ينبغي تفادي أن يؤدي انتقال الأسرة من الهشاشة إلى وضع أفضل نسبيا إلى فقدان مفاجئ لجميع أشكال الدعم، بما قد يثنيها عن العمل أو عن الانتقال إلى الاقتصاد المنظم.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى التفكير في آليات انتقالية تحفظ للأسرة قدرا من الدعم خلال مرحلة تحسن وضعها الاقتصادي، بدل وضعها أمام اختيار قاسٍ بين زيادة دخلها وفقدان المساعدة الاجتماعية. إن الابتكار في السياسة الاجتماعية يبدأ من معالجة هذه المفارقات التي قد تجعل بعض البرامج عاجزة عن تحقيق أهدافها.

فالهدف الاستراتيجي واضح: يجب أن تكون الحماية الاجتماعية جسرا نحو الاستقرار والاستقلال المادي، لا مسارا دائما لإدارة الهشاشة.

ثانيا: الصحة العمومية بين توسيع العرض وجودة العلاج

تحتاج المنظومة الصحية إلى مزيد من الاستثمار في المستشفيات والبنيات التحتية والتجهيزات، لكن المواطن لا يقيس نجاح الإصلاح بعدد المشاريع المنجزة أو الأسرة المضافة، بل بما يجده عندما يمرض.

هل يجد الطبيب؟ هل يتوفر الدواء؟ هل ينتظر أشهرا للحصول على موعد؟ هل يستطيع إجراء الفحوصات اللازمة في الوقت المناسب وبالقرب من مكان إقامته؟ وهل يتحمل ما تبقى من تكاليف العلاج بعد التغطية الصحية دون أن يتعرض التوازن المالي لأسرته للاهتزاز؟

هذه هي المعايير الحقيقية للعدالة الصحية.

لقد شهد العرض الصحي جهودا للتوسيع والتطوير، كما يجري العمل على تقريب الخدمات وتنظيمها ترابيا. غير أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من التركيز على توفير البنيات والتجهيزات إلى جعل جودة الخدمة الصحية هدفا مستقلا، يخضع للتقييم والمساءلة.

والصحة الفعلية تقوم على ثلاثة شروط متلازمة: القرب، والجودة، والحماية المالية.

فإذا كانت التغطية الصحية توسع إمكانية الولوج إلى العلاج، فإن نجاحها الحقيقي يتحقق عندما لا يضطر المواطن إلى تأجيل علاجه بسبب التكلفة، أو السفر لمسافات طويلة بحثا عن اختصاص طبي، أو اللجوء إلى الوساطة للحصول على موعد.

كما أن إصلاح الصحة لا يمكن أن ينجح دون الاستثمار في الطبيب والممرض وتقني الصحة والأطر الإدارية، وتحسين ظروف عملهم وتطوير كفاءاتهم. فالمؤسسة الصحية ليست بناية وتجهيزات فحسب، بل هي، قبل كل شيء، موارد بشرية وتنظيم ومسؤولية وجودة في الأداء.

ثالثا: القدرة الشرائية والشغل الجيد في صلب السياسة الاقتصادية

قد تحقق الحكومة مؤشرات إيجابية في النمو والاستثمار، لكن المواطن يطرح سؤالا أكثر مباشرة: ماذا بقي في جيبه عند نهاية الشهر؟

لهذا، ينبغي أن تصبح القدرة الشرائية عنصرا ثابتا في تقييم السياسات الاقتصادية، لا مجرد ملف يستحضر عند ارتفاع الأسعار أو اشتداد الاحتجاجات.

والحفاظ على القدرة الشرائية لا يعني تقديم الدعم للأسر وحده، بل يقتضي أيضا رفع مداخيلها الحقيقية، والحد من الضغوط التي تستنزف ميزانياتها، وتحسين المنافسة داخل الأسواق، وتوسيع فرص العمل المنتج.

فما جدوى الدعم إذا كانت الزيادات المتتالية في الأسعار تلتهم أثره؟ وما قيمة تحسن المؤشرات الاقتصادية إذا لم ينعكس على مستوى عيش الأسر؟

على الحكومة أن تجعل الأشهر الأولى من ولايتها مناسبة لإطلاق إجراءات واضحة، ذات أثر قابل للقياس، للتخفيف من كلفة المعيشة، وتحسين فعالية المنافسة، وتوسيع فرص الشغل الجيد، وتوجيه ثمار النمو نحو قطاعات واسعة من المجتمع.

ولا ينبغي فصل التشغيل عن القدرة الشرائية، لأن الوظيفة الجيدة تظل من أكثر وسائل الحماية الاقتصادية استدامة. غير أن رفع الأجور وحده لا يكفي إذا لم يقترن باقتصاد ينتج قيمة مضافة أعلى، ومقاولات قادرة على النمو، وشباب يمتلك المهارات التي يحتاج إليها سوق الشغل.

المطلوب، إذن، هو الانتقال من مجرد خلق مناصب الشغل إلى خلق وظائف مستقرة ومنتجة، توفر دخلا لائقا وآفاقا مهنية واضحة، وتساعد الشباب والنساء والطبقة الوسطى على تحسين أوضاعهم.

رابعا: الأسرة وحدة أساسية لتقييم السياسات العمومية

اعتدنا النظر إلى المواطن باعتباره فردا منفردا، بينما يعيش في الواقع داخل أسرة تتحمل مجتمعة تكاليف المرض والتعليم والسكن والنقل ورعاية الأطفال وكبار السن.

لذلك، ينبغي أن تصبح الأسرة وحدة أساسية في تصميم السياسات العمومية وتقييم نتائجها.

فعند وضع أي سياسة جديدة، يجب أن نسأل عن أثرها على الأسرة: ما الذي يعنيه ارتفاع كلفة السكن بالنسبة إلى ميزانيتها؟ وكيف يؤثر النقل على نفقاتها اليومية؟ وما انعكاس غياب خدمات رعاية الأطفال على قدرة المرأة على العمل؟ وما الكلفة البعيدة المدى للهدر المدرسي على الأبناء والمجتمع؟

إن هذه الأسئلة تكشف أن الملفات الحكومية أكثر ترابطا مما توحي به الهياكل الوزارية. فسياسة النقل تؤثر في التشغيل، والسكن يؤثر في الاستقرار الأسري، ورعاية الأطفال تؤثر في مشاركة النساء في الاقتصاد، والتعليم يؤثر في الحراك الاجتماعي وفي فرص الأجيال المقبلة.

والأسرة التي تتمتع بتعليم جيد، وصحة متاحة، وسكن مناسب، ونقل ميسر، ودخل مستقر، وحماية اجتماعية عند الحاجة، تكون أكثر قدرة على الادخار والاستهلاك والاستثمار في أبنائها.

من هنا، لا ينبغي اختزال سياسة الأسرة في الإعانات المالية، على أهميتها، بل يجب التعامل معها باعتبارها منظورا شاملا يوجه مختلف السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ويقيس مدى إسهامها في تحقيق الاستقرار الأسري والوقاية من الهشاشة.

خامسا: إصلاح المدرسة يبدأ من المدرس

ينبغي للحكومة المقبلة أن تتعامل مع إصلاح التعليم باعتباره استثمارا استراتيجيا في مستقبل البلاد خلال العقد المقبل، لا مجرد ورش قطاعي تتغير أولوياته مع تغير الوزراء.

وهذا الإصلاح لا يبدأ بتغيير الكتب والمناهج كل سنة، ولا بكثرة الشعارات المرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعي، بل يبدأ من المدرس، الذي يظل الفاعل الحاسم في تحويل السياسة التعليمية إلى واقع داخل الفصل الدراسي.

لذلك، فإن تحسين تكوين المدرسين، والارتقاء بوضعهم المهني والاجتماعي، وتعزيز مكانتهم، وتطوير قدراتهم البيداغوجية والرقمية، ينبغي أن يحتل موقع الصدارة في أي إصلاح جاد للمدرسة.

فالمدرسة المستقبلية لا تكتفي بتلقين المعارف، وإنما تسعى إلى تكوين مواطن قادر على التفكير النقدي والبحث والاختلاف والعمل الجماعي، وعلى توظيف المعرفة في حل المشكلات.

كما ينبغي أن يقاس نجاح الإصلاح بتحسن التعلمات الأساسية، والحد من الهدر المدرسي، وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية والاجتماعية، وتعزيز قدرة المدرسة العمومية على منح أبناء الأسر محدودة الدخل فرصا حقيقية للارتقاء الاجتماعي.

إن التعليم ليس مجرد خدمة عمومية ضمن خدمات أخرى، بل هو أحد الشروط الأساسية لإنجاح بقية السياسات. فلا تشغيل مستداما دون كفاءات، ولا اقتصاد تنافسيا دون مهارات، ولا مواطنة كاملة دون تعليم يحرر العقل ويعزز الاستقلالية.

سادسا: اقتصاد تنافسي يحمي الطبقة الوسطى

تحتاج الحكومة المقبلة إلى جعل القطاع الخاص محركا أكبر للنمو والتشغيل، لكن ذلك يتطلب إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمقاولة على أساس واضح: دولة تضمن القواعد العادلة والمنافسة الشريفة، وقطاع خاص يستثمر وينتج ويبتكر ويوفر فرص الشغل.

والمطلوب هو بناء بيئة تجعل الاستثمار منتجا، والمقاولة قادرة على النمو، والولوج إلى التمويل أكثر يسرا، والقواعد القانونية والإدارية واضحة ومستقرة.

لكن نجاح السياسة الاقتصادية لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة أو بمعدلات النمو الإجمالية. بل يتعين طرح أسئلة أكثر دقة: كم وظيفة جيدة أُحدثت؟ وكم مقاولة استطاعت الانتقال إلى مرحلة النمو؟ وكم شابا انتقل من الهشاشة إلى الاستقلال الاقتصادي؟ وما حجم القيمة المضافة التي بقيت داخل الاقتصاد الوطني؟

إن التحدي الحقيقي هو الجمع بين اقتصاد تنافسي ودولة اجتماعية قوية. فالسوق ضروري لخلق الثروة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلا عن العدالة الاجتماعية وضمان الحقوق الأساسية.

وفي هذا السياق، ينبغي لحكومة المنصوري أن تدرك أن الاستقرار الاجتماعي طويل المدى لا يمكن أن يتحقق إذا ظلت الطبقة الوسطى تشعر بأن كلفة الحياة ترتفع بوتيرة أسرع من مداخيلها.

فالحفاظ على الطبقة الوسطى ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل هو أيضا خيار اقتصادي واستراتيجي؛ لأنها تمثل رافعة للاستهلاك والاستثمار في الأبناء والادخار، كما تسهم في تعزيز الاستقرار والثقة في المؤسسات.

سابعا: إصلاح سياسي وإداري يعيد بناء الثقة

لا يمكن للحكومة أن تنجح إذا فصلت الإصلاح التنموي عن الإصلاح السياسي. فالحكومة الفعالة ليست فقط تلك التي تتخذ القرارات الاقتصادية والاجتماعية الصائبة، بل أيضا التي تتيح النقد، وتضمن المساءلة والمحاسبة، وتفتح قنوات مشروعة للتعبير، وتمنح المؤسسات والأحزاب والمجتمع المدني أدوارا حقيقية.

لذلك، تحتاج الحكومة المقبلة إلى تقوية دور البرلمان، والانفتاح على المعارضة والاستفادة من نقدها البناء، وتوسيع فضاء النقاش العمومي، وتحسين الولوج إلى المعلومة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة الاعتبار للأحزاب باعتبارها فضاءات لتكوين النخب وتأطير المواطنين، لا مجرد آلات انتخابية.

غير أن الثقة في الدولة لا تتشكل داخل المؤسسات السياسية وحدها، بل تتكون أيضا في علاقة المواطن اليومية بالإدارة.

هل يحصل على وثيقته في الوقت المناسب؟ هل يفهم المسطرة المطلوبة؟ هل يحتاج إلى وساطة؟ هل يستطيع تقديم شكوى وتتبعها؟ وهل يجد موظفا يتحمل مسؤولية القرار؟

هنا يصبح الإصلاح الإداري والرقمنة واللاتمركز أكثر من مجرد أوراش تقنية؛ إنها أدوات لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

فالحكومة التي تريد جعل الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم حقوقا فعلية تحتاج إلى إدارة قادرة على تحديد المستفيدين بدقة، وتبادل المعلومات بين المؤسسات، وتسريع اتخاذ القرار، والحد من الأخطاء والتكرار، وتتبع النتائج.

ولا تعني الدولة الرقمية كثرة المنصات والتطبيقات، وإنما تعني أن يتمكن المواطن من إنجاز معاملاته دون أن يضطر إلى تكرار المساطر نفسها وتقديم الوثائق ذاتها أمام إدارات متعددة.

إن الإدارة الناجعة ليست تلك التي ترقمن تعقيداتها فحسب، بل تلك التي تبسط المساطر، وتقلص الآجال، وتوضح المسؤوليات، وتجعل الخدمة العمومية أقرب إلى المواطن وأكثر شفافية.

ثامنا: الشباب من منطق الرعاية إلى منطق التمكين

لا ينبغي للحكومة المقبلة أن تتعامل مع الشباب باعتباره فئة تحتاج إلى برامج خاصة ومعزولة، لأن الشباب هو الاختبار الحقيقي لمختلف السياسات العمومية: التعليم والاقتصاد والثقافة والسكن والنقل والتكنولوجيا والرياضة والمشاركة السياسية.

إذا شعر الشاب بأن مستقبله لا يمر إلا عبر الهجرة أو انتظار وظيفة عمومية، فذلك مؤشر على اختلالات ينبغي أن تعالجها السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

أما إذا أصبح قادرا على التعلم المستمر، والحصول على عمل لائق، وإنشاء مشروع، والمشاركة في الحياة العامة، فإن الدولة تكون قد بدأت بالفعل في بناء مستقبلها.

ولهذا، يجب أن تنتقل سياسة الشباب من منطق الرعاية إلى منطق التمكين، ومن تقديم البرامج الموجهة إليهم إلى إشراكهم في تصميمها وتقييمها.

ويتطلب ذلك توسيع فرص المبادرة الاقتصادية، وتطوير التكوين وربطه بحاجات سوق الشغل، وتيسير الولوج إلى التمويل، وتعزيز المشاركة الثقافية والرياضية والمدنية، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة للمساهمة في اتخاذ القرار.

فالشباب ليس ملفا قطاعيا يمكن أن تتكفل به وزارة واحدة، بل هو معيار ينبغي أن يحضر في كل قرار حكومي.

تاسعا: حكومة النتائج لا حكومة المبادرات المتراكمة

قد يكون أكبر تحد أمام الحكومة المقبلة هو مقاومة إغراء إطلاق برامج كثيرة وإعلان أولويات لا تنتهي. فالمغرب لا يحتاج بالضرورة إلى إعادة اختراع العجلة، بقدر ما يحتاج إلى تحسين قدرته على تنفيذ ما يقرره.

هناك استراتيجيات ومؤسسات وبرامج ومشاريع قائمة؛ بعضها يحتاج إلى التسريع، وبعضها إلى التصحيح، وبعضها إلى إعادة التقييم، وربما الإيقاف عندما يثبت ضعف جدواه.

والحكومة التي تحافظ على المشاريع الناجحة، وتعالج أسباب تعثر المشاريع الأخرى، وتقيس النتائج بانتظام، ستكون أكثر تأثيرا من حكومة تطلق مئات المبادرات الجديدة دون أن تضمن تنفيذها.

لذلك، سيكون من الأفضل أن تختار الحكومة عددا محدودا من الأولويات الكبرى، وأن تربط كل واحدة منها بأهداف دقيقة ومؤشرات قابلة للقياس وآجال زمنية واضحة، مع تحديد المسؤول السياسي والإداري عن تنفيذها.

ولا ينبغي أن تقتصر المائة يوم الأولى على الإعلان عن النوايا أو إصدار التوجيهات، بل يجب أن تشكل مناسبة لإظهار طريقة جديدة في العمل: تشخيص الاختلالات، وتحديد المسؤوليات، وإطلاق الإجراءات العاجلة، ووضع آليات للتتبع والتقييم، ونشر النتائج بشفافية.

يمكن اختصار نجاح الولاية الحكومية المقبلة في مجموعة من الأسئلة المباشرة:

هل تحسنت المدرسة العمومية؟ وهل أصبح العلاج أقرب وأيسر وأقل كلفة؟ وهل تحولت الحماية الاجتماعية إلى حماية فعلية؟ وهل تحسنت القدرة الشرائية؟ وهل أصبحت الأسرة أكثر أمنا أمام المرض والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة؟ وهل خلق الاقتصاد وظائف أفضل؟ وهل صارت الإدارة أسرع وأكثر نزاهة؟ وهل أصبح المواطن يشعر بأن صوته ومشاركته لهما معنى؟

إذا استطاعت الحكومة، في نهاية ولايتها، الإجابة عن هذه الأسئلة بأرقام ونتائج ملموسة، فستكون قد اجتازت أهم اختبار سياسي واجتماعي.

أما إذا غرقت في التفاصيل والبرامج والمشاريع والصراعات، دون أثر واضح في الحياة اليومية، فلن تنقذها كثرة الخطابات ولا تضخم الأرقام.

خاتمة: التفكير في عشر سنوات وتدبير خمس

الحاجة ملحة اليوم إلى طريقة جديدة في صناعة السياسة العمومية؛ طريقة تجعل الحكومة تفكر في عشر سنوات وهي تدبر خمس سنوات، وتدرك أن إصلاح التعليم يحتاج إلى تراكم، وأن تحديث الإدارة يتطلب استمرارية، وأن تنافسية الاقتصاد لا تُبنى بالقرارات الظرفية، وأن الثقة السياسية لا تستعاد بالخطب، بل بإنجازات متوالية يشعر بها المواطن.

إن جوهر الإصلاح الحقيقي لا يكمن في تغيير أسماء البرامج أو مضاعفة عدد المشاريع، بل في تغيير طريقة اشتغال الحكومة نفسها: من رد الفعل إلى التخطيط، ومن المبادرات المتفرقة إلى السياسات المتكاملة، ومن إعلان البرامج إلى ضمان تنفيذها، ومن قياس حجم النشاط إلى قياس أثره في حياة الناس.

وفي النهاية، لن يكون السؤال الذي سيحسم الحكم على حكومة المنصوري هو كم مشروعا أعلنت، أو كم اجتماعا عقدت، أو كم مؤشرا اقتصاديا حسّنت، بل ما إذا كان المواطن قد أصبح أكثر أمنا على صحته، وأكثر اطمئنانا إلى مستقبل أبنائه، وأكثر قدرة على تحمل تكاليف الحياة، وأكثر ثقة في مؤسساته.

فالدول لا تتقدم لأنها تملك أفكارا أكثر من غيرها، وإنما لأنها تمتلك القدرة على تحويل الأفكار الجيدة إلى مؤسسات وسياسات ونتائج، ثم الاستمرار فيها إلى أن تؤتي ثمارها.

ذلك هو الرهان الحقيقي أمام حكومة المنصوري: أن تجعل الدولة الاجتماعية واقعا يعاش، لا وعدا يعلن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News