رأي

اقتصاد بلا عقيدة: لماذا تحتاج ثورة الذكاء الاصطناعي إلى البراغماتية لا المذاهب؟

اقتصاد بلا عقيدة: لماذا تحتاج ثورة الذكاء الاصطناعي إلى البراغماتية لا المذاهب؟

تطرح ثورة الذكاء الاصطناعي على الفكر الاقتصادي المعاصر إشكالية منهجية قبل أن تكون إشكالية سياسية أو توزيعية: هل تملك المذاهب الاقتصادية الكبرى، بوصفها أطرًا نظرية شاملة صيغت لسياقات تاريخية محددة، القدرة على استيعاب تحول تتغير فيه شروط الإنتاج والعمل والقيمة ليس على مدى العقود، ولا حتى على مدى السنوات، بل على مدى الأشهر، وأحيانًا الأيام، بل قد تُقاس تأثيرات بعض التطورات التقنية بالساعات والدقائق حين يتعلق الأمر بأسواق مالية أو منظومات تداول آلي تستجيب لحظيًا لكل مستجد؟ هذا التسارع غير المسبوق في وتيرة التغير يفرض سؤالاً جوهريًا: هل يصح أصلاً التعامل مع هذه اللحظة التاريخية من موقع اليقين النظري المسبق الذي تقدمه المذاهب الاقتصادية التقليدية؟

تنطلق هذه المقالة من أطروحة مركزية مفادها أن الأمم القادرة على إدارة هذا التحول بكفاءة ليست بالضرورة تلك الأكثر التزامًا بنقاء عقائدي معين، بل تلك القادرة على تبني مقاربة براغماتية بوصفها منهجية في صنع القرار الاقتصادي، تقيس السياسات بنتائجها القابلة للرصد والقياس، لا بمطابقتها لنص نظري مسبق. غير أن هذه الأطروحة تستوجب توضيحًا مفاهيميًا دقيقًا منذ البداية: البراغماتية، كما ستُعرَض في هذه المقالة، ليست غيابًا للمبدأ أو فراغًا معياريًا، بل هي التزام صريح بمبدأ محدد: أولوية المرونة المنضبطة بالقيم والنتائج القابلة للقياس، على الولاء الأعمى لإطار نظري شامل واحد. سيُبنى الاستدلال في هذه المقالة على ثلاث خطوات متتابعة: تشخيص أولي لأوجه القصور البنيوي في المذاهب الاقتصادية الكبرى إزاء الذكاء الاصطناعي، ثم تأسيس مفاهيمي للبراغماتية بوصفها موقفًا إبستيمولوجيا قبل أن تكون سياسة اقتصادية، وأخيرًا مساءلة نقدية لحدود هذا الموقف ذاته.

أولاً: حدود المذاهب الاقتصادية الكبرى إزاء منطق الذكاء الاصطناعي

  1. الرأسمالية الحرة: كفاءة تخصيصية بلا بوصلة توزيعية

    يقوم الافتراض التأسيسي للمنطق الرأسمالي الكلاسيكي على أن السوق، حين يُترك لآلياته الذاتية، ينتج تخصيصًا أمثل للموارد وتوزيعًا يعكس الإنتاجية الحدية لكل فاعل اقتصادي. هذا الافتراض استمد معقوليته التاريخية من بنية اقتصادية توزّعت فيها عوامل الإنتاج، رأس المال والعمالة والمعرفة التقنية، عبر عدد كبير نسبيًا من الفاعلين المتنافسين، بما يجعل آلية “اليد الخفية” قابلة للعمل ضمن حدود تنافسية معقولة.

    غير أن اقتصاد الذكاء الاصطناعي يُخضع هذا الافتراض لاختبار بنيوي مغاير. فالقدرة الحوسبية الفائقة، والبيانات الضخمة، والكفاءات البشرية النادرة القادرة على تطوير النماذج المتقدمة، تتمركز في عدد محدود جدًا من الكيانات الاقتصادية. هذا التمركز ليس اختلالاً عرضيًا قابلاً للتصحيح الذاتي عبر آليات السوق، بل هو نتيجة منطقية لخاصية بنيوية في هذه التقنية بالذات: خضوعها لمنطق “العوائد المتزايدة للحجم، increasing returns to scale “، حيث تتحسن أداء النماذج بازدياد حجم البيانات المتاحة لها، وهو ما يجذب مزيدًا من المستخدمين ومزيدًا من البيانات، في حلقة تراكمية ذاتية التعزيز تُقصي الفاعلين الجدد بدلاً من أن تفتح أمامهم مسارات دخول تنافسية. بعبارة أخرى، فإن ما يفترضه المنطق الرأسمالي شرطًا استثنائيًا يستوجب تدخلاً تصحيحيًا (الاحتكار) يتحول هنا إلى نزعة بنيوية كامنة في التقنية ذاتها، وهو ما يفوق قدرة الإطار النظري الرأسمالي الكلاسيكي على استيعابه دون مراجعة جوهرية لافتراضاته الأساسية.
  2. الاشتراكية والتخطيط المركزي: تعارض بنيوي بين إيقاع القرار وإيقاع التغير التقني

    يطرح المنطق الاشتراكي التقليدي، في مواجهة إشكالية التمركز السابقة، حلاً يبدو للوهلة الأولى متسقًا: إخضاع وسائل الإنتاج الرقمية – البيانات، الخوارزميات، البنية الحوسبية – لإدارة جماعية أو حكومية تُعيد توزيع عوائدها وفق معيار العدالة لا الملكية الخاصة. غير أن هذا الحل يصطدم بمشكلة عملية ذات طابع بنيوي لا عرضي: التخطيط المركزي، بحكم بنيته المؤسسية ذاتها، يفترض دورات قرار طويلة نسبيًا، تستوجب تنسيقًا بيروقراطيًا معقدًا وتوافقًا سياسيًا يصعب تحقيقه بالسرعة التي يفرضها إيقاع تغير تقني يُقاس، كما أشرنا، بالأشهر لا بالسنوات. حين يستغرق اعتماد إطار تنظيمي واحد سنتين أو ثلاثًا في المسار المؤسسي التقليدي، بينما تتغير الأجيال التقنية للنماذج كل بضعة أشهر، تجد الدولة نفسها في وضعية بنيوية دائمة من “التأخر التنظيمي – regulatory lag “، حيث تُنظَّم دومًا حالة تقنية سبق أن تجاوزها الواقع فعليًا.

    يُضاف إلى ذلك أن الابتكار التقني في هذا الحقل بالذات ارتبط تاريخيًا، حتى الآن على الأقل، بحوافز تنافسية أكثر ارتباطًا بمنطق السوق، وإن كان هذا لا ينفي الدور التأسيسي للاستثمار الحكومي في المراحل الأولى من تطوير هذه التقنيات، وهي نقطة ستُستأنف لاحقًا. اقتصاد مخطط مركزيًا بالكامل قد يعالج جزئيًا إشكالية التمركز الثروي، لكنه يُخاطر في المقابل بإضعاف آلية الابتكار السريع التي يستوجبها التنافس التقني على المستوى العالمي.
  3. النيوليبرالية: عجز مؤسسي أمام فاعلين اقتصاديين عابرين للحدود الوطنية

    تبنّت حكومات عديدة، ابتداءً من ثمانينيات القرن العشرين، توجهًا نيوليبراليًا قائمًا على تقليص تدخل الدولة، وتحرير التجارة، وتوسيع نطاق الخصخصة، استنادًا إلى افتراض أن الأسواق العالمية المترابطة ستُنتج ضبطًا ذاتيًا عبر آليات المنافسة الدولية. غير أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى تعمل اليوم كفاعلين اقتصاديين يتجاوزون فعليًا الحدود الوطنية، بموارد مالية تفوق أحيانًا الناتج المحلي الإجمالي لدول متوسطة الحجم، وبقدرة فعلية على ممارسة ما يمكن تسميته “التسوق التنظيمي” (regulatory arbitrage)، أي اختيار الولاية القضائية الأكثر تساهلاً لتسجيل العمليات الحساسة أو معالجة البيانات. هذا الواقع يُفرغ الأدوات النيوليبرالية التقليدية، المصممة أصلاً لتقليص قدرة الدولة الفردية على التدخل داخل حدودها، من فعاليتها أمام قوة اقتصادية تتجاوز بنيويًا نطاق أي سيادة وطنية منفردة.
  4. القصور المشترك في افتراض اليقين النظري المسبق

    يكشف التحليل السابق أن هذه المذاهب الثلاثة، رغم تعارضها الظاهري، تشترك في افتراض إبستيمولوجي واحد: وجود إطار نظري شامل قابل للتطبيق المسبق على أي إشكالية اقتصادية، بصرف النظر عن خصوصية سياقها التاريخي والتقني. هذا الافتراض بالذات هو ما يعجز عن الصمود أمام تقنية تُعيد تشكيل شروط الإنتاج والعمل والتوزيع في دورات زمنية متسارعة باستمرار. لا يكمن القصور، بهذا المعنى، في “خطأ” داخلي لكل مذهب على حدة، بل في الوظيفة الإبستيمولوجية التي يؤديها كل مذهب حين يُطبَّق كإطار شامل مسبق: فرض حل موحد على مشكلة لم تتضح ملامحها الكاملة بعد.

    ثانيًا: البراغماتية بوصفها موقفًا إبستيمولوجيًا لا مذهبًا اقتصاديًا
  5. الأساس الفلسفي: نظرية البراغماتيين في الحقيقة

    يستوجب فهم البراغماتية كموقف اقتصادي العودة إلى أصولها الفلسفية عند تشارلز ساندرز بيرس، الذي أرسى أسسها المنهجية الأولى، وويليام جيمس الذي طوّر نظريتها في الحقيقة، وجون ديوي الذي أسّس لتطبيقاتها المؤسسية والسياسية. تقوم الفكرة المركزية في هذا التقليد الفلسفي على أن قيمة أي قضية أو نظرية لا تُقاس بمدى اتساقها المنطقي الداخلي، ولا بمطابقتها لمبدأ مثالي مجرد سابق على التجربة، بل تُقاس بنتائجها العملية حين تخضع للاختبار في سياق واقعي محدد. الحقيقة، في هذا الإطار، ليست كيانًا ثابتًا يُكتشف نظريًا ثم يُطبَّق لاحقًا على الواقع، بل هي صفة “تحدث” لفكرة ما حين تُثبت قدرتها على حل مشكلة فعلية بنجاح قابل للرصد. يرتبط بهذا الموقف مبدأ إبستيمولوجي مكمّل هو “الوقوعية” أو “الخطئية المنهجية” (fallibilism)، أي الإقرار المبدئي بأن أي معرفة، بما فيها المعرفة الاقتصادية، قابلة للمراجعة في ضوء تجربة لاحقة تُفنّد افتراضاتها.
  6. التمييز المفاهيمي: البراغماتية كمنهجية لا كنظرية شاملة

    من الضروري، تفاديًا لالتباس مفاهيمي جوهري، التأكيد على أن البراغماتية ليست “مذهبًا اقتصاديًا” بالمعنى الذي تُفهم به الرأسمالية أو الاشتراكية، أي بوصفها نظرية شاملة متكاملة حول طبيعة الملكية والتوزيع والإنتاج. إنها، بدلاً من ذلك، منهجية في صنع القرار تنتمي إلى مستوى إبستيمولوجي مغاير: لا تُجيب عن سؤال “ما هو النظام الاقتصادي الأمثل؟”، بل تُعيد صياغة السؤال ذاته لتسأل “ما هي الأداة الأنسب لحل هذه المشكلة المحددة، في هذا السياق، وبأي معيار يُقاس نجاحها؟”. هذا التمييز المفاهيمي يحدد بدقة ما يمكن أن تقدمه البراغماتية وما لا يمكنها تقديمه: هي لا تحل محل منظومة القيم الحاكمة للسياسة الاقتصادية (كالعدالة التوزيعية أو الحرية الفردية)، بل تحل محل الالتزام المسبق بإطار نظري واحد بوصفه الوسيلة الوحيدة المشروعة لتحقيق تلك القيم. بهذا المعنى تحديدًا، يمكن وصف البراغماتية بأنها موقف ما بعد أيديولوجي – post-ideological stance : لا تنفي وجود قيم ناظمة، بل تنفي حصرية الوسيلة النظرية الواحدة لتحقيقها.
  7. آلية التطبيق: معيار النجاح القابل للقياس وبنية “السياسة التكرارية”

    حين تُترجَم هذه الفلسفة إلى ممارسة اقتصادية، فإنها تستوجب أن يبدأ صانع القرار من تشخيص دقيق للمشكلة بذاتها، لا من التزام مسبق بأن الحل “يجب أن يكون” خصخصة أو تأميمًا أو أي شكل محدد سلفًا من التدخل. تُختار الأداة، سواء كانت سوقية أو تنظيمية أو مختلطة، بناءً على ملاءمتها للسياق المحدد، ويبقى تطبيقها مشروطًا بآلية مراجعة مستمرة قابلة لتعديل المسار أو التراجع عنه إذا أظهرت التجربة عدم فعاليتها. يستلزم هذا ما يمكن تسميته بنية “السياسة التكرارية – iterative policymaking”، والتي تقوم على ثلاثة عناصر مؤسسية: آليات رصد وتقييم كمي مستمرة لأثر كل سياسة، أطر تشريعية مؤقتة وقابلة للمراجعة الدورية بدلاً من تشريعات جامدة طويلة الأمد، وثقافة مؤسسية تتقبل الإقرار بالخطأ وتصحيح المسار باعتباره جزءًا بنيويًا من العملية لا فشلاً سياسيًا يستوجب المساءلة العقابية.
  8. سوابق تاريخية للمنطق البراغماتي في السياسة الاقتصادية

    يمكن استحضار نموذجين تاريخيين سابقين على عصر الذكاء الاصطناعي، لكنهما يوضحان بجلاء المنطق البراغماتي موضع النقاش. يمثل برنامج “الصفقة الجديدة – New Deal” الذي أطلقته الإدارة الأمريكية في ثلاثينيات القرن الماضي استجابة لأزمة الكساد الكبير نموذجًا دالًا: لم يستند هذا البرنامج إلى نظرية اقتصادية واحدة متسقة، بل شكّل مزيجًا عمليًا من التدخل الحكومي المباشر في برامج التوظيف، والتنظيم الصارم للقطاع المالي، مع الإبقاء على جوهر الملكية الخاصة وآليات السوق. لم يكن هذا البرنامج قائمًا على حسم أيديولوجي مسبق، بل على منطق تجريبي يحتفظ بالأدوات التي تُثبت فعاليتها ويتخلى عن سواها.

    أما النموذج الثاني، وربما الأكثر دلالة، فهو الإصلاحات الاقتصادية الصينية ابتداءً من أواخر السبعينيات، والتي عبّرت عن منطقها البراغماتي بصيغة مكثفة معروفة تربط معيار الحكم على أي سياسة بنتيجتها العملية لا بمطابقتها لمبدأ مسبق. سمحت هذه الإصلاحات بإنشاء مناطق اقتصادية خاصة تعمل وفق منطق السوق التنافسي، بينما ظلت قطاعات استراتيجية أخرى خاضعة لسيطرة الدولة المباشرة، وهو مزيج لا يحقق اتساقًا نظريًا مع أي مذهب “نقي”، لكنه أنتج، من الناحية التجريبية القابلة للقياس، أحد أسرع التحولات الاقتصادية المسجلة في التاريخ الاقتصادي الحديث.

    ثالثًا: الملاءمة البنيوية بين المنطق البراغماتي وخصائص التحول الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي

    يمكن تحديد ثلاثة عوامل بنيوية تُفسّر الملاءمة الخاصة بين المقاربة البراغماتية وطبيعة التحول الذي تفرضه ثورة الذكاء الاصطناعي تحديدًا، دون سواها من التحولات التقنية السابقة.
  9. عامل السرعة وضرورة قابلية التراجع

    تستوجب القرارات المرتبطة بتنظيم الذكاء الاصطناعي، من الضرائب على القيمة الرقمية المضافة، إلى برامج إعادة التأهيل المهني، إلى أطر حماية البيانات، إلى السياسات المحتملة للدخل الأساسي الشامل كاستجابة للإحلال الوظيفي، دورات تجربة ومراجعة قصيرة نسبيًا، تتناسب مع إيقاع تغير يُقاس، كما تقدم، بالأشهر لا بالعقود. أي إطار مذهبي جامد يفرض حلاً واحدًا مسبقًا يفتقر بنيويًا إلى آلية داخلية لتصحيح مساره بالسرعة الكافية إذا ثبت خطؤه. المقاربة البراغماتية، على النقيض، تُدمج مبدأ “قابلية التراجع – reversibility” كشرط تصميمي أساسي منذ لحظة صياغة السياسة، إذ تُطرح كل سياسة بوصفها فرضية قابلة للقياس والمراجعة، لا حلاً نهائيًا مغلقًا.
  10. عامل التعقيد القطاعي وتباين الحلول الملائمة

    لا يوجد حل واحد ملائم لكل قطاع في مواجهة تداعيات الذكاء الاصطناعي. يستوجب قطاع الصحة تنظيمًا صارمًا يحمي خصوصية البيانات الحساسة وسلامة المرضى، في حين قد يستفيد قطاع الإبداع الرقمي من بيئة تنظيمية أكثر انفتاحًا تُشجّع التجريب. يستوجب قطاع التعليم استثمارًا عامًا واسعًا لإعادة تأهيل القوى العاملة، بينما يمكن ترك بعض التطبيقات الاستهلاكية للذكاء الاصطناعي لمنطق تنافسي أقرب إلى حرية السوق. فرض منطق مذهبي موحد على هذا التباين القطاعي يُخاطر بعدم ملاءمة أي من هذه السياقات بشكل كافٍ، بينما يسمح المنطق البراغماتي بتبني معايير متمايزة لكل قطاع وفق خصوصيته.
  11. عامل عدم اليقين النظري البنيوي

    يستوجب النقاش الأكاديمي الرصين الإقرار الصريح بأنه لا يوجد، حتى اللحظة، نموذج نظري اقتصادي مكتمل يُفسّر بدقة كيفية إعادة تشكّل سوق العمل والقيمة المضافة وآليات التوزيع في اقتصاد تهيمن عليه تقنيات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. صيغت النظريات الكلاسيكية حول القيمة المرتبطة بالعمل البشري، وحتى النظريات الحديثة نسبيًا حول رأس المال البشري، في سياقات لم تكن تتصور إمكانية إحلال آلي لمهارات معرفية معقدة بهذه الوتيرة وهذا النطاق. في غياب نظرية ناضجة قادرة على استيعاب هذا التحول، يصبح الادعاء بامتلاك “الحل الشامل” النابع من مذهب بعينه مجازفة إبستيمولوجية أكبر بكثير من الإقرار المنهجي بالحاجة إلى تجريب منضبط ومراقَب.
  12. مؤشرات تجريبية معاصرة

    يمكن رصد نزعات براغماتية، وإن لم تُصَغ صراحة بهذا المصطلح الفلسفي، في عدد من التجارب الوطنية المعاصرة. تجمع سنغافورة بين انفتاح اقتصادي واسع وتدخل حكومي مباشر في التخطيط الاستراتيجي وبرامج إعادة التأهيل المهني المستمر، دون التزام صارم بإطار مذهبي واحد. يجمع النموذج الألماني، عبر ما يُعرف باقتصاد السوق الاجتماعي، بين حرية السوق وشبكة حماية اجتماعية قوية، مع مرونة ملحوظة في تعديل السياسات الصناعية استجابة للتحولات التقنية. حتى الصين، رغم اختلاف إطارها السياسي جذريًا، تُظهر في سياساتها التقنية منطقًا تجريبيًا واضحًا، عبر السماح بمناطق تجربة تنظيمية محدودة النطاق لتقنيات ناشئة، قبل تعميم أي إطار قانوني وطني شامل.

    رابعًا: مساءلة نقدية – حدود المقاربة البراغماتية

    تستوجب الأمانة المنهجية عدم تقديم البراغماتية كحل خالٍ من المخاطر المفاهيمية والعملية. يمكن تحديد ثلاثة إشكاليات جوهرية تواجه هذه المقاربة.
    إشكالية الانزلاق نحو التبرير الانتهازي: في غياب بوصلة قيمية واضحة ومُعلنة، يمكن لأي سياسة تخدم مصالح ضيقة غير متسقة، بل حتى ممارسات المحسوبية أو الفساد المؤسسي، أن تُبرَّر باسم “البراغماتية” ومعيار “ما ينجح”. حين يغيب المعيار الأخلاقي الناظم، يصبح مفهوم “النجاح” فضفاضًا بما يكفي لتبرير أي قرار يخدم الفاعلين الأكثر نفوذًا سياسيًا أو اقتصاديًا في لحظة معينة، تحت غطاء الحياد الفني والموضوعية الإجرائية.

    إشكالية تحديد معيار النجاح ذاته: يفترض معيار “ما ينجح” ضمنيًا وجود إجماع مسبق حول تعريف النجاح، وهو افتراض غير مسلَّم به. قد “تنجح” سياسة اقتصادية معينة وفق مقياس نمو الناتج المحلي الإجمالي، بينما “تفشل” في الوقت ذاته وفق مقياس العدالة التوزيعية أو حماية الفئات الهشة. من يملك السلطة الفعلية على تحديد معيار القياس يملك عمليًا سلطة توجيه مسار السياسة بأكملها، مع الاحتفاظ بغطاء الحياد المنهجي الذي توفره اللغة البراغماتية ذاتها.

    ضرورة الأطر القيمية الناظمة: يقود هذا النقد إلى استنتاج منهجي ضروري: البراغماتية الاقتصادية السليمة إبستيمولوجيًا ليست غيابًا للمبادئ، بل إطار إجرائي يعمل داخل منظومة قيم مُعلَنة وثابتة نسبيًا، تشمل شفافية عملية صنع القرار، والالتزام بالعدالة التوزيعية كهدف ثابت ولو تغيرت الأدوات المستخدمة لتحقيقه، والخضوع لآليات مساءلة ديمقراطية عن نتائج كل تجربة سياسية. بدون هذا الإطار القيمي الناظم، تنزلق البراغماتية من كونها منهجية عملية منضبطة إلى ما يمكن وصفه بـ”فوضى مقنّعة بلغة الكفاءة الفنية”.

    خاتمة

    لا تمثل البراغماتية، وفق الطرح المقدَّم في هذه المقالة، غيابًا للمبدأ أو تنازلاً عن الوضوح النظري، بل التزامًا صريحًا بمبدأ محدد: أولوية المرونة المنضبطة والاستجابة القابلة للقياس على الولاء الجامد لعقيدة اقتصادية مسبقة. في سياق تاريخي تتغير فيه شروط الإنتاج والعمل والقيمة بوتيرة تُقاس بالأشهر بل بالأيام، يصبح التمسك بمذهب اقتصادي “نقي”، رأسماليًا كان أم اشتراكيًا أم نيوليبراليًا، أقرب إلى تطبيق إطار تحليلي صيغ لشروط تاريخية مختلفة جذريًا على واقع يفتقر أصلاً إلى نظرية ناضجة تفسّره بالكامل.

    الأمم القادرة على إدارة هذا التحول بكفاءة لن تكون بالضرورة الأكثر التزامًا بنص نظري بعينه، بل الأكثر قدرة على البناء المؤسسي لثقافة التجربة المنضبطة: إقرار سياسة، وقياس أثرها بدقة كمية، وتصحيح مسارها دون اعتبار ذلك إخفاقًا سياسيًا إذا ثبت خطؤها، على أن يتم ذلك كله ضمن التزام صريح ومُعلَن بقيم العدالة والشفافية التي تحول دون انزلاق “البراغماتية” إلى غطاء إجرائي لمصالح ضيقة. اقتصاد بلا عقيدة جامدة، لكنه ليس بالضرورة اقتصادًا بلا قيم ناظمة، هذه هي المعادلة المنهجية التي تستوجبها ثورة الذكاء الاصطناعي: ليس مذهبًا جديدًا يُضاف إلى قائمة المذاهب المتنافسة، بل منهجية تتجاوز أصلاً منطق الاصطفاف المذهبي ذاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News