سياسة

الشباب المغربي وصندوق الاقتراع: أزمة ثقة أم غياب استراتيجية حزبية؟

الشباب المغربي وصندوق الاقتراع: أزمة ثقة أم غياب استراتيجية حزبية؟

على بعد أيام قليلة من انتخابات 23 شتنبر 2026، يعود إلى الواجهة سؤال ظل يتكرر مع كل استحقاق: هل يثق الشباب المغربي في صندوق الاقتراع أم أن غياب المشاركة راجع بالأساس إلى قصور الأحزاب نفسها في مخاطبته؟

لم تعد العلاقة التي تربط الشباب المغربي، وخاصة عقب احتجاجات ما بات يعرف بـ”جيل زد”، بالسياسة مجرد نقاش موسمي ينتظر المواعيد الانتخابية، بل أصبحت تعكس تحولا عميقا في أنماط الوعي والاحتجاج والتعبير عن الرأي.

وحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، تشكل الفئة العمرية ما بين 15 و34 سنة نسبة 31 في المئة من مجموع الساكنة، وهي شريحة عريضة من المفترض أن تشكل ثقلا انتخابيا حاسما في أي استحقاق.

غير أن هذا الوزن الديمغرافي لا يترجم إلى حضور سياسي مماثل، بحيث لا تتجاوز نسبة الشباب المنخرطين في الأحزاب السياسية حسب المندوبية السامية للتخطيط 2 في المئة فقط.

وتؤكد هذه الفجوة أحدث نتائج استطلاع “الباروميتر العربي”، التي كشفت أن حوالي 70 في المئة من الشباب المغربي يعبرون عن ضعف ثقتهم في الأحزاب السياسية، مقابل ارتفاع نسبي في منسوب الثقة تجاه المبادرات المدنية والرقمية كوسائل بديلة للتعبير السياسي.

وهذا العزوف الحزبي ينعكس بدوره على التسجيل في اللوائح الانتخابية: إذ تكشف معطيات وزارة الداخلية أن نسبة الشباب المسجلين برسم انتخابات 2026 لا تتجاوز 19 في المئة في المجموع، موزعة على النحو التالي: 4 في المئة فقط بالنسبة للفئة العمرية 18-24 سنة، مقابل 15 في المئة للفئة 25-34 سنة، وهو تفاوت يكشف أن العزوف يشتد كلما اقتربنا من سن الشباب الأصغر، أي الفئة الأكثر التصاقا بالخطاب الرقمي والأبعد عن أطر التأطير الحزبي التقليدي الكلاسيكي.

ولا يمكن فصل هذه المؤشرات عن سياقها الاقتصادي: فحسب المندوبية السامية للتخطيط، بلغت نسبة البطالة سنة 2025 نحو 13 في المئة، علما أن الشباب يشكلون الفئة الأكثر تضررا منها، إذ تسجل فئة 15-24 سنة أعلى معدل بنسبة 37.2 في المئة سنة 2025 مقارنة ب36.7 في المئة سنة 2024، كما تشكل نسبة البطالة بخصوص أصحاب الشهادات 19.1 في المئة سنة 2025 مقارنة ب19.6 في المئة سنة 2024.

وتدفع هذه الأرقام والإحصائيات إلى طرح سؤال مزدوج: هل يتعلق الأمر بعزوف إرادي عن السياسة، أم بفشل الأحزاب في بناء جسور ثقة مع جيل تثقله هموم معيشية ملموسة قبل أي هم انتخابي؟

في هذا السياق، يقول الباحث والمحلل السياسي محمد شقير إن التعامل مع الشباب باعتبارهم كتلة متجانسة أمر غير دقيق، لأن الشباب يختلفون من حيث الفئات العمرية والمجالات الجغرافية والاهتمامات والتطلعات، وبالتالي، فإن الشباب لا يمثلون مجرد كتلة عمرية، بل فئة اجتماعية وسياسية متعددة التوجهات.

ويرى شقير أن مسألة المشاركة الانتخابية أصبحت تحظى باهتمام متزايد، خصوصا بعد احتجاجات “جيل زد” التي كشفت بحسبه، عن وجود فئة من الشباب لا تجد نفسها داخل التنظيمات السياسية القائمة ولا تعبر عن مطالبها من خلالها. وهو ما دفع السلطة إلى اتخاذ عدد من الإجراءات لتشجيع هذه الفئة على الانخراط السياسي، من بينها دعم ترشح الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة، وفتح فترات التسجيل في اللوائح الانتخابية أمامهم.

غير أن هذه الإجراءات، يضيف شقير، لم تحقق النتائج المنتظرة، بدليل استمرار وجود نسبة مهمة من الشباب، ولا سيما الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، خارج اللوائح الانتخابية، معتبرا أن ذلك يعكس وجود أزمة ثقة، إذ إن جزءا من الشباب لا يشعر بأن الأحزاب السياسية تعبر عن احتياجاته ومطالبه ومشاكله.

ويعزو المحلل السياسي جانبا من هذه الفجوة إلى الهوة العمرية الكبيرة بين قيادات الأحزاب والشباب، “فوجود قيادات تتجاوز أعمارها الستين عاما، في مقابل جيل شاب أكثر طموحا وتطلعا إلى التغيير، يجعل فئة من الشباب لا ترى نفسها داخل أحزاب تقودها أجيال أكبر منها بفارق واسع”.

ولا تقتصر الفجوة، حسب شقير، على الجانب العمري، بل تمتد أيضا إلى طرق التواصل. مضيفا أن “الشباب أصبحوا يعبرون عن مواقفهم ويناقشون قضاياهم ويتحركون عبر المنصات الرقمية، في حين لا يزال عدد كبير من القيادات الحزبية يعتمد أساليب تواصل تقليدية لا تواكب التحول الرقمي الذي أصبح يفرض نفسه في الحياة السياسية والاجتماعية”.

ويحذر شقير من أن استمرار هذه الهوة قد ينعكس على المشاركة الانتخابية المقبلة، خصوصا أن عزوف الشباب عن التصويت يمكن أن يؤثر في صورة ومصداقية الاستحقاقات الانتخابية.

ويكتسب هذا الأمر وفق تحليله، أهمية خاصة بالنظر إلى السياق الذي يمر فيه المغرب، في ظل التحضير لتنظيم تظاهرات دولية كبرى، في مقدمتها كأس العالم 2030، إلى جانب تنزيل عدد من الإصلاحات والاستحقاقات الوطنية، ومن بينها قضية الحكم الذاتي.

ويشير شقير في السياق ذاته، إلى أن الأحزاب تواجه مع كل استحقاق انتخابي إشكالية التزكيات، إضافة إلى ظاهرة الترحال السياسي التي تسيء إلى صورتها أمام المواطنين. مسجلا أن “استمرار ظهور الوجوه نفسها، سواء داخل الحزب ذاته أو تحت مظلة حزب آخر، يعزز لدى الشباب الإحساس بأن المشهد الحزبي لا يتغير، وهو ما قد يساهم في زيادة نفورهم من العمل السياسي”.

ويخلص شقير إلى أن الحد من العزوف السياسي لدى الشباب يمر أساسا عبر تجديد العرض السياسي للأحزاب، بما يجعله أكثر انسجاما مع واقع هذه الفئة وتطلعاتها، إلى جانب إعادة النظر في أدوات التواصل واعتماد المنصات الرقمية بشكل أكثر فعالية. فاستمرار الأحزاب في أساليب تواصل تقليدية، في ظل تغير طريقة تعبير الشباب وتفاعلهم مع الشأن العام، من شأنه أن يعمق الفجوة القائمة ويزيد من ابتعاد الشباب عن المشاركة السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News