رأي

سيناريوهات “المخرج الكسول” كيف يكرر تدبير الشأن العام نفس الأخطاء بعيداً عن نبض الشارع

سيناريوهات “المخرج الكسول” كيف يكرر تدبير الشأن العام نفس الأخطاء بعيداً عن نبض الشارع

عندما نتأمل في مجريات الشأن العام في بلدنا، نجد أن النقاش حول الانتخابات التشريعية واختيار الوجوه التي ستقود الحكومة المقبلة غالبا ما تدور في دائرة تكون معروفة إلى حد ما . فكل مرحلة سياسية تظهر فيها مقاربة تساعد في تشكيل المشهد السياسي، حيث يعمل ” المخرج الكسول” على نسخ التجارب السابقة وتكرار الأساليب القديمة، دون أن يأخذ بعين الاعتبار أن العالم من حولنا يتغير بسرعة وأن المجتمع يمر بتحولات عميقة لا يمكن تجاهلها أو تكرار نفس تجربة أخنوش مع القجع في السياق الحالي.

فالتفكير في إعطاء مهمة قيادة الحكومة لشخصية إدارية أو تقنوقراطية، لا تلامس نبض الشارع أو المجتمع يعكس فهم محدود لطبيعة التحديات التي نواجهها اليوم. فبينما العالم يعاني من أزمات اقتصادية وتقلبات جيوسياسية، يبقى المجتمع المغربي يعاني من مشاكل داخلية كغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية والبطالة . فكل مرحلة تاريخية تتطلب أدوات مختلفة عن سابقتها. والإصرار على تجاهل هذه الحقيقة يجعل مؤسساتنا غير قادرة على ابتكار حلول حقيقية وفعالة.

هذا الأسلوب القديم والبعيد عن روح الديموقراطية خلق آثار نفسية واجتماعية مقلقة، من بينها تراجع المشاركة السياسية خاصة لدى الشباب. فعندما يرى المواطن أن تدبير الشأن العام يتم بمنطق لا يعبر عن واقعه اليومي وأن الوجوه والخطابات تتكرر دون تغيير، يشعر بالإحباط ويعتقد أن السياسة أصبحت فضاء لا جدوى منه ومتاهة لا تلبي طموحاته. وعندما تبتعد المؤسسات عن نبض الشارع يضعف الانتماء وتتسع الهوة بين المواطنين والدولة يوما بعد يوم مما يدفع المواطنين نحو الهجرة و البحث عن مجال افضل من بلدهم الأم.

وفي ظل هذه الحالة تفقد الأحزاب السياسية دورها الحقيقي كوسيط بين الدولة والمجتمع. فهي تتحول إلى هياكل موسمية تغيب عنها الأفكار والرؤى البديلة، مما يؤدي إلى تدهور الثقة فيها، ليس فقط في الأحزاب وإنما في الديمقراطية بشكل عام. وبذلك يتحول العمل السياسي من فعل تشاركي إلى مجرد روتين شكلي لا يلامس تطلعات المواطنين ولا يترك أي اثر ايجابي في حياتهم.

و من أخطر نتائج هذا النمط هو شخصنة السياسة. فبدل من أن يكون الصراع السياسي مبني على مشاريع مجتمعية وأفكار واضحة تسعى لخدمة الوطن، يتحول إلى معركة عاطفية مؤقتة أو نقد سطحي للأشخاص . كما أن غياب المرجعيات الفكرية يجعل النقاش العام خالي من أي تصور استراتيجي بعيد المدى يضمن حقوق الأجيال القادمة.

وفي هذا السياق، يبقى السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه ليس من سيقود الحكومة، بل عن المشروع الذي يحمله رئيس الحكومة و بأي شرعية سوف يقود؟. و ليس المهم عدد المقاعد التي ستفوز بها الأحزاب، بل مدى فعالية الشخص الذي يجلس على المقعد وقدرته على مواكبة التحديات التي يواجهها المجتمع. فالأمر لا يتعلق بكثرة المقاعد البرلمانية، وإنما يتعلق بجدارة نواب الأمة في تقديم حلول حقيقية وتحمل مسؤولية المرحلة والعمل على تحقيق تطلعات الشعب بشكل فعلي وواقعي.

دكتور ياسين امناي
متخصص في علم النفس الاجتماعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News