20 غشت والسيادة الوطنية

إن مفهوم السيادة الوطنية ليس بالجديد بل يعود إلى العصور القديمة وقد عرف اهتماما كبيرا من قبل المفكرين والفلاسفة، السيادة الوطنية هي مفهوم فلسفي تداوله الفلاسفة عبر العصور من أرسطو إلى هوبس وهيغل وآخرون وهي قدرة الدول على تكريس إرادتها في إطار القانون والمصلحة العامة للشعوب وتصورها لمصدر السلطة ومجال تنظيمها داخل إطار المؤسسات، وهي السلطة العليا للدولة على إقليمها وقدرتها على حكم نفسها دون تدخل خارجي.
وغالبا ما تؤكد أغلب التعريفات الفلسفية والفكرية على ترجمة السيادة الوطنية على أرض الواقع والتي تهم الأمن الخارجي من خلال الديبلوماسية والدفاع على الوحدة الوطنية والأمن الداخلي من خلال العديد من المجالات، وقد شكلت الدولة الوطنية المجال والإطار الذي سيشهد بروز وتطور السيادة الوطنية في إطار علم السياسة والثقافة السياسية، أو كما رأتها الحركة الوطنية متمثلة في السيادة والاستقلال من خلال التخلص التام من الهيمنة الاستعمارية وبناء كيان حر يقرر مصيره بنفسه. ثم الوحدة الترابية من خلال جمع أجزاء الوطن تحت سلطة مركزية واحدة ورفض سياسات التمزيق الاستعمارية. والدفاع عن الهوية من خلال ترسيخ الانتماءات وتحديد روافدها. ثم بناء المؤسسات من خلال إرساء دعائم الإدارة الوطنية، والقضاء، والنهوض باقتصاد مستقل. وسيادة القانون والمواطنة من خلال ضمان الحقوق والحريات والمساواة بين أبناء الوطن الواحد تأسيسا للعيش الكريم لكل فرد من أفراد البلاد.
انطلاقا من كل ذلك، تخلد الأمة المغربية ذكرى ثورة الملك والشعب، لما تحمله من معان ورموز قوية، ظلت راسخة في الذاكرة الوطنية؛ محطة بارزة في تاريخ المملكة الحديث، ليس فقط بما تدل عليه من ثورة شعبية نضالية، في سبيل الحرية، ولكن أيضا بما تجسده من الروح الوطنية، والتضحية، والالتحام الوثيق بين العرش والشعب.
إن 20 غشت يوم عظيم في الحياة الوطنية للمغاربة إنه اليوم الذي أقدموا فيه بجرأة وبسالة على الثور ضد طغيان الاستعمار الذي تجرأ على سيادة البلاد، وحاول المساس بالمقدسات، حيث برز جليا إخلاص الشعب المغربي، فأجمع على رفض إرادة الاستعمار وأجبره على عودة ملك البلاد كرمز لجميع القيم الدينية والمبادئ الوطنية.
وهو ما مثل آنذاك فكرا سياسيا جديدا ومتطورا توجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب في سنة 1999 “وسنبقى على النهج الحسني سائرين تمسكا ببيعة الإمامة الشرعية التي تطوق عنقنا وعنقك موصولة بما سبقها على امتداد أزيد من اثني عشر قرنا موثقة السند بكتاب الله وسنة رسوله الكريم ومشدودة العرى إلى الدستور المغربي الذي ينص على أن الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها وعلى أنه ضامن حمى الدين والبلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحق وعلى أنه الساهر على احترام الدستور وعلى أن له صيانة الحقوق وحريات المواطنين”
لقد شكلت هذه الثورة نقطة تحول بين مرحلتين جهاديتين كما قال الملك الراحل الحسن الثاني في إحدى الخطب التي أرخت لهذه الذكرى الراسخة في الذاكرة الجماعية، تميزت الأولى بالكفاح الوطني الذي خاضته جميع أطياف المملكة ضد الاستعمار من أجل التحرر واستعادة السيادة وما جعل تحرر المغرب رهينا بعودة ملكه الشرعي ورمز سيادته، أما المرحلة الثانية من الجهاد كانت مرتبطة بالشروع في بناء مغرب حديث بإيمان راسخ وخطى ثابتة وبعزم قوي من أجل الإصلاح والنهوض بالمملكة المغربية برؤية متفائلة بعيدة الآفاق.
أكدت لنا الذاكرة التاريخية الوطنية، رفض فئات الشعب المغربي الخضوع لإرادة المستعمر الرامية إلى النيل من السيادة الوطنية والتسلط الاستعماري، وأن أفراد الشعب المغربي أسسوا لنشر الوعي الوطني والتنشئة السياسية والمبادئ الوطنية، وأن المغاربة قد تصدوا لمحاولات القوى الأجنبية القادمة من أجل النيل من الهوية الوطنية التي تميزت بتعدد روافدها في كل حقبة زمنية ما كان مقرونا بالصراعات والأطماع الأجنبية لغزو المغرب وللمساس باستقراره ووحدته.





