رأي

حين تفشل المدرسة السياسية وتنجح سوق الانتقالات

حين تفشل المدرسة السياسية وتنجح سوق الانتقالات

تثير عودة الحديث عن انتقال عدد من الكفاءات والشخصيات المعروفة من مجالات الإدارة والاقتصاد والرياضة والمجتمع المدني إلى العمل السياسي سؤالاً يتجاوز أسماء الأشخاص والوجهات الحزبية التي قد يقصدونها، لأن القضية في جوهرها تتعلق بوظيفة الأحزاب نفسها، وبقدرتها على تجديد نخبها وإنتاج قياداتها، لا بمجرد قدرتها على استقطاب شخصيات صنعت رصيدها المهني أو الجماهيري خارج المجال السياسي. فليس من المشكلة، من حيث المبدأ، أن تفتح الأحزاب أبوابها أمام كفاءات قادمة من المجتمع، بل إن الحزب الذي يغلق نفسه أمام المجتمع محكوم عليه مع الوقت بفقدان قدرته على التجدد. السياسة تحتاج إلى الخبير الاقتصادي، والمدير، والأكاديمي، والرياضي، والفاعل المدني، كما تحتاج إلى السياسي الذي راكم تجربته داخل التنظيم، لأن المجتمع نفسه هو مصدر الأفكار والخبرات والكفاءات التي يفترض أن تتحول إلى قوة اقتراح وتدبير داخل المؤسسات.

لكن الانفتاح على الكفاءات يصبح إشكالاً عندما يتحول إلى بديل عن إنتاج النخب داخل الأحزاب. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الحزب الذي يفترض أن يكون مدرسة للسياسة قد يجد نفسه، في بعض الحالات، مضطراً إلى البحث عن سياسيين جاهزين في المجتمع بدل أن يكون هو المؤسسة التي تصنعهم وتؤهلهم وتمنحهم فرصة التدرج وتحمل المسؤولية. وعندما يتكرر هذا الأمر، فإننا لا نكون أمام مجرد ظاهرة استقطاب عادية، وإنما أمام سؤال أكبر يتعلق بقدرة المؤسسة الحزبية على أداء إحدى وظائفها الأساسية: التأطير والتكوين وتجديد النخب.

وقد ظل جلالة الملك يؤكد، في عدد من الخطب والرسائل والمناسبات، أهمية تجديد الحياة السياسية، وتأهيل النخب، وتشجيع الشباب على الانخراط في العمل السياسي، بما يعيد للأحزاب دورها الطبيعي في التأطير والتكوين وإنتاج القيادات، لا أن تظل مجرد آليات انتخابية تستنفر طاقتها في مواسم الاستحقاقات. فالتوجيه الملكي في هذا المجال لا يتعلق فقط بضرورة تغيير الوجوه، وإنما بإعادة بناء الوظيفة السياسية للأحزاب، وجعلها قادرة على إنتاج نخب جديدة تمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية. غير أن التحدي الحقيقي يبدأ عند الانتقال من مستوى التوجيه إلى مستوى الممارسة؛ إذ لا يمكن أن يتحقق تجديد النخب بمجرد استقطاب شخصيات جاهزة كلما اقترب موعد الانتخابات، وإنما يفترض أن تبدأ العملية قبل ذلك بسنوات، داخل الفروع المحلية والتنظيمات الشبابية والمجالس المنتخبة، عبر التكوين والتدرج ومنح الكفاءات الجديدة فرصة حقيقية للمشاركة والاختلاف وتحمل المسؤولية. فالتجديد، بالمعنى الذي ينسجم مع التوجيهات الملكية، لا يعني البحث المستمر عن أسماء جديدة خارج الأحزاب، وإنما بناء مؤسسات حزبية قادرة على اكتشاف الكفاءات وتكوينها وإعدادها لتصبح قيادات سياسية من داخلها.

وهنا يصبح الفرق بين استقطاب النخب وتجديد النخب ضرورياً لفهم الظاهرة. الاستقطاب يعني أن الحزب يستقبل شخصية راكمت قيمتها وخبرتها وشهرتها في مؤسسة أو مجال آخر، ثم يحاول توظيف هذه القيمة في مشروعه السياسي. أما التجديد فيعني أن الحزب قادر على إنتاج قيمة سياسية جديدة من داخله، وأنه يستطيع اكتشاف شخصيات لم تكن معروفة على نطاق واسع، وتكوينها، وإسناد المسؤوليات إليها، ثم إعدادها لتصبح جزءاً من القيادة السياسية. قد يجتمع الاستقطاب والتجديد داخل حزب قوي، بل إن الحزب الناجح يحتاج إليهما معاً، لكن الخلط بينهما يجعل الحزب يعتقد أنه يجدد نفسه بمجرد تغيير بعض الأسماء في واجهته.

المشكلة تظهر عندما يصبح الاستقطاب هو الآلية الرئيسية لتجديد القيادة. ففي هذه الحالة يبدأ الحزب في التعامل مع المجتمع باعتباره سوقاً للبحث عن الشخصيات الجاهزة: خبير اقتصادي له حضور إعلامي، مدير ناجح يمتلك شبكة علاقات، رياضي معروف يحظى بشعبية، أو شخصية مدنية راكمت رصيداً من الثقة. وتصبح قيمة الشخص السياسية، في نظر الحزب، مرتبطة جزئياً بما يستطيع أن يجلبه معه من حضور وشهرة وعلاقات وقدرة انتخابية، أكثر من ارتباطها بما يمكن أن يضيفه إلى عملية بناء المؤسسة على المدى الطويل. وهنا يتحول الحزب تدريجياً من مدرسة سياسية إلى منصة لاستقبال السياسيين الجاهزين.

ولعل تشبيه كرة القدم يوضح هذه المفارقة بشكل أفضل. فالنادي الرياضي يستطيع أن يتعاقد مع لاعب جاهز، وقد يكون ذلك مفيداً لتحقيق نتيجة سريعة، لكنه لا يستطيع أن يبني مستقبله على الانتقالات وحدها. النادي القوي هو الذي يمتلك أكاديمية تكتشف المواهب وتطورها وتمنحها الوقت والخبرة حتى تصل إلى الفريق الأول. والانتقال لا يمثل مشكلة في حد ذاته، بل يصبح مشكلة عندما يكون هو الوسيلة الوحيدة لبناء الفريق. الأمر نفسه ينطبق على الأحزاب: لا مشكلة في استقطاب شخصية ناجحة من خارج التنظيم، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الحزب غير قادر على تقديم أسماء جديدة خرجت من صفوفه وتدرجت في مسؤولياته.

والفارق هنا ليس تقنياً، بل مؤسساتي. لأن الشخصية القادمة من خارج السياسة قد تكون شديدة النجاح في مجالها، لكن النجاح المهني لا يتحول تلقائياً إلى كفاءة سياسية. فالمدير الناجح لا يصبح بالضرورة قادراً على إدارة الاختلافات الاجتماعية والسياسية، والاقتصادي المتميز لا يمتلك تلقائياً القدرة على صياغة توافقات سياسية، والرياضي المعروف لا تتحول شعبيته مباشرة إلى مشروع للسياسات العمومية، كما أن الحضور الإعلامي لا يكفي لبناء شرعية سياسية مستدامة. السياسة مجال له قواعده الخاصة: فهم المؤسسات، واستيعاب المصالح المتعارضة، والقدرة على التفاوض، وتدبير الخلاف، وصناعة القرار، وتحمل تبعاته، والتعامل مع المواطنين والمنتخبين والإدارة والمجتمع، وهي خبرات لا تختصرها الشهرة ولا تنقلها المهنة السابقة بشكل آلي.

لهذا فإن دخول الكفاءة القادمة من خارج الحزب ينبغي ألا يعني وضعها مباشرة في الواجهة وكأنها وصلت وهي تحمل معها كل الأدوات السياسية، بل يفترض أن يكون بداية لمسار جديد. الحزب مطالب بأن يستفيد من خبرتها المهنية، لكن الشخصية نفسها مطالبة أيضاً بأن تتعلم قواعد العمل السياسي، وأن تنخرط في النقاش الداخلي، وتتعرف على البرنامج والمرجعيات، وتخضع للمساءلة، وتختبر قدرتها على العمل الجماعي، وتقبل الاختلاف. عندها فقط يمكن أن يتحول الاستقطاب من صفقة انتخابية إلى عملية اندماج سياسي حقيقية.

وهذا يقود إلى حالة فوزي لقجع، إذا جرى التعامل معها بوصفها مثالاً على ظاهرة أوسع وليس حكماً على الشخص نفسه. فقيمة التجربة السياسية المحتملة لشخص يأتي من الإدارة والرياضة لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم اسمه أو حضوره أو قدرته على جذب الاهتمام، وإنما بطريقة تحويل هذه الخبرة إلى قيمة سياسية ومؤسساتية. فالشخصية المعروفة يمكن أن تدخل الحزب وهي تحمل معها رصيداً تراكم خارج السياسة، لكن السؤال هو: هل سيظل هذا الرصيد ملكاً فردياً يستخدم في المنافسة الانتخابية، أم ستنجح المؤسسة في تحويله إلى خبرة سياسية يستفيد منها الحزب والمجتمع، وتتحول في الوقت نفسه إلى جزء من عملية إعداد قيادات أخرى؟

هذه النقطة مهمة لأن الاستقطاب قد يكون مفيداً للحزب على المدى القصير، لكنه قد يصبح مكلفاً على المدى الطويل إذا جاء على حساب المناضلين الذين اختاروا المسار التنظيمي. فالشاب الذي قضى سنوات داخل الحزب، وشارك في أنشطته المحلية، وخاض الانتخابات، وتدرج في المسؤوليات، وتحمل الخلافات التنظيمية، يحتاج إلى أن يرى أن هذا المسار له قيمة وأنه يمكن أن يقوده فعلاً إلى مواقع القرار. أما إذا اكتشف أن الطريق الأقصر إلى الواجهة هو أن يصنع الشخص اسمه خارج الحزب ثم يدخل إليه جاهزاً، فإن الرسالة التي تصل إلى الأجيال الجديدة تكون سلبية: لا حاجة إلى الاستثمار في العمل التنظيمي، ولا إلى التدرج، ولا إلى بناء الرصيد السياسي داخل المؤسسة، ما دام بإمكان الفرد أن يبني قيمته في مكان آخر ثم يعود إلى الحزب في اللحظة التي يصبح فيها مطلوباً انتخابياً.

وهنا تبدأ المشكلة في ضرب الحزب من الداخل. فالأحزاب لا تعيش فقط على نتائج الانتخابات، وإنما على الحوافز التي تمنحها لأعضائها، وعلى قدرتها على إقناعهم بأن العمل التنظيمي له معنى، وأن المسؤولية ليست امتيازاً تمنحه الشهرة وإنما نتيجة لمسار من العمل والتكوين والإنجاز. فإذا فقد الأعضاء هذا الإحساس، يتحول التنظيم تدريجياً إلى فضاء ينتظر فيه الجميع فرصة أو اسماً خارجياً، بدل أن يكون فضاءً لصناعة القيادات. ومع الوقت، يصبح الحزب أكثر اعتماداً على الشخصيات الفردية وأقل اعتماداً على مؤسساته، وتصبح قوته مرتبطة بأسماء محددة بدل أن تكون مرتبطة بقدرته على إنتاج قيادات متعاقبة.

وهذا هو الفارق بين الحزب الذي يعيش على الأشخاص والحزب الذي يعيش على المؤسسة. الحزب القوي ليس هو الذي يملك أكبر عدد من الأسماء المعروفة، وإنما الذي يستطيع أن يفقد اسماً دون أن يفقد توازنه، وأن يغير قياداته دون أن يدخل في أزمة، وأن يجد في صفوفه أشخاصاً قادرين على تحمل المسؤولية عندما تتغير الظروف. أما الحزب الذي يحتاج في كل مرحلة إلى شخصية جديدة لإنقاذ صورته أو تحسين حضوره الانتخابي، فإنه قد يبدو قوياً في لحظة معينة، لكنه يخفي وراء ذلك ضعفاً في آليات إنتاج القيادة.

ومن هنا ينبغي إعادة النظر في مفهوم التكوين السياسي نفسه. فالتكوين ليس دورة في التواصل، ولا تدريباً على إدارة الحملات، ولا تعلماً لتقنيات الخطاب الانتخابي فقط. التكوين السياسي الحقيقي يبدأ بفهم الدولة والمؤسسات والقانون والاقتصاد والمجتمع والسياسات العمومية، لكنه يتجاوز المعرفة النظرية إلى الممارسة اليومية: كيف يختلف السياسي مع رفاقه؟ كيف يدافع عن موقف لا يحظى بالشعبية؟ كيف يتعامل مع المواطنين؟ كيف يدير مؤسسة منتخبة؟ كيف يوازن بين الممكن والمطلوب؟ كيف يتحمل مسؤولية قرار قد لا يحقق نتائج فورية؟ وكيف ينتقل من التفكير في مصلحته الانتخابية إلى التفكير في المصلحة العامة؟ هذه الخبرات لا يمكن شراؤها من سوق الانتقالات، لأنها تتطلب زمناً وممارسة وتراكماً.

والأمر نفسه ينطبق على التأطير. فالتأطير لا ينبغي أن يظهر فقط عندما تقترب الانتخابات، حين تتحول الفروع إلى أدوات للتعبئة وحشد الأصوات، وإنما يجب أن يكون نشاطاً سياسياً مستمراً يربط الحزب بالمجتمع، ويخلق فضاءً للنقاش، ويكتشف الكفاءات، ويمنح الشباب فرصة للمشاركة، ويحول المواطنين من مجرد ناخبين إلى فاعلين في الحياة العامة. فإذا كان الحزب لا يظهر أمام المواطن إلا في موسم الانتخابات، فمن الطبيعي أن يبحث لاحقاً عن أسماء معروفة تساعده على استعادة الحضور الذي فقده طوال السنوات السابقة.

لذلك فإن أزمة الاستقطاب ليست في الشخص المستقطب بقدر ما هي في المؤسسة التي تستقطبه. إذا كان الحزب يمتلك مدرسة داخلية قوية، فإن استقبال شخصية من خارج التنظيم يمكن أن يكون مصدر إثراء حقيقي، لأنه يضيف خبرة جديدة إلى مؤسسة قادرة أصلاً على إنتاج قياداتها. أما إذا كان الحزب لا يمتلك هذه المدرسة، فإن كل شخصية جديدة تتحول إلى محاولة لسد فراغ، وقد يصبح الاستقطاب مع الوقت بديلاً عن الإصلاح التنظيمي. وفي هذه الحالة لا يعود السؤال: من انضم إلى الحزب؟ بل يصبح السؤال: لماذا لم يستطع الحزب أن ينتج بديلاً من داخل صفوفه؟

وهذا السؤال أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالشباب. فالتجديد لا يعني استبدال القيادات القديمة بالشباب بصورة آلية، لأن الخبرة السياسية لا يمكن اختزالها في العمر، كما أن الشاب لا يصبح كفاءة لمجرد أنه شاب. التجديد الحقيقي هو بناء علاقة صحية بين الأجيال: أن تنقل القيادات القديمة خبرتها، وأن تمنح الأجيال الجديدة مساحة حقيقية للمبادرة، وأن تكون المسؤولية قابلة للانتقال بشكل طبيعي، وأن لا تتحول المواقع التنظيمية إلى ملكيات شخصية مغلقة. المؤسسة التي تنجح في هذا الانتقال تصبح قادرة على الاستمرار، بينما المؤسسة التي تربط نفسها بأشخاص محددين تصبح معرضة للشيخوخة السياسية حتى لو حافظت على حضورها الانتخابي.

ومن هذه الزاوية، فإن «سوق الانتقالات» السياسية ليست مشكلة في حد ذاتها. الديمقراطية تحتاج إلى انفتاح الأحزاب على المجتمع، والمجتمع يضم كفاءات لا يمكن أن تكون كلها قد مرت عبر التنظيمات الحزبية. بل إن انغلاق الأحزاب على أعضائها وحدهم قد يؤدي إلى العكس تماماً: عزلة سياسية، وتكرار للأسماء، وانفصال عن التحولات التي يعرفها المجتمع. المطلوب إذن ليس إغلاق السوق، وإنما منع السوق من أن تصبح بديلاً عن الأكاديمية. الحزب يحتاج إلى استقطاب الخبرة من الخارج، لكنه يحتاج أكثر إلى امتلاك القدرة على إنتاج الخبرة السياسية من الداخل.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الأحزاب: أن تجمع بين الانفتاح والاستمرارية، بين استقبال الكفاءات وإعداد الكفاءات، بين الاستفادة من الأشخاص وبناء المؤسسة. فالشخصية القادمة من خارج الحزب يمكن أن تمنحه دفعة قوية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع حزباً قوياً. والاسم المعروف قد يساعد في الانتخابات، لكنه لا يستطيع أن يعوض غياب الفروع الفاعلة، والتكوين المستمر، والديمقراطية الداخلية، والتدرج التنظيمي، وتجديد القيادات. لذلك فإن نجاح الحزب في استقطاب شخصية وازنة لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، بل بدايته: ماذا سيفعل الحزب بهذه الكفاءة؟ وكيف سيحول خبرتها إلى معرفة جماعية؟ وكيف سيضمن أن لا يبقى تأثيرها مرتبطاً بشخصها وحده؟ وما الذي سيفعله بالتوازي مع ذلك لإعداد عشرة أو عشرين أو مائة اسم جديد من داخل صفوفه؟

هنا يمكن قياس قوة الحزب فعلاً. ليس بعدد الشخصيات التي استطاع أن يستقطبها، وإنما بعدد القيادات التي استطاع أن يصنعها. وليس بقدرته على تغيير صورته قبل الانتخابات، وإنما بقدرته على تجديد نفسه بين انتخاب وآخر. وليس بامتلاكه أسماء قادرة على الفوز، وإنما بقدرته على تكوين سياسيين قادرين على ممارسة المسؤولية حتى عندما لا تكون هناك صناديق اقتراع أمامهم.

في النهاية، لا يتعلق النقاش بفوزي لقجع وحده، ولا بأي اسم آخر قد ينتقل مستقبلاً من الإدارة أو الرياضة أو الاقتصاد أو المجتمع المدني إلى السياسة. الأشخاص يتغيرون، لكن السؤال المؤسساتي يبقى ثابتاً: هل ما زالت الأحزاب قادرة على صناعة السياسي، أم أنها أصبحت تكتفي بالبحث عنه جاهزاً؟

الاستقطاب قد يمنح الحزب اسماً جديداً، وربما يمنحه نتيجة انتخابية أفضل، لكنه لا يضمن له مستقبلاً سياسياً. أما التكوين والتأطير والتدرج وتجديد القيادات، فهي عملية أبطأ وأقل إثارة إعلامياً، لكنها التي تبني المؤسسات القادرة على الاستمرار. ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس أن تجد الأحزاب في كل مرة شخصية جديدة تنقذها من أزمة الحضور، وإنما أن تصبح المؤسسة نفسها قادرة على إنتاج الأشخاص الجدد.

فالحزب الذي يستقطب الكفاءات من الخارج ويكوّن القيادات من الداخل هو الذي يحول الانفتاح إلى قوة، أما الحزب الذي يعتمد على السوق وحدها فسيظل مضطراً، في كل استحقاق، إلى البحث عن أسماء جاهزة لسد الفراغ الذي عجز عن ملئه تنظيمياً. وعندها لا تعود المشكلة في كثرة الانتقالات، بل في غياب المدرسة التي يفترض أن تجعل الحزب منتجاً للسياسيين لا مستهلكاً لهم.

لهذا فإن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: من سينتقل إلى أي حزب؟ وإنما: ماذا تفعل الأحزاب حتى لا يصبح انتقال الكفاءات إليها بديلاً عن تكوين كفاءاتها؟ لأن الحزب الذي يستطيع أن يستقبل الناجحين من المجتمع، وفي الوقت نفسه يصنع قياداته من داخله، هو الذي يملك مقومات المؤسسة السياسية الحقيقية. أما الحزب الذي ينتظر دائماً شخصاً جاهزاً ليجدد صورته، فقد ينجح في الانتخابات، لكنه سيظل عاجزاً عن الإجابة عن السؤال الأعمق: من أين سيأتي بالقيادة عندما تنتهي سوق الانتقالات؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News