من يربي أبناءنا؟ الأسرة المغربية في مواجهة الهاتف والسوشيال ميديا

في كل بيت مغربي تقريبا، هناك مشهد أصبح مألوفا لدرجة أننا لم نعد ننتبه له: طفل صغير، لا يتجاوز عمره ثلاث أو أربع سنوات، يمسك هاتفا ذكيا بيد صغيرة، ويمرر إصبعه على الشاشة بحركة لا تحتاج إلى تعليم. لا أحد علّمه كيف يفعل ذلك، هو فقط تعلّم، كما نتعلم نحن الكبار المشي أو الكلام.
السؤال الذي بدأ يفرض نفسه على كل أسرة، من الدار البيضاء إلى وجدة، ومن مراكش إلى الناظور، هو سؤال بسيط في ظاهره وثقيل في مضمونه: من يربي أبناءنا اليوم؟ هل هي الأم والأب، أم الجد والجدة كما كان الحال، أم أصبحت المهمة موزعة بيننا وبين شاشة صغيرة لا تكل ولا تمل؟
الهاتف كجليس أطفال
كثير من الأمهات المغربيات يعترفن، بصوت خافت أحيانا وبإحراج واضح، أن الهاتف أصبح الحل السريع حين يبكي الطفل في السوق، أو حين تحتاج الأم إلى عشر دقائق من الهدوء لإنهاء طبخة أو مكالمة عمل. الهاتف لا يتعب، لا يرفض، ولا يطلب مقابلا. هو الجليس المثالي في نظر أب مرهق بعد يوم عمل طويل، وفي نظر أم تحمل مسؤوليات البيت والعمل معا.
المشكلة ليست في الهاتف نفسه، فهو أداة، والأداة لا تحمل نية. المشكلة في أننا، كأهل، سلّمنا له مهمة لم نكن نقصد تسليمها: مهمة التربية. فالطفل الذي يقضي ساعات أمام فيديوهات قصيرة ومتغيرة باستمرار، يتعلم منها إيقاعا معينا في التفكير، وطريقة معينة في التعامل مع الملل، وحتى نموذجا معينا في العلاقات والسلوك، دون أن يمر ذلك عبر أب أو أم أو مدرس يوجه أو يصحح.
جيل لا يعرف الفراغ
جيلنا نحن، جيل الآباء والأمهات اليوم، عرف الفراغ. عرف السأم في العطلة، وعرف اللعب في الحومة، وعرف أن ينتظر أسبوعا كاملا ليشاهد حلقة كرتون واحدة يوم الخميس. هذا الفراغ، رغم أنه كان يبدو مزعجا حينها، كان يصنع فينا شيئا: الصبر، والخيال، والقدرة على ابتكار اللعب من لا شيء.
أبناؤنا اليوم لا يعرفون هذا الفراغ. فبمجرد أن يشعروا بالملل، تمتد يد أحدهم أو أحدهن إلى الهاتف، ويختفي الملل في ثوان. وهذا يبدو مريحا في اللحظة، لكنه في العمق يحرم الطفل من فرصة أساسية: فرصة أن يتعلم كيف يكون وحده مع نفسه، وكيف يواجه الفراغ دون أن يهرب منه.
الأسرة الممتدة كانت تحمي
من الأشياء التي كانت تحمينا في المغرب، وربما لا زالت تحمي جزئيا في بعض المناطق، هي الأسرة الممتدة. الجدة التي تحكي، العم الذي يمزح، الجيران الذين يراقبون بحنان. هذه الشبكة الاجتماعية الحقيقية كانت تشارك في التربية دون أن تعلن ذلك رسميا. اليوم، مع تفكك هذه الشبكة في المدن الكبرى، وانشغال الجميع بهواتفهم أيضا، أصبح الطفل في كثير من الأحيان وحيدا فعليا، حتى وهو محاط بأسرته.
فماذا نفعل؟
الحل ليس في منع الهاتف منعا تاما، فهذا غير واقعي وغير مجد في زمننا. الحل أقرب إلى إعادة التوازن. أن نحدد وقتا للشاشة كما نحدد وقتا للأكل والنوم. أن نجلس مع أبنائنا ونشاهد معهم أحيانا، لا لنراقبهم فقط، بل لنفهم ماذا يستهلكون ولماذا يعجبهم. أن نعيد للملل مكانته، فنسمح للطفل أن يشعر به دون أن نسارع لإنقاذه بالهاتف. وأن نتذكر، نحن الكبار أولا، أن أعيننا أيضا عالقة في الشاشة أكثر مما نظن، وأن الطفل يتعلم بالمحاكاة قبل أن يتعلم بالكلام.
في النهاية، السؤال ليس فقط من يربي أبناءنا، بل هل ما زلنا نحن من يقرر ذلك، أم تركنا القرار لخوارزمية لا تعرف أبناءنا ولا تهتم بمستقبلهم؟




