“المشاركة المتحفظة”.. حين يصبح الموقف النقابي بحاجة إلى تفسير

ليس من حق أحد أن يلوم النقابة الوطنية للصحافة المغربية لأنها قررت المشاركة في انتخابات المجلس الوطني للصحافة. فالمشاركة، مثل المقاطعة، خيار سياسي ونقابي مشروع، ويمكن الدفاع عنه بحجج تتعلق بالحضور والتمثيلية والتأثير من داخل المؤسسات.
لكن المشكلة تبدأ عندما يأتي قرار المشاركة بعد أيام قليلة من بلاغ للتنسيق النقابي الذي رسم صورة شديدة السواد للمسار الانتخابي، ووضع سلامة الهيئة الناخبة ونزاهة الاستحقاق وشرعية المؤسسة المقبلة موضع سؤال جوهري.
ففي 19 غشت، لم يكتف التنسيق النقابي، والنقابة الوطنية عضو فاعل فيه، بتسجيل ملاحظات تقنية على اللوائح، بل قال إن ما يجري «يتجاوز بكثير حدود النقاش حول اللوائح أو الآجال والإجراءات»، ويمس «شروط نزاهة الاستحقاق الانتخابي ومصداقيته، وشرعية المؤسسة التي ستنبثق عنه». كما تحدث عن «مخطط تهريب وسرقة التنظيم الذاتي للمهنة»، وأعلن مواصلة المواجهة ميدانياً ومؤسساتياً وقضائياً وبعد ثلاثة أيام فقط، اختارت النقابة الوطنية المشاركة، مع الاحتفاظ باعتراضاتها السابقة.
هنا تحديداً لا يكون السؤال: لماذا شاركت النقابة؟ بل يصبح السؤال الأكثر دقة: ما الذي يجعل المشاركة، في نظرها، أداة لمواجهة مسار تصفه بأنه فاقد لشروط النزاهة والمصداقية، وليس مساهمة موضوعية في استكمال هذا المسار؟
هذا هو السؤال الذي يستحق النقاش.
من «إسقاط المخطط» إلى خوض الانتخابات
بلاغ 19 غشت مكتوب بلغة تعبئة نضالية لا تترك كثيراً من المساحات الرمادية.
فالتنسيق يتحدث عن رفض «مطلق» لمنهجية اللجنة المؤقتة، وعن «انتهاك صارخ» و«تجاوز فاضح» و«إقصاء» و«معايير ملتبسة وانتقائية»، ويعتبر أن الاختلالات ليست أخطاء تقنية أو حالات معزولة، وإنما جزء من مسار يهدد شرعية المؤسسة ومستقبل التنظيم الذاتي للمهنة.
بل إن خاتمة البلاغ تدعو الصحافيين والناشرين إلى «التعبئة الجماعية» لمواجهة ما تسميه “مخطط تهريب وسرقة التنظيم الذاتي”.
في مثل هذا السياق، كان من الطبيعي أن يتوقع جزء من الجسم الصحافي أن تتجه المعركة إلى الضغط من أجل وقف المسار الانتخابي أو تصحيحه قبل خوضه.
لكن النقابة الوطنية اختارت اتجاهاً آخر.
ففي 22 غشت، أعلن مجلسها الوطني الفدرالي أن المشاركة ستكون «متحفظة ونضالية»، مؤكداً، حسب ما تناقلته المصادر الإعلامية، أنها لا تعني تزكية المسار ولا قبول شروطه ومخرجاته. وقال إن المقاطعة ليست حلاً، وإن المشاركة خيار «نضالي وتكتيكي» تفرضه ضرورة الحفاظ على حضور النقابة داخل مؤسسات التنظيم الذاتي للمهنة.
وهنا تظهر أول مشكلة في الخطاب: الانتقال من خطاب إسقاط المسار إلى خطاب المشاركة فيه لم يرافقه تحول مماثل في تشخيص الواقع.
فالاعتراضات، وفق النقابة نفسها، لم تختف. والاختلالات، وفق النقابة نفسها، لم تُصحح. والشفافية وتكافؤ الفرص، وفق البيان نفسه، ما زالا موضع تحفظ.
وإذا بقي التشخيص نفسه، فما الذي تغير في الاستراتيجية؟
“المشاركة المتحفظة”… مصطلح يحتاج إلى مضمون
من حق النقابة أن تبتكر صيغة سياسية خاصة بها، لكن المصطلحات السياسية لا تصبح استراتيجية بمجرد تسميتها.
“المشاركة المتحفظة” تعبير جذاب، لكنه يحتاج إلى إجابات عملية.
ماذا تعني تحديداً؟
هل تعني المشاركة في الترشيح دون اعتبار العملية نزيهة؟
هل تعني المشاركة في الانتخابات مع الاحتفاظ بحق الطعن في نتائجها؟
هل تعني المشاركة بهدف الحصول على تمثيلية داخل المجلس ثم العمل على تغيير قواعد اشتغاله؟
هل تعني أن النقابة ستقبل نتائج الانتخابات أياً كانت، أم أنها ستطعن في شرعية بعض مخرجاتها إذا ثبتت الاختلالات التي سبق أن حذرت منها؟
وهل توجد اختلالات تعتبرها النقابة «خطاً أحمر» يمكن أن يبرر الانسحاب؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً لغوياً. فحين تستخدم النقابة وصفاً جديداً لموقف جديد، يصبح من حق القاعدة المهنية أن تعرف المضمون العملي لهذا الوصف. وإلا تحولت «المشاركة المتحفظة» إلى منطقة وسطى تسمح بالجمع بين موقفين متعارضين: الاعتراض على المسار من جهة، والانخراط فيه من جهة أخرى، من دون تحديد واضح للحدود التي تفصل بين الاعتراض والمشاركة.
لكن هل المشاركة فعلاً تعني التزكية؟
هنا ينبغي أن نكون منصفين.
ليس صحيحاً أن كل مشاركة في انتخابات تعني بالضرورة تزكية شروطها.
يمكن لفاعل نقابي أو سياسي أن يدخل انتخابات معترضاً على قانونها أو بعض قواعدها، بهدف الحفاظ على تمثيليته أو منع خصومه من الاستفراد بالمؤسسة.
وهذا بالضبط هو المنطق الذي تقدمه النقابة الوطنية: عدم ترك الفراغ أمام من قد يحاول “اختطاف المؤسسة أو تحويلها إلى مجال للهيمنة أو الاستفراد أو تكريس الأمر الواقع”.
الحجة، من حيث المبدأ، قابلة للنقاش. لكنها تحتاج إلى إثبات.
فالسؤال ليس ما إذا كانت المشاركة تعبّر عن نية التزكية؛ بل ما إذا كان لها أثر موضوعي في منح العملية الانتخابية قدراً من الشرعية.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: نية الفاعل شيء، والأثر المؤسسي لمشاركته شيء آخر.
فكلما اتسعت المشاركة وتعددت القوائم والمرشحون، أصبح من الممكن تقديم الانتخابات باعتبارها استحقاقاً مهنياً شاركت فيه القوى الرئيسية داخل الجسم الصحافي.
ولهذا فإن القول إن «المشاركة لا تعني التزكية» لا يغلق قوس النقاش، وإنما يفتحه.
المشكلة الأعمق: سلامة الهيئة الناخبة
ربما تكون أهم مفارقة في الموقف كله كامنة في هذه النقطة.
فالتنسيق النقابي قال إن “جوهر الإشكال اليوم يكمن في سلامة الهيئة الناخبة نفسها”، وساق مجموعة من الاعتراضات المتعلقة بإقصاء صحافيين، وإدراج أسماء متوفين وموظفين، وإقصاء تقنيين، وعدم وضوح معايير تسجيل بعض الناشرين، وعدم نشر لوائح الناشرين كاملة.
إذا كانت هذه الاعتراضات صحيحة وجوهرية، فإنها لا تتعلق بطريقة اشتغال المجلس بعد انتخابه، وإنما بالقاعدة التي سينتخب على أساسها المجلس أصلاً.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: هل يمكن إصلاح مؤسسة من الداخل إذا كان الاعتراض الأساسي يتعلق بقواعد إنتاجها؟
هناك فرق كبير بين القول: المؤسسة المنتخبة شرعية، لكن بعض قراراتها قد تكون خاطئة. والقول: شروط انتخاب المؤسسة نفسها تثير شكوكا في نزاهتها ومصداقيتها.
في الحالة الأولى، تبدو المشاركة والإصلاح من الداخل استراتيجية منطقية. أما في الحالة الثانية، فإن الأولوية المنطقية قد تكون تصحيح شروط الانتخاب قبل الدخول في المعركة المؤسسية.
ولا يعني ذلك أن المقاطعة هي الخيار الوحيد أو الصحيح بالضرورة، وإنما يعني أن النقابة مطالبة بشرح لماذا انتقلت من منطق الحالة الثانية إلى استراتيجية الحالة الأولى، بينما تقول إن عناصر الحالة الثانية ما زالت قائمة.
“المقاطعة ليست حلاً”… لكنها ليست حجة مكتملة
تقول النقابة إن المقاطعة ليست حلاً. لكن هذه العبارة لا تكفي وحدها لإقناع الجسم المهني.
كان يمكن مثلاً أن تقول:
إن المقاطعة ستترك المجال أمام قوى أخرى لتشكيل المجلس.
أو إن المقاطعة لن توقف الانتخابات قانونياً.
أو إن المشاركة ستتيح الاحتفاظ بتمثيلية تاريخية داخل المؤسسة.
أو إن وجود نقابيين داخل المجلس سيوفر إمكانية الدفاع عن استقلالية التنظيم الذاتي من الداخل.
هذه كلها حجج يمكن مناقشتها وقبول بعضها ورفض بعضها الآخر.
أما الانتقال مباشرة من «المقاطعة ليست حلاً» إلى «المشاركة هي الخيار النضالي» فيترك فجوة حجاجية ينبغي ملؤها.
السؤال الذي كان ينبغي أن يجيب عنه بيان النقابة الوطنية هو: ما هي نظرية التغيير التي تجعل المشاركة أكثر فعالية من المقاطعة؟
أزمة التنسيق أكبر من قرار النقابة
لكن المسألة لا تتعلق بالنقابة الوطنية وحدها.
التنسيق النقابي الذي أصدر بلاغ 19 غشت يضم عدداً من الهيئات النقابية والمهنية، وقد بنى خلال الأشهر الماضية خطاباً مشتركاً حول الدفاع عن استقلالية المهنة والتنظيم الذاتي. والبلاغ الأخير نفسه يشدد على «الوحدة» ويدعو إلى «توحيد الصفوف» و”التعبئة الجماعية”.
لكن لحظة الانتخابات هي اللحظة التي يفترض أن تتحول فيها الوحدة من شعار إلى استراتيجية.
إذا اتفقت المكونات على تشخيص خطير للمسار، ثم انتقلت إلى خيارات مختلفة في التعامل معه، فإن السؤال يصبح: هل ما زال التنسيق إطاراً لصناعة موقف مشترك، أم أصبح إطاراً لتبادل الاعتراضات مع احتفاظ كل مكون بحريته في اتخاذ القرار العملي؟
ليس في ذلك عيب بالضرورة. فالتعدد داخل التنسيق أمر طبيعي. لكن ينبغي أن يسمى باسمه. فالوحدة في التشخيص ليست هي الوحدة في القرار. والوحدة في إصدار البيانات ليست هي الوحدة في إدارة المعركة.
المطلوب ليس المقاطعة… بل الوضوح
قد يكون قرار المشاركة هو القرار الأكثر واقعية. وقد تكون المقاطعة، في المقابل، أكثر جذرية لكنها أقل فاعلية. لا يمكن حسم ذلك بالشعارات.
لكن ما يمكن حسمه هو أن الجسم الصحافي يحتاج إلى موقف واضح وقابل للمساءلة.
إذا كانت المشاركة استراتيجية نضالية، فما أهدافها؟
إذا كانت وسيلة لتغيير المؤسسة من الداخل، فما هي أدوات ذلك؟
إذا كانت النقابة لا تعتبر الانتخابات تزكية، فما الذي ستفعله إذا لم تتم معالجة الاختلالات؟
إذا كانت ستطعن في المسار، فما هي الحدود التي عندها يتحول الطعن إلى رفض للنتائج؟
وإذا كانت تعتبر أن سلامة الهيئة الناخبة شرط جوهري، فما موقفها من انتخابات تجري على أساس هيئة ترى هي نفسها أنها مختلة؟
هذه ليست أسئلة موجهة ضد النقابة، وإنما أسئلة ضرورية لأي تنظيم يطالب الجسم الصحافي بالتعبئة خلفه.
المعركة الحقيقية هي معركة الاتساق
في السياسة النقابية، لا تكمن قوة الموقف في ارتفاع نبرة البيان، وإنما في الاتساق بين التشخيص والأداة والهدف والنتيجة.
يمكن أن تقول النقابة: “نحن نرفض المسار، لكننا سندخل الانتخابات لمحاصرته من الداخل”. هذا موقف مفهوم.
ويمكن أن تقول: “نعتبر الانتخابات غير قابلة للتصحيح في وضعها الحالي، ولذلك سنقاطعها ونطعن فيها”. وهذا أيضاً موقف مفهوم.
لكن الصعب هو أن تظل لغة التشخيص في أقصى درجات الرفض، بينما تصبح الممارسة في اتجاه المشاركة، من دون شرح كافٍ للمسافة بين الاثنين.
وهنا بالضبط تكمن مشكلة «المشاركة المتحفظة»: ليس لأنها مشاركة، وإنما لأنها لم تتحول بعد إلى استراتيجية واضحة يستطيع الصحافي العادي أن يفهم من خلالها ماذا تريد النقابة أن تحقق، ومتى تعتبر أنها نجحت، ومتى ستعتبر أن المسار تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها بنفسها.
سؤال أخير للتنسيق
قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: هل تشارك النقابة أم تقاطع؟ فالسؤال الأهم هو: ماذا تريد الهيئات النقابية والمهنية أن يحدث بعد الانتخابات؟
هل تريد فقط الحصول على مقاعد داخل المجلس؟
أم تريد إسقاط القانون وإعادة بنائه؟
أم تريد تعديل قواعد الهيئة الناخبة؟
أم تريد إعادة تعريف علاقة الدولة بالتنظيم الذاتي؟
أم تريد كل ذلك في وقت واحد؟
لأن تعدد الأهداف دون ترتيبها يجعل الوسائل متضاربة.
أما إذا كان الهدف هو الحفاظ على التنظيم الذاتي المستقل والديمقراطي، فإن المطلوب ليس فقط الفوز بمقاعد في مجلس الصحافة، وإنما أيضاً تقديم تصور واضح لكيفية الانتقال من الاحتجاج على قواعد اللعبة إلى تغيير قواعد اللعبة نفسها.
وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي ستواجهه النقابة والتنسيق بعد الانتخابات.
فالمشاركة يمكن أن تكون فعلاً “معركة من الداخل”. لكن لكي تكون كذلك، ينبغي أن يعرف الجسم الصحافي أولاً: ما هي المعركة؟ وما هي أهدافها؟ وما هي حدودها؟ وما الذي سيجعلها ناجحة؟
أما ترك هذه الأسئلة معلقة، فيجعل «المشاركة المتحفظة» أقرب إلى توصيف سياسي للغموض منها إلى استراتيجية نضالية واضحة.
وفي قضية بحجم مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة، لا يكفي أن تكون المواقف عالية السقف؛ المطلوب أن تكون أيضاً واضحة الاتجاه.





