رأي

رهانات انتخابات 2026.. من أجل تعزيز الثقة وترسيخ المسار الديمقراطي بالمغرب

رهانات انتخابات 2026.. من أجل تعزيز الثقة وترسيخ المسار الديمقراطي بالمغرب

تقترب انتخابات 23 شتنبر 2026 بوصفها محطة عادية في التقويم الدستوري للمملكة: تجديد 395 مقعدا في مجلس النواب، وفق مسار قانوني ومؤسساتي معروف. لكن الاختزال في هذا البعد الإجرائي يُغفل ما هو أعمق: هذه الانتخابات ستنعقد في سياق وطني محكوم بجملة من الرهانات البنيوية، التي لا تنتظر نتائج صناديق الاقتراع لتطرح نفسها، بل هي قائمة اليوم، موثقة بالأرقام، وتفرض نفسها على أي فاعل حزبي جاد.

هذه الرهانات ليست تفاصيل تقنية يمكن للأحزاب أن تتجاوزها ببرامج انتخابية عامة أو خطابات ظرفية. إنها، بمعنى ما، الاختبار الحقيقي الذي ستُقاس على أساسه مصداقية الطبقة السياسية المغربية بأكملها: قدرتها على تحويل انتظارات مواطنين – شباب بلا أفق، مواطنين يترقبون أثر الأوراش الكبرى في حياتهم اليومية …. – إلى التزامات ملموسة وقابلة للتتبع والمحاسبة.

الغاية من هذه الورقة ليست الحكم المسبق على أي حزب أو فاعل سياسي، بل التذكير بالرهانات التي ينبغي أن تحتل صدارة أي برنامج انتخابي جاد، إذا كان الهدف فعلا هو تعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ المسار الديمقراطي للبلاد، لا فقط الفوز بمقاعد إضافية. وأول هذه الرهانات يتعلق بالسياق الذي تنعقد فيه هذه الانتخابات.

لا يمكن فهم هذا السياق بمعزل عن الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس مساء 29 يوليوز 2026 بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش. الخطاب أكد على حصيلة اقتصادية إيجابية – نمو بلغ 4,9 بالمائة سنة 2025 مع توقعات مماثلة أو أفضل لسنة 2026. ودعا إلى تعزيز الثقة والتعبئة لمواصلة “الدينامية الإصلاحية” التي عرفتها البلاد. هذا الخطاب ليس خلفية للاستحقاق الانتخابي، بل هو إطار مرجعي تلتزم الحكومة والمؤسسات المنتخبة، بترجمته إلى سياسات عمومية. وعليه، فإن أول اختبار لمصداقية الأحزاب المتنافسة هو قدرتها على تقديم قراءة واضحة لهذه التوجهات الملكية، وترجمتها إلى التزامات دقيقة، بدل الاكتفاء باستحضارها في الخطاب الانتخابي كمرجعية عامة دون مضمون عملي.

إن الرهان الأول لهذه الاستحقاقات الذي يواجهه الفاعل الحزبي فعليا على أرض الواقع هو رهان المشاركة. فالمشاركة الانتخابية ليست مسألة تعبوية ظرفية، بل مؤشر بنيوي على صحة العلاقة بين المواطن والمؤسسات. والأرقام هنا واضحة. ومع اقتراب استحقاق 2026، أفضت عملية المراجعة الاستثنائية للوائح، إلى تسجيل نحو 15,8 مليون ناخبة وناخب. هذا الرقم، لا يجيب عن السؤال الجوهري: هل التسجيل في اللائحة يترجم فعلا ثقة متجددة في جدوى التصويت، أم أنه مجرد التزام إداري يخفي عزوفا أعمق؟ على الأحزاب أن تدرك أن معركة المشاركة لا تُكسب بخطاب تعبوي في الأسابيع الأخيرة قبل الاقتراع، بل ببرامج تلامس فعلا الانشغالات اليومية للمواطنين طيلة الولاية، بما يعيد لصندوق الاقتراع معناه كأداة تغيير حقيقية لا كطقس دوري فارغ.

وإذا كانت أزمة المشاركة تهم عموم المغاربة، فإنها تتخذ حدة استثنائية لدى فئة بعينها، هي في الآن نفسه الأكثر عددا والأقل حضورا في صناديق الاقتراع: الشباب. فحسب المعطيات الرسمية للتركيبة العمرية للهيئة الناخبة، لا يمثل الشباب من فئة 18-43 سنة سوى 19% من الناخبين المسجلين، مقابل 29 بالمائة لفئة 60 سنة فما فوق – في حين يشكل الشباب دون الثلاثين سنة، حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، ما يقارب %47,9 من سكان المملكة. هذا العزوف الانتخابي يتقاطع مع أزمة اقتصادية حقيقية: معدل البطالة في صفوف الشباب من 15 إلى 24 سنة بلغ 29,2 بالمائة على الصعيد الوطني خلال الفصل الأول من 2026 (38 بالمائة في الوسط الحضري)، فيما لا يتجاوز معدل التشغيل بأجر لدى هذه الفئة 16,6 بالمائة. وحسب تقرير المندوبية السامية للتخطيط (أبريل 2026)، يوجد 2,9 مليون شاب بين 15 و29 سنة لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون تكوينا (فئة NEET)، أي 33 بالمائة من هذه الفئة العمرية، ضعف المعدل العالمي البالغ 23 بالمائة تقريبا.

هذا المناخ من الإحباط وجد تعبيرا مأساويا في نهاية يوليوز ومطلع غشت 2026، حين شهدت نقط العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين تحركات جماعية بلغت، أزيد من 41 ألف شخص (نحو 40 ألف باتجاه سبتة و1135 باتجاه مليلية)، أسفرت عن وفيات وإصابات. على المستوى الرسمي، تم ربط هذه التحركات بعوامل من بينها التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر… وهي قراءة مشروعة لا تلغي، مع ذلك، السؤال البنيوي الذي تطرحه الأرقام الاقتصادية السابقة. على الأحزاب أن تنتقل من الخطاب العام حول “دعم الشباب” إلى التزامات قابلة للقياس: برامج إدماج مهني محددة الأهداف والآجال لفئة NEET،العمل على رفع نسبة النشاط الاقتصادي للنساء، ومقاربات جدية لمعالجة الهجرة غير النظامية من جذورها الاقتصادية والاجتماعية لا فقط من بعدها الأمني.

وإلى جانب هذا التحدي الجيلي المباشر، يواجه المغرب ملفا لا يقل إلحاحا، وإن بدا في الظاهر أبعد زمنيا وأكثر تقنية: مستقبل أنظمة التقاعد. فبحسب معطيات رسمية ، يسجل الصندوق المغربي للتقاعد عجزا يقدر بنحو 7,8 مليار درهم، مع أفق استدامة لا يتجاوز سنة 2028، أي التاريخ الذي ستنفد فيه احتياطياته البالغة نحو 70 مليار درهم – ليحتاج بعدها إلى ما يقارب 14 مليار درهم سنويا لتغطية العجز. أنظمة أخرى، كالنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تسجل بدورها عجوزات تقنية، وإن كانت آفاق استدامتها أبعد زمنيا. هذا الملف يمس مباشرة عقدا اجتماعيا بين الأجيال: كل تأجيل إضافي للإصلاح يُثقل كاهل الأجيال القادمة، وكل إصلاح مرتجل دون حوار اجتماعي حقيقي يهدد الاستقرار الاجتماعي ويضرب الثقة في المؤسسات. على الأحزاب أن تخرج من منطق “الوعد بعدم المساس بالحقوق المكتسبة” الفضفاض، وأن تقدم بدلا منه رؤية واضحة لكيفية ضمان استدامة الأنظمة دون التضحية بعدالة توزيع الجهد بين الأجيال والفئات.

وإذا كان ملف التقاعد يختبر قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها القائمة تجاه المتقاعدين، فإن ملفا آخر يختبر قدرتها على الوفاء بوعودها الإصلاحية الكبرى: تنزيل النموذج التنموي الجديد. فقد أطلق المغرب، منذ خطاب أكتوبر 2017، ورشا لإعادة النظر في نموذجه التنموي، تُوج بتقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، ومنظور استراتيجي يمتد إلى أفق 2035، يرتكز على رأس المال البشري، والإدماج الاقتصادي والاجتماعي، والحد من الفوارق. لكن الانتقال من التصور الاستراتيجي إلى نتائج ملموسة يظل الحلقة الأضعف في أي إصلاح كبير بالمغرب. والمطلوب من الأحزاب اليوم ليس إعادة إنتاج الخطاب العام حول “النموذج التنموي الجديد” في برامجها الانتخابية، بل تقديم قراءة نقدية لما تحقق فعلا من مخرجاته منذ 2021، وما تبقى معلقا، مع التزامات دقيقة حول آليات التتبع والتقييم بما يضمن أن تكون الولاية التشريعية المقبلة محطة لتسريع التنزيل، لا محطة أخرى لتجديد الخطاب حول الإصلاح دون إصلاح فعلي.

وفي قلب كل هذه الملفات، من المشاركة إلى التقاعد إلى النموذج التنموي، يطرح سؤال واحد نفسه بإلحاح: هل يثق المغاربة في أن الوعود ستتحول فعلا إلى نتائج؟ وهذا ما يعيدنا مباشرة إلى مسألة الثقة في المؤسسات وتخليق الحياة العامة. فلا يمكن الحديث عن تعزيز هذه الثقة دون الحديث عن الشفافية، والمساءلة، ومحاربة تضارب المصالح، ومحاربة الفساد، ومصداقية الالتزامات الانتخابية. فالثقة، كما يكشف تراجع نسب التسجيل والمشاركة الموثق أعلاه، لا تُبنى بالخطاب، بل بالتطابق التدريجي والملموس بين الوعد والنتيجة. على الأحزاب أن تلتزم بآليات واضحة للمساءلة الذاتية: نشر برامجها بمؤشرات قابلة للقياس، الالتزام بتقييم دوري ومعلن لتنفيذ برامجها في حال وصولها إلى المسؤولية، وتجديد النخب السياسية بما يفتح المجال أمام كفاءات وأصوات جديدة، خاصة من فئة الشباب الغائبة اليوم عن مواقع القرار كما هي غائبة عن اللوائح الانتخابية.

وإلى جانب هذه الأوراش ذات الطابع الاجتماعي والمؤسساتي بامتياز، ورش آخر مهم يفرض نفسه ، لا يقل دلالة من الناحية السياسية: استضافة المغرب لكأس العالم 2030، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال. فهذا الحدث يمثل فرصة اقتصادية استثنائية، لكنه في الآن نفسه اختبار لقدرة البلاد على تحويل حدث رياضي إلى إرث تنموي مستدام. يعتمد المغرب برنامجا استثماريا ضخما لتوسعة وتحديث شبكات السكك الحديدية والطرق والمطارات والملاعب والبنية التحتية الحضرية… هذه البرامج تفتح سؤالا سياسيا بامتياز: هل ستستفيد من هذا الزخم بالدرجة نفسها كل مناطق المملكة، أم ستتركز الاستثمارات في المدن المستضيفة فقط؟ وهل سيرافق هذا الاستثمار في البنيات التحتية استثمار مواز في رأس المال البشري والتشغيل المحلي، بما يضمن أثرا اجتماعيا يتجاوز سنة التنظيم نفسها؟ على الأحزاب أن تطرح هذه الأسئلة بوضوح في برامجها، بدل الاكتفاء بالاحتفاء العام بالحدث الرياضي.

هذه الرهانات ليست قائمة شاملة لكل ما يعيشه المغرب اليوم، لكنها تشكل، مجتمعة، الحد الأدنى الذي ينبغي أن يتضمنه أي برنامج انتخابي جاد.

الرهان الحقيقي لانتخابات 2026 ليس فقط في عدد المقاعد التي سيحصل عليها هذا الحزب أو ذاك، بل في قدرة الطبقة السياسية المغربية، بمختلف مكوناتها، على الاستجابة لهذه الرهانات بمصداقية وشفافية بما يعيد بناء الجسر بين المواطن والمؤسسات، وخاصة الأجيال الشابة التي تنتظر اليوم أكثر من أي وقت مضى إشارات واضحة على أن صوتها يُسمع وأن مستقبلها يُؤخذ بعين الاعتبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News