لشكر يرفع شعار “التنمية العادلة” ويلتزم بتشديد التنافي بين المسؤولية والمصالح

قال إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إن الحزب لا يتقدم إلى المغاربة في برنامجه الانتخابي بـ”وعود عابرة”، وإنما بـ”تعاقد سياسي واضح” يقوم على مقترحات قابلة للتنفيذ، وأهداف قابلة للقياس، والتزامات قابلة للمحاسبة، مفيدا أن الحزب يخوض الاستحقاقات القادمة تحت شعار “التنمية العادلة” التي تعبر عن جوهر البديل الاتحادي الذي يقترحه حزب “الوردة”.
وأوضح لشكر، اليوم الخميس بالرباط، في كلمة خلال لقاء تقديم البرنامج، أن الاتحاد الاشتراكي “لا يتقدم إلى المغاربة بوعود عابرة، ولا يغير لغته بتغير المواقع والمواسم”، مشيرا إلى أن الحزب يتبنى “مرجعية اشتراكية ديمقراطية واضحة، تعتبر أن السياسة ليست تقنية للوصول إلى السلطة، بل التزاما أخلاقيا تجاه المجتمع”.
وأفاد لشكر أن البرنامج الانتخابي “ليس تجميعا ظرفيا لمطالب متفرقة”، بل هو “ترجمة لهوية الاتحاد الاشتراكي: الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي والديمقراطية المؤسساتية”. وشدد على أنه “لا تنمية بلا حريات، ولا استثمار بلا أمن قانوني، ولا ثقة بلا قضاء مستقل”، داعيا إلى إقامة “دولة الحق والقانون كاملة غير منقوصة”، من خلال قضاء مستقل ونزيه وفي متناول المواطن، وضمان حرية الصحافة والتعبير والتنظيم والتظاهر السلمي.
وأكد لشكر أن مقترحات الحزب لم تكتب “في عزلة المكاتب”، ولم تُفصل على مقاس ما “يشتهيه السياسي لاستمالة الأصوات”، وإنما بنيت على “الإنصات إلى نبض المجتمع”، مضيفا: “نحن لا نعد المواطن بما يطربه لحظة ثم يثقله خيبة لسنوات؛ بل نقترح ما يحتاج إليه، وما تستطيع الدولة إنجازه، وما يمكن للمجتمع أن يلمس أثره”، مشيرا إلى أن الهدف هو “تقليص المسافة بين القرار العمومي والحياة اليومية للمغاربة”.
“التنمية العادلة”
واختار الاتحاد الاشتراكي شعار “التنمية العادلة” لبرنامجه الانتخابي، وهو اختيار ربطه لشكر بما راكمه المغرب من إنجازات وأوراش كبرى، مقابل استمرار تفاوت الاستفادة من ثمارها. ومن هنا، يرى لشكر أن السؤال الذي تطرحه المرحلة لم يعد فقط “هل ننمو؟”، وإنما “من ينمو معنا، ومن بقي على الهامش؟”.
وأوضح أن “التنمية العادلة” تعني أولا التنمية الاجتماعية، التي تجعل من “التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية حقوقا قابلة للمطالبة لا وعودا مؤجلة”، وتربط النمو بتحسن الدخل، وتقيس نجاح السياسات بما “يصل إلى جيب المواطن لا بما يعلن في النشرات”.
كما تعني، وفق لشكر، تنمية مجالية لا يكون فيها “الرمز البريدي للمواطن محددا لمستوى تعليمه أو علاجه أو فرصته في الشغل والحياة الكريمة”. وقال في هذا السياق: “لا يكفي أن نوزع الموارد بالتساوي بين أوضاع غير متساوية؛ بل يجب أن نجعل الاستثمار العمومي أداة لتقليص الفوارق لا لتكريسها”.
وأكد أن التنمية العادلة تشمل مختلف الفئات والأجيال، من الأطفال والشباب والنساء إلى المسنين والمتقاعدين والأشخاص في وضعية إعاقة، مشددا على أن “التنمية التي تنسى فئة واحدة ليست تنمية عادلة، مهما بلغت أرقامها”.
وتوقف الكاتب الأول عند وضعية المسنين والمتقاعدين، مؤكدا: “لا نقبل أن يبخس حق من خدموا بلادنا ومجتمعنا، وأفنوا أعمارهم في الإدارة والمصنع والحقل والمدرسة والبيت ومختلف مواقع الإنتاج والعطاء”. داعيا إلى إجراءات تحفظ قدرتهم الشرائية وتضمن ولوجهم الكريم إلى العلاج والرعاية والحماية الاجتماعية، وتصون مشاركتهم في الحياة العامة، معتبرا أن “تأجيل إصلاح أنظمة التقاعد ليس حيادا، إنه اختيار بتحميل الكلفة لأبنائنا”.
وبخصوص قضايا النساء، أكد لشكر أن الحزب يعتبر المرأة “مواطنة كاملة لا موضوعا انتخابيا”، منتقدا ما وصفه باستدعاء قضايا النساء في الخطابات والوعود ثم تأجيل حقوقهن عند لحظة القرار. وقال: “النساء ليسن رقما لتزيين اللوائح، ولا صورة لتحسين الخطاب”، مضيفا أن حزبه سيواصل هذه المعركة “حتى تنتقل المساواة من النص إلى الواقع، ومن التمثيلية الشكلية إلى المشاركة المؤثرة”،، معتبرا أن “التمكين الاقتصادي للنساء ليس مسألة إنصاف فحسب – إنه شرط التحرر، لأن من تملك دخلها تملك قرارها”.
التوازن المؤسساتي ومواجهة “التغول”
وفي الجانب المؤسساتي، شدد لشكر على أن أساس رؤية الاتحاد هو “التوازن المؤسساتي”، محذرا من تضخم مؤسسة على حساب أخرى، أو امتزاج سلطة المال بسلطة القرار، أو تحول الأغلبية العددية إلى “استحواذ سياسي”، مشددا: “نحن ضد التغول، أيا كان مصدره أو مجاله أو موقعه”، معتبرا أن “الدولة القوية ليست دولة المؤسسة الواحدة، بل دولة المؤسسات المتوازنة والمتعاونة، التي يضبط بعضها بعضا”.
وأضاف أن “المغرب الصاعد لن يُبنى بفاعلين أقوى من المؤسسات، بل بمؤسسات أقوى من الأشخاص والمصالح والظرفيات”، منتقدا تداخل المصالح الاقتصادية مع القرار العمومي بالقول: “لقد ضاقت المسافة أكثر مما ينبغي، بين من يضع القاعدة ومن يستفيد منها”، مضيفا: “وحين لا تفصل المصالح عن القرار، يصبح الريع نتيجة طبيعية لا انحرافا”. وأكد أن الحزب لا يطلب “محاسبة النوايا”، ولا يتهم أشخاصا بأعينهم، وإنما “نطلب تغيير القواعد”.
وحدد لشكر عددا من الالتزامات المؤسساتية التي يقترحها الحزب، من بينها “تناف صارم بين المسؤولية العمومية والمصلحة الاقتصادية المرتبطة بقرارها”، وتصريح علني بالممتلكات قابل للتدقيق، ومجلس منافسة مستقل فعليا وقادر على التصدي التلقائي ونشر قراراته.
كما اقترح تقييما علنيا ودوريا لكل إعفاء ضريبي، بحيث يكون “كل إعفاء مؤقتا وقابلا للسحب لا امتيازا دائما”، إلى جانب “شفافية كاملة في الصفقات العمومية”. وشدد على أن الحزب مستعد لتطبيق هذه المبادئ على مرشحيه، قائلا: “نلتزم أمامكم اليوم، دون انتظار قانون يفرضه علينا، بأن يوقع كل مرشح باسم الاتحاد الاشتراكي تعهدا بعدم الجمع بين المسؤولية العمومية والمصلحة الاقتصادية المرتبطة بها”.
كما أعلن أن كل جماعة يسيرها الحزب ستكون مطالبة بالوفاء بالالتزامات المتعاقد عليها في الولاية السابقة، “مهما كان لون من تعاقد عليها”، مضيفا: “نقبل أن نحاسب على ذلك علنا، وأن يذكرنا به خصومنا قبل أنصارنا”.
وفي تصور الاتحاد الاشتراكي للمغرب الصاعد، قال لشكر إن الطموح الوطني “لا يمكن أن يقوم على المؤشرات الاقتصادية وحدها، مهما كانت أهميتها، بل على قوة المؤسسات، وجودة الديمقراطية، وثقة المواطن في القانون”. وأضاف: “المشاريع الكبرى تحتاج إلى مؤسسات كبرى في كفاءتها ونزاهتها وقدرتها على الاستمرار، والاستثمار يحتاج إلى الأمن القانوني؛ والتنمية تحتاج إلى إدارة فعالة، والاستقرار يحتاج إلى عدالة اجتماعية، والسيادة تحتاج إلى جبهة داخلية واثقة ومتماسكة”.
من “بلاغة النوايا” إلى “تعاقد النتائج”
وأكد لشكر أن مقترحات الحزب “قابلة للتنفيذ، ومسنودة بآليات واضحة، وآجال معقولة ومؤشرات دقيقة للقياس”، داعيا إلى الانتقال من “بلاغة النوايا إلى تعاقد النتائج”. وقال إن المطلوب هو الانتقال “من الإعلان عن الميزانيات إلى قياس أثرها، ومن تعداد المشاريع إلى معرفة من استفاد منها وكيف تغيرت حياته”.
وأضاف: “ليست الغاية أن تقول الحكومة إنها أنفقت، ولكن أن يشعر المواطن بأن السياسة العمومية أنصفته؛ وليست العبرة بكثرة البرامج، بل بقدرتها على إنتاج الشغل، وتحسين الخدمات، وحماية القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق”. وأكد أن الاتحاد يريد أن يجعل برنامجه “عقدا سياسيا قابلا للتقييم”، وأن يجعل “المحاسبة حقا للمواطن لا منة من المسؤول”.
وقال لشكر: “لا نطلب ثقة المغاربة على بياض، بل نقدم لهم تعاقدا سياسيا واضحا؛ مقترحات قابلة للتنفيذ، وأهدافا قابلة للقياس، والتزامات قابلة للمحاسبة”. وأضاف: “لا نبيع الأمل، ولكن نبني شروطه، ولا نغازل آلام المواطن وإنما نحولها إلى أولويات عمومية”.
وشدد على أن جوهر البديل الاتحادي هو أن “نعيد للسياسة معناها، وللمؤسسات توازنها، وللتنمية عدالتها وإنصافها، وللمواطن مكانه الطبيعي في قلب القرار العمومي”، وفق منهج اعتبر أن قوامه “التنمية العادلة”.





