مقاربة تفسير “العجز” عن تحديد الجهة الفاعلة خلف حملات التحريض على الهجرة نحو سبتة

رغم مرور أزيد من ثلاثة أسابيع على الموجة الأولى من الهجرة غير النظامية نحو سبتة المحتلة (30-31 يوليوز)، وأزيد من أسبوع على دعوات موجة ثانية (15 غشت)، وفتح عدة مسارات تحقيق موازية — أوروبية وإسبانية، رسمية وخاصة — لم يفضِ أي منها حتى الآن إلى تحديد جهة واضحة ومسؤولة عن إطلاق هذه الحملات المحرِّضة. نحن أمام وضع يمكن وصفه بـ”العجز” عن اختراق الأسوار المحيطة بدوائر القرار المفترضة التي تقف خلف هذا التحريض الرقمي.
وهذا العجز ليس تفصيلاً هامشياً. فحصيلة الموجة الأولى تُقاس بآلاف المهاجرين وعشرات القتلى: رفعت السلطات الإسبانية عدد الوفيات المؤكدة تدريجياً من 57 إلى 80 ثم 83 حالة، وأعلن رئيس حكومة مدينة سبتة المحلية، خوان خيسوس فيفاس، أمام البرلمان الأوروبي في شهر غشت أن عدد وفيات المهاجرين غير النظاميين خلال موجة الهجرة الجماعية التي وقعت نهاية شهر يوليو 2026 بلغ نحو 100 قتيل، بينما أعلنت وزارة الداخلية المغربية حصيلة منفصلة أدنى (11 ثم 14 وفاة على التراب المغربي)، ووثّقت العصبة المغربية لحقوق الإنسان 32 حالة وفاة استقبلتها المستشفيات المغربية في الفنيدق وتطوان. هذا التفاوت في عدّ الضحايا أنفسهم — قبل الحديث عن عدّ المسؤولين — هو أول مؤشر على حجم الضبابية المعلوماتية المحيطة بالملف برمّته.
فكيف نفسر هذا العجز عن تحديد الجهة الفعلية خلف حملات التحريض؟ وماذا يخبرنا استمراره عن حدود المقاربتين الأمنية والإعلامية المعتمدتين حتى الآن؟
أولاً، ثلاثة مسارات تحقيق مفتوحة.. ولا حسم
- المسار القضائي الإسباني: الأكثر تفصيلاً، والأبطأ
فتحت المحكمة العليا الوطنية الإسبانية (Audiencia Nacional) تحقيقاً أولياً إثر شكوى جنائية تقدم بها حزب “Iustitia Europa” في 30 يوليوز ضد موظفين و”أعضاء في منظمات إجرامية” وسلطات إسبانية وأجنبية يمكن تحديدها.
القاضية المكلفة بالملف، ماريا تاردون، فتحت “إجراءات أولية” (Diligencias Previas) للتحقق مما إذا كانت الوقائع تشكل جرائم ضد أمن الدولة والأمة، وتسهيل الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، والتنظيم الإجرامي، وحتى الامتناع عن واجب ملاحقة الجرائم.
وطلبت القاضية من المفوضية العامة للهجرة والحدود (المعروفة اختصاراً بـ UCRIF) تقريراً لتحديد ما إذا كان الدخول الجماعي “عملاً منسقاً تقوده منظمة أو جماعة إجرامية”، مع تحديد هوية المشاركين إن أمكن.
كما وجّهت طلباً منفصلاً للحرس المدني الإسباني (Guardia Civil) للتحقق مما إذا كانت الأجهزة الأمنية تلقّت أي معلومات في الأيام السابقة على الاقتحام كان يمكن أن “تُنذر” بوقوعه — طلبٌ جاء بعد يوم واحد من نفي وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا علنياً أن يكون مركز الاستخبارات الوطني (CNI) قد أصدر أي تحذير مسبق، مع اعترافه بوجود “تنبيهات عامة” غير محددة.
أما تحديد الاختصاص القضائي نفسه — أي هل تختص المحكمة الوطنية بالقضية أصلاً أم تؤول إلى محاكم محلية — فقد أُحيل إلى النيابة العامة (Fiscalía) لإبداء الرأي القانوني فيه.
النتيجة حتى تاريخ كتابة هذا المقال:
بعد أكثر من ثلاثة أسابيع، لم يُنشر أي تقرير رسمي ولم يصدر أي استنتاج نهائي؛ لا تزال القضية عالقة في مرحلة تحديد الاختصاص قبل أي تحقيق موضوعي فعلي. وهذا التعثر الإجرائي بحد ذاته أبلغ تعبير عملي عن حالة “العجز” التي يتناولها هذا التحليل.
- المسار الأوروبي مع “ميتا” و”تيك توك”: تنظيمي لا تحقيقي
بموازاة المسار القضائي الاسباني، تحرك الاتحاد الأوروبي على جبهة مختلفة تماماً: الضغط التنظيمي على المنصات بدل التحقيق الجنائي.
في ها الصدد ترأست المفوضة هينا فيركونن (نائبة رئيسة المفوضية لشؤون السيادة التكنولوجية والأمن والديمقراطية) سلسلة اتصالات مع “ميتا” و”تيك توك”، تُوّجت يومي 10 و11 غشت بإعلانها تفعيل الشركتين “بروتوكولات الأزمة” الخاصة بهما، وإحداث “آلية تصعيد وتعاون مخصصة مع مدققي المعلومات” — من بينهم مؤسسة “مالديتا” (Maldita.es) الإسبانية، التي أكدت بدورها انتشار رسائل كاذبة تزعم منح اللجوء التلقائي لكل من يعبر الحدود.
عملياً، تُرجمت هذه الآلية إلى:
- تبادل يومي للمعلومات بين المفوضية الأوروبية ووكالة “يوروبول” والمنصتين؛
- التزام الشركتين بحظر المحتوى المرتبط بتسهيل التهريب؛
- وصلاحية لمدققي المعلومات لتصعيد المنشورات المضللة مباشرة لفرق السلامة داخل المنصتين لتسريع التعامل معها.
وفي إطار موازٍ، أرسلت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين رسالة لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز تتضمن خطة من خمس نقاط لمنع تكرار الأزمة، من بينها نظام إنذار مبكر يغطي أيضاً النشاط على الشبكات الاجتماعية.
لكن يجب التذكير بحدود هذا المسار: هذه التزامات طوعية من الشركتين، مفعّلة بموجب مدونة السلوك الأوروبية بشأن التضليل (أداة طوعية ضمن منظومة قانون الخدمات الرقمية DSA)، وليست قراراً قضائياً ولا إلزاماً قانونياً صارماً. وهي، كما وصفتها تقارير متخصصة، “اتفاق تشغيلي لا أمر عام بالرقابة على النقاش حول الهجرة” — أي أنها تستهدف تسريع رد الفعل تجاه المحتوى الضار مستقبلاً، لا الكشف عن هوية من أطلق حملة يوليوز أصلاً.
- مسار تقرير “غولدن أول”: الأكثر تفصيلاً تقنياً، والأكثر إثارة للجدل
بدايةا لا بد من تصحيح شاع في التغطية العربية: التقرير المعنون “شبكة التعبئة الخاصة بسبتة: التجنيد والتضخيم والأمن التشغيلي” (The Ceuta Mobilisation Network) لم تُصدره جهة استخباراتية إسبانية رسمية كما تناقلت بعض المنابر، بل شركة “Golden Owl”، وهي شركة تجارية خاصة متخصصة في الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) وأدوات الذكاء الاصطناعي، نشرته مجاناً في 3 غشت 2026 بوصفه أيضاً عرضاً تسويقياً لقدراتها التحليلية.
ما رصده التقرير:
رصد التقرير خريطة لخمسة وعشرين أصلاً/صفحة على فيسبوك مرتبطة بموجة نهاية يوليوز، مصنّفة حسب وظيفتها (تجنيد مباشر، تنسيق وسوق، تضخيم)، مع توثيق وصول الفضاء العلني منها لأكثر من مليون عضوية معلنة، إضافة إلى نصف مليون في صفحات التضخيم.
كما رصد بنية تجنيد قائمة على “حصص” محددة بدل التعبئة المفتوحة، وأساليب تمويه تقنية (تبديل الكلمات المفتاحية، تجزئة الحروف لتفادي الرصد الآلي، وضع الروابط في التعليق الأول بدل المنشور)، وأشار لوجود مشغّلين في اسطنبول، وأصول أخرى مرتبطة بروما ومدريد وشمال المغرب.
أين يتناقض التقرير مع نفسه:
يقرّ التقرير صراحة بعدم وجود “قيادة مركزية”، وببنية “أفقية لا هرمية”، وبأن خلاياه “تتشكل ذاتياً”، وبأنه لم يعثر على أي “منظمة أو حزب أو جمعية مسجلة” داخل الشبكة. ومع ذلك، يخلص في قسمه الأخير إلى استنتاج “بثقة عالية” بأن العملية كانت “موجَّهة ومنظمة عمداً” وليست عفوية.
هذه القفزة من “لم نعثر على قائد” إلى “موجَّهة بثقة عالية” هي بالضبط ما انتقدته تحليلات متخصصة لاحقة، مرجّحة أن الأدلة المقدَّمة تثبت وجود منظمين أفراد على مستوى خلايا صغيرة (حالة موثقة لمجموعة من ثمانية فتيان وفتيات جندهم شخص واحد)، لا توجيهاً مركزياً لعشرات الآلاف.
كما أن “مركز التنسيق المغلق” الذي يفترض التقرير وجوده لم يُرصد مباشرة، بل استُنتج من تزامن إعادة النشر — وهو نمط لا يختلف بالضرورة عن انتشار فيروسي عفوي.
أما بخصوص “المؤشرات الجزائرية” (صفحة مجتمعية من عنابة أُعيد توظيفها، صفحة “شقيقة”، نشيد احتجاجي جزائري رافق أحد المنشورات) التي وصفها التقرير بـ”أقوى خيط” لتحديد الجهة المستفيدة، فإنه يصنّفها هو نفسه كأدلة “ظرفية” (circumstantial) غير حاسمة — ثم يخلص رغم ذلك إلى صورة عامة لحملة “شعبية لا مركزية” بلا مستفيد واضح. وهو تناقض داخلي إضافي لم يفسره التقرير.
خلاصة ها المحور الأول: ثلاثة مسارات، ثلاث سرعات، ثلاث نتائج جزئية لكن لا واحدة منها كافية وحدها لحسم السؤال المركزي.
ثانياً. أين وضعت التحقيقات “مسؤولية” المغرب والجزائر؟
- مسؤولية المغرب: تراخٍ ميداني موثَّق، لا إدارة رقمية مثبتة
في حالة المغرب يجب التمييز بوضوح بين مستويين يختلط كثيراً بينهما في التغطية العامة وعلى الشبكات الاجتماعية:
المستوى الأول — التراخي الحدودي الميداني، وهو الأكثر توثيقاً:
- نقلت نيويورك تايمز (31 يوليوز) روايات مهاجرين مغاربة قالوا إن الشرطة المغربية حثّتهم فعلياً على العبور بعبارة “ادخلوا إسبانيا”؛
- نشرت التلغراف ((31 يوليوز) تحقيقاً بعنوان “المغرب سهّل عمليات العبور إلى إسبانيا”؛
- ووصف رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيباس، حسب الغارديان، العمليات بأنها “إن لم تكن مدبَّرة، فهي على الأقل مشجَّعة أو مسموح بها من المغرب”.
- والأمر القضائي الإسباني نفسه أشار إلى “تراخٍ” لافت في ضبط الحدود من الجانب المغربي، متسائلاً — دون حسم — عما إذا كان يعكس تساهلاً أو تعاوناً ضمنياً.
المستوى الثاني — إدارة الحملة الرقمية نفسها،
والصورة هنا مختلفة جوهرياً: لا يوجد أي تقرير جدي حتى الآن ينسب إدارة الحملات الرقمية المحرِّضة إلى الدولة المغربية أو أجهزتها. بل إن تقرير “غولدن أول” نفسه — الأكثر تفصيلاً في رصد البنية الرقمية — وجّه أصابع الاتهام الظرفية نحو مشغّلين في اسطنبول ومؤشرات جزائرية، لا نحو جهات مغربية رسمية.
الأصوات الأكثر حسماً في الجمع بين المستويين واتهام الدولة المغربية مباشرة تأتي من أطراف ذات مصلحة سياسية معلنة في هذا الاتهام، يجمعها مشروع سياسي انفصالي مشترك:
+ مسؤول في جبهة البوليساريو كتب في “الكونفيدنسيال” الإسبانية أن المغرب دولة “استخدمت الهجرة تاريخياً كسلاح”؛
+ و”الحزب الوطني الريفي” (حركة انفصالية غير معترف بها قانونياً) اتهم الحكومة المغربية مباشرة ووصف الأزمة بـ”سياسة إجرامية متعمدة”.
وهذان المصدران، لهما مصلحة سياسية بنيوية في تحميل المغرب المسؤولية، ما يستدعي التعامل مع اتهاماتهما كموقف متحامل لا استنتاجاً تحقيقياً محايداً.
وهناك أيضاً تحليلات تأويلية (في منابر رأي كـ”أونيرد” و”نيكد كابيتاليزم”) تتحدث عن “تقاطع مصالح مغربية-إسرائيلية-أمريكية” لإضعاف حكومة سانشيز، وهي فرضيات غير موثقة بأدلة تحقيقية، لا ينبغي منحها وزن المصادر الميدانية أو القضائية.
في المقابل، يضع الموقف الرسمي المغربي نفسه — كما جاء في بلاغ وزارة الداخلية وتصريحات السفير المغربي بمدريد الذي أكد أن ما جرى وقع “خلافاً لرغبة المغرب” —في موقع المستهدَف بهذه الحملات لا مصدرها، متحدثاً عن توقيف مروّجين لها ومطالباً إسبانيا بتحمل مسؤولياتها المشتركة.
والخلاصة:
اتهام الدولة المغربية بتصميم أو إدارة الحملة الرقمية للتحريض نفسها لا يستند إلى أي أدلة تحقيقية جدية؛ والأدلة الظرفية المتاحة تشير إلى فاعلين آخرين (اسطنبول، مؤشرات جزائرية، شبكات لا مركزية) أكثر مما تشير إلى الدولة المغربية — بينما يبقى التراخي الحدودي الميداني، وهو أمر مختلف تماماً.
- مسؤولية الجزائر: مؤشرات ظرفية وسط خطاب سجالي كبير
الحديث عن “الدور الجزائري” يحتاج بدوره لتمييز بين المعطى التحقيقي والخطاب السجالي، لأن الثاني أعلى صوتاً بكثير من الأول في هذا الملف:
- المعطى التقني الوحيد: مؤشرات “غولدن أول” الظرفية غير الحاسمة (صفحة عنابة، صفحة شقيقة، نشيد جزائري)، وهي — كما أوضحنا — لا ترقى لدليل على تدخل الدولة الجزائرية بحسب تصنيف التقرير نفسه.
- ادعاءات صحفية غير رسمية: نقلت صحف إسبانية أن بعض مجموعات واتساب أُديرت من أرقام بمفتاح دولي جزائري (+213)، دون أن تتبنَّ أي جهة رسمية إسبانية أو أوروبية هذه المعلومة كخلاصة نهائية.
- الموقف الرسمي الجزائري: نفي صريح لأي تدخل، مع الإشارة إلى أن الجزائر نفسها تعاني ظاهرة هجرة غير نظامية داخلية معروفة محلياً بـ”الحريك”، ما يجعل بعض المهاجرين الجزائريين أنفسهم طرفاً في هذه التدفقات لا منظِّمين لها بالضرورة.
- الموقف الرسمي الإسباني: لم يتبنَّ اتهاماً رسمياً للمغرب، ولم يوجّه أيضاً أي اتهام رسمي للجزائر؛ بل أشاد رئيس الحكومة سانشيز بالتعاون مع الرباط لاحتواء الأزمة — موقف لا ينسجم مع فرضية وجود “طرف خارجي معادٍ” مُدار منه الأمر، سواء كان المغرب أو الجزائر.
- الخطاب السجالي المتبادل، وهو الجزء الذي يستحق أكبر قدر من الحذر: منابر مغربية اتهمت الجزائر بشن “حرب معلوماتية” مستغلة الأزمة (بلغة وصلت أحياناً لعبارات تحقيرية في بعض مقالات الرأي)، بينما اتهمت منابر جزائرية المغرب باستغلال ورقة الهجرة كأداة ضغط ووصفت ذلك بـ”الابتزاز”؛ وسُجّلت على الشبكات الاجتماعية موجة شماتة جزائرية متبادلة مع ردود مغربية تستحضر ظاهرة “الحريك” — تبادل خطابي شعبي وإعلامي، وليس دليل تنظيم أو توجيه من أي دولة.
والخلاصة، كما في حالة المغرب: لا يوجد حتى الآن أي مصدر تحقيقي رسمي، قضائي أو أوروبي، يثبت أو حتى يتهم رسمياً الدولة الجزائرية بإدارة الحملات الرقمية. المتوفر هو مزيج من مؤشرات تقنية ظرفية من جهة، وخطاب سجالي متبادل ذي خلفية سياسية-تاريخية من جهة أخرى — ويجب على أي تحليل جاد أن يفصل بوضوح بين الاثنين.
- منطق الدولة العقلانية الحريصة على مصالحها
بالإضافة إلى غياب أدلة على تورط الدولتين في حملات التحريض على الهجرة، وإشادة دولة اسبانيا بتعاون المغرب، وغياب أي اتهامات رسمية وذات مصداقية ضد الدولتين، هناك عامل إضافي حاسم يتعلق بمصالحهما الاستراتيجية المرتبطة/ من جهة/ بدولة إسبانيا، ومن جهة ثانية، بالاتحاد الأوروبي.
فلا الرباط ولا الجزائر تملك وُسع المراهنة باستقرار علاقاتهما مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي في ملف بهذه الحساسية:
بالنسبة للمغرب، يبقى الدعم الأوروبي والإسباني لمخطط الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، بوصفه الأساس الوحيد والجدي لتسوية النزاع، مكسباً استراتيجياً تراكم بصعوبة على مدى سنوات؛
وبالنسبة للجزائر، تظل الشراكة الطاقية والاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي — وخصوصاً صادرات الغاز نحو إسبانيا وإيطاليا — ورقة استراتيجية حيوية.
وأي تورط رسمي مثبت في تنظيم حملة تحريض على هجرة جماعية من شأنه أن يعرّض هذه المكاسب المتراكمة للدولتين لخطر حقيقي مقابل مكسب سياسي ظرفي وغير مضمون النتائج، وهو رهان لا ينسجم مع منطق الدولة العقلانية الحريصة على مصالحها الاستراتيجية طويلة المدى.
ثالثاً. شبكات الاتجار بالبشر: الفاعل الثالث، الأكثر توثيقاً والأوضح دافعاً
خلافاً لفرضيتي “الدور المغربي” و”الدور الجزائري”، يتميز هذا الطرف الثالث بثلاثة عناصر يفتقر إليها الفاعلان الآخران معاً: دافع اقتصادي مباشر وواضح لا يحتاج لتأويل سياسي، توافق نادر بين مصادر رسمية متعددة ومتنافسة جيوسياسياً على تحميله المسؤولية جزئياً، واعتقالات فعلية موثقة ميدانياً.
- الدافع: من يربح من التحريض؟
المنطق الذي يطرحه السؤال بسيط ومقنع اقتصادياً: أي شبكة تتقاضى ما بين 8000 يورو و10500 دولار عن كل مهاجر تُعبره من سبتة نحو الجنوب الإسباني لديها حافز تجاري مباشر لتوسيع “السوق” المحتمل لخدماتها. وهذا ليس تخميناً نظرياً بحتاً: فقد وثّق تقرير لمركز مكافحة تهريب المهاجرين التابع لوكالة “يوروبول” أن شبكات إجرامية بدأت تدرس أساليب صنّاع المحتوى الرقمي، بل استلهمت مباشرة من “أكاديميات” تعليم صناعة المحتوى لجذب الانتباه والاحتفاظ به — بهدف توسيع قاعدة الزبائن المحتملين.
- كيف وثّقت المصادر الرسمية دورها؟
التقارب هنا لافت بين مصدرين رسميين لا مصلحة مباشرة لأي منهما في تبرئة الآخر: أكدت وزارة الداخلية المغربية بشكل متكرر، منذ بلاغها الأول، أن شبكات الاتجار بالبشر أسهمت إلى جانب التضليل الرقمي في تأجيج التدفق؛ في المقابل، أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية الإسبانية أن “تأويلاً ذاتي المصلحة” من شبكات التهريب لحكم قضائي هو ما غذّى الأزمة. ووثّقت “يوروبول” بدورها أن شبكات تهريب راسخة تستخدم منصات التواصل المفتوحة للإعلان عن مساراتها وتجنيد زبائنها، قبل نقل التواصل التشغيلي إلى تطبيقات مشفرة — وهو بالضبط النمط المرصود في حالة سبتة. كما وثّق تحقيق ميداني لقناة “الجزيرة” أن شبكات تهريب من المغرب وأفريقيا، وحتى من الجزائر، انضمت إلى الحملة عبر ثلاث قنوات رئيسية بعد انطلاقها، لتضخيمها لا بالضرورة لإطلاقها من الصفر.
- الآلية الدقيقة: كيف تحوّل حكم قضائي إلى إشاعة مربحة؟
هذه الحلقة هي الأوضح توثيقاً في السلسلة كلها: في 29 يوليوز، أصدرت المحكمة العليا الإسبانية حكماً تقنياً محدود الأثر، مفاده أن من يعبر سباحة (لا عبر السياج) يخضع لإجراءات قانونية أكثر تشدداً قبل ترحيله، أي لا يمكن “إرجاعه الفوري” تلقائياً كما يحدث مع من يعبر السياج.
خلال أيام، أعيد تدوير هذا الحكم على المنصات ليتحول إلى وعد مختلف جذرياً: “إسبانيا فتحت الباب”، و”الترحيل لم يعد ممكناً” لكل من يصل سباحة. والفارق بين “إجراءات أكثر تعقيداً قبل الترحيل” و”لا ترحيل إطلاقاً” هو بالضبط نوع التحريف الذي تُحسنه شبكات التهريب تسويقياً، لأنه ببساطة يبيع وهماً يخدم مصلحتها التجارية المباشرة.
- حدود هذه الفرضية: ماذا تثبته الاعتقالات فعلاً؟
يجب توخي الدقة نفسها المطبَّقة على فرضيتي المغرب والجزائر. اعتقلت الشرطة الإسبانية، في 21 غشت، خمسة أشخاص بشبهة تهريب مهاجرين من سبتة نحو الجنوب الإسباني (لا تسهيل الدخول إلى سبتة نفسها) مقابل مبالغ تناهز 10500 دولار للفرد، بعد أن كانوا يؤوون المهاجرين في مساكن مؤقتة داخل سبتة قبل تنظيم عبورهم البحري عبر مضيق جبل طارق باستخدام قادة قوارب محترفين لتفادي الدوريات. وهذه شبكة منفصلة عن شبكة أخرى فُككت في جزر الكناري أوائل غشت، كانت متورطة في استغلال قاصرات مهاجرات جنسياً.
لكن كلا الشبكتين اعتُقل أفرادها بتهم متعلقة بمرحلة “ما بعد” العبور — النقل والإيواء والاستغلال — لا بتهمة كتابة أو نشر المنشورات الأصلية التي أطلقت التعبئة الرقمية في يوليوز. بعبارة أخرى: الاعتقالات الحالية تثبت وجود شبكات تهريب نشطة ومربحة في المنطقة، ومرجَّح أنها استفادت من الحملة وربما ضخّمتها، لكنها لا تثبت — حتى الآن — أن هذه الشبكات بعينها صمّمت أو أطلقت الشرارة الرقمية الأولى. وهذا بالضبط ما لخصه تحقيق متخصص بعبارة دقيقة مفادها أن أسلوباً مألوفاً ليس دليل مسؤولية بحد ذاته: معرفة أن شبكات التهريب تستخدم عادة هذه الأساليب لا يعني تلقائياً أنها استخدمتها هنا تحديداً.
- لماذا تبقى هذه الفرضية “الأقوى” منطقياً رغم عدم حسمها قضائياً؟
مقارنة بفرضيتي المغرب والجزائر، تتفوق فرضية شبكات التهريب في أربع نقاط:
- دافع اقتصادي مباشر لا يحتاج لتأويل سياسي؛
- توافق نادر بين مصدرين رسميين متنافسين جيوسياسياً (الرباط ومدريد) على تحميلها جزءاً من المسؤولية — توافق لا نظير له في فرضيتي المغرب أو الجزائر؛
- سوابق موثقة من “يوروبول” لنفس النمط التشغيلي في سياقات هجرة أخرى غير سبتة؛
- وأخيراً منطق “حسابات المصلحة الاستراتيجية” الذي يضعف، من الناحية التحليلية البحتة، فرضية التورط الرسمي لأي من الدولتين.
لكن فرضية شبكات التهريب تبقى، رغم كل هذه المرجّحات، فرضية تفسر بوضوح “من استفاد ومن ضخّم” أكثر مما تحدد “من أطلق الشرارة الأولى” — وهو بالضبط جوهر “العجز” الذي يتناوله هذا التحليل.
رابعا، لماذا يستعصي تحديد الجهة، رغم كل هذا الكم من التحليل؟
يمكن إجمال العوامل البنيوية وراء هذا العجز في خمسة عناصر متداخلة:
- بنية الشبكة نفسها مصممة للتمويه: حسابات حديثة أو مجهولة، أرقام هواتف بأكواد دولية، عناوين بريد مخصصة لغرض واحد — نمط يصنَّف ضمن ما يُعرف بـ”عمليات التأثير والتوجيه” (Influence Operations)، القائمة أصلاً على إخفاء مصدر الرسالة وتوزيعها عبر وسطاء متعددين.
- الانتقال من المنصات المفتوحة إلى المغلقة: انتقلت التعبئة الفعلية إلى مجموعات مغلقة على “تلغرام” و”واتساب”، بيئات مشفرة يصعب اختراقها أو تتبعها قانونياً دون تعاون مباشر من الشركات المشغِّلة لها.
- غموض بنيوي لا تحسمه أدوات المصادر المفتوحة: كما تكشف حالة “غولدن أول” نفسها، فإن بنية “لا مركزية وقابلة للإنكار” قد تنتج عن حراك عفوي حقيقي، أو عن عملية موجَّهة صُمم إخفاؤها بعناية لتبدو عفوية — والإشارات المتاحة للتحليل مفتوح المصدر لا تكفي وحدها للفصل بين الاحتمالين.
- تعدد الفاعلين المحتملين في آن واحد: لا يستبعد أي مسار مفتوح تداخل عدة أطراف بدل جهة واحدة — شبكات اتجار بالبشر ترى في هذه الدعوات فرصة تجارية، أصحاب حسابات وبودكاست يبحثون عن الانتشار دون اعتبار للعواقب، واحتمال استغلال سياسي إقليمي متعدد الأطراف للأزمة.
- حدود الاختصاص القضائي عبر الحدود: حتى لو حُدد حساب أو مجموعة، فملاحقتها تصطدم بكون مشغِّليها قد يكونون خارج التراب المغربي أو الإسباني، ما يعقّد أي متابعة قضائية فعلية — وهو بالضبط العائق الذي لا يزال يعطّل تقدم ملف Audiencia Nacional بعد ثلاثة أسابيع.
وثمة عامل سادس يستحق إفراده لأنه أقل تقنية وأكثر بنيوية: سيولة إعلامية تُصعّب حتى تصنيف المصادر نفسها. فالخلط الذي رُصد بين تقرير شركة خاصة (“غولدن أول”) وتقرير استخباراتي رسمي مثال دال. فحين يعجز المتابع، بل أحياناً الباحث المتخصص، عن التمييز بين مصدر رسمي موثوق ومنتج تجاري يسعى للانتشار، يصبح “العجز عن تحديد الجهة” مضاعفاً: عجز عن تحديد من يقف خلف الحملة، وعجز موازٍ عن تحديد من يمكن الوثوق بروايته عن تلك الحملة أصلاً.
خاتمة: العجز كمرآة لطبيعة الظاهرة، لا كفشل عابر
العجز عن تحديد الجهة ليس فشلاً تقنياً عابراً، بل انعكاس مباشر لطبيعة الظاهرة نفسها: مزيج من التضليل الرقمي العابر للحدود، وشبكات إجرامية تقليدية، وفاعلين انتهازيين يبحثون عن الانتشار، ضمن بنية لا مركزية يصعب حتى على أكثر التحليلات تفصيلاً أن تحسم إن كانت “منظمة” أو “عفوية معقّدة الشكل”. وهذا بالضبط ما يجعل المقاربة الأمنية التقليدية، القائمة على منطق “تحديد الفاعل وملاحقته”، قاصرة أمام ظاهرة لا مركز واضح لها.
لكن خلف كل هذا التعقيد التقني والقانوني، يبقى رقم لا يحتمل الضبابية: عشرات الأشخاص، مغاربة وأفارقة جنوب الصحراء، غرقوا وهم يحاولون الوصول لضفة أخرى بناء على وعود رقمية كاذبة. وهذا بالضبط ما يمنح سؤال “من المسؤول؟” ثقله الأخلاقي، ويجعل استمرار “العجز” عن الإجابة عنه ليس مجرد نقص معرفي، بل تأجيلاً للمساءلة عن كلفة بشرية حقيقية.
يبقى مساران وحيدان قادران على تجاوز هذا العجز، ولو جزئياً: تعاون رقمي استباقي وملزم مع المنصات نفسها — يتجاوز آليات التصعيد الطوعي الحالية نحو التزامات قانونية صريحة — بدل انتظار تحقيقات لاحقة تأتي غالباً بعد فوات الأوان؛ وحسم المسار القضائي الرسمي (كملف Audiencia Nacional)، باعتباره المصدر الوحيد القادر على تحويل الفرضيات المتداولة إلى استنتاجات ذات قيمة قانونية، لا تحليلية فقط.
تنويه منهجي:
أعدّ الكاتب هذا التحليل بمبادرة شخصية ورؤية تحريرية خاصة، مستعيناً بأدوات الذكاء الاصطناعي في مراحل البحث عن المصادر والتحقق من دقتها وتنظيم بنية النص. تبقى الخلاصات والمواقف التحليلية الواردة فيه مسؤولية الكاتب وحده.





