الزواج في المغرب .. حلم مؤجل عند الشباب

في كل عائلة مغربية تقريبا، هناك شاب تجاوز الثلاثين ولم يتزوج بعد، أو فتاة تسمع كل عيد نفس السؤال من عمتها: “واش مازال؟”. لم يعد هذا استثناء. أصبح هو القاعدة.
الأرقام الرسمية تؤكد ما يلاحظه الجميع في الشارع. البحث الوطني حول الأسرة لسنة 2025، الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، كشف أن متوسط سن الزواج الأول ارتفع إلى 33 سنة تقريبا عند الرجال، وأكثر من 26 سنة عند النساء. قبل جيل واحد فقط، كان كثير من المغاربة يتزوجون قبل بلوغ الثلاثين بسنوات. ونسبة من يصلون إلى سن 55 دون أن يتزوجوا أبدا قفزت من 5.9 في المائة سنة 2014 إلى 9.4 في المائة سنة 2024. النمو السكاني السنوي تراجع بدوره إلى 0.85 في المائة، وهو رقم يقلق الحكومة لدرجة أنها تعد برنامجا خاصا لمواجهة الظاهرة.
القضية ليست “الشباب ما بغاوش يتزوجو”
الجملة التي يرددها الجيل الأكبر سنا مريحة لكنها غير دقيقة. أغلب الدراسات، من بينها تقرير سابق للمرصد الوطني للتنمية البشرية بشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تشير إلى أن الشباب المغاربة لا زالوا يهتمون بفكرة تكوين أسرة. المشكلة ليست في الرغبة، بل فيما يقف بينهم وبين تحقيقها.
أول عائق هو المال، وهو الأكثر تكرارا في كل شهادة تقريبا. أجرة لا تكفي لإيجار شقة، بطالة تطال شابا من كل ستة تقريبا، وغلاء فاحش في تكاليف حفلات الزفاف والمهور، رغم أن كثيرا من الأئمة والفقهاء يذكرون بأن المهور المرتفعة ليست شرطا شرعيا بل عادة اجتماعية ثقيلة.
باحثون في مجال الأسرة يشيرون إلى أن بعض الشباب يمتلكون فعلا القدرة على تحمل مسؤولية أسرة صغيرة، لكنهم يؤجلون الخطوة إلى أن يمتلكوا شقة وسيارة وحفل زفاف “يليق بهم”، فتتحول الكماليات إلى شرط مسبق قبل الأساسيات.
السبب الثاني أعمق، وهو تغير موقع المرأة. المرأة المغربية اليوم تدرس أكثر، وتعمل أكثر، وتنتظر من الزواج أكثر مما كانت تنتظره أمها أو جدتها. لم يعد الزواج بالنسبة إليها الملاذ الوحيد للاستقرار المادي والاجتماعي. باحثات في علم الاجتماع الأسري يلاحظن أن هذا التحول خلق توازنا جديدا داخل العلاقة، لم يستوعبه بعد جزء من الشباب الذكور ولا من الأسر التقليدية.
ثم هناك الخوف، وهو عامل نادرا ما يُذكر بصراحة لكنه حاضر بقوة. الجيل الحالي كبر وهو يرى نسب الطلاق ترتفع من حوله، ويسمع نقاشا عموميا حادا حول مدونة الأسرة الجديدة ومقتضياتها المتعلقة بالإرث والحضانة والواجبات الزوجية. كثير من الشباب يعترفون، بينهم وبين أنفسهم على الأقل، أنهم يخافون من الالتزام أكثر مما يخافون من العزوبية.
قلق ديموغرافي في الأفق
هذا العزوف المتصاعد لم يعد مجرد ظاهرة اجتماعية فردية، بل بدأ يترك أثراً على البنية السكانية للمغرب. معدل النمو السكاني تراجع بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير، وحجم الأسرة انكمش، فيما تتزايد الأسر التي يعيلها فرد واحد. مؤشرات دفعت الحكومة إلى الإعلان عن برنامج لمواكبة الشباب المقبلين على الزواج، ومحاولة تفكيك العوائق التي تدفعهم إلى العزوف عنه.
في المقابل، لا تزال الأسرة والوساطة العائلية حاضرتين في المجتمع المغربي، ولا يزال الزواج يحتفظ بمكانته الاجتماعية والثقافية. غير أن المؤسسة نفسها أصبحت تُقصد بشروط جديدة، وبتريث أكبر، من جيل لم يعد يرى في الزواج “خطوة طبيعية” تفرضها الحياة، بل قرارًا مصيريًا يستحق الكثير من التفكير والاستعداد.
وربما لهذا السبب يواصل كثير من الشباب قولهم: “لاحقًا”.
لكن السؤال الذي يبقى معلقًا هو: متى يأتي هذا ”اللاحق”؟





