حوارات

بوعياش لمدار21: امتناع الحكومة عن إقرار قانون لإلغاء الإعدام غير مفهوم

مضى ما يزيد عن عقدين ونصف من الزمن عن آخر تنفيذ لحكم بالإعدام في المغرب، في حق قائد الشرطة محمد مصطفى ثابت الشهير بـ”الحاج ثابت”، في قضية مثيرة شغلت الرأي العام الوطني سنة 1993. ومنذ ذلك الوقت، وبالرغم من عدم تنفيذه فعليا، فما تزال المحاكم تنطق به، في وقت العشرات من المحكومين بتلك العقوبة يقبعون في السجون، بعضهم قضوا سنوات طويلة داخلها وهم يترقبون ما قد يحمله الغد، خصوصا في ظل عدم الإلغاء الصريح لتنفيذ العقوبة في القانون المغربي، وهو ما دفع عشرات الحقوقيين والمنظمات الدولية الناشطة في المملكة، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان مرارا إلى دق ناقوس الخطر.

ومع تعاقب الحكومات، يبقى هذا المطلب قائما، بحسب رئيسة المجلس الوطني لحقوق، آمنة بوعياش، التي خصت “مدار21” بحوار مطوّل، نتناول في هذا الجزء منه واقع تنفيذ الإعدام بين النص التشريعي والإلغاء الفعلي.

كيف ترون اليوم، واقع تنفيذ عقوبة الإعدام في المغرب، وهل يتماشى هذا الوضع مع التوصيات التي تقدمت بها هيئة الانصاف والمصالحة قبل عقدين من الزمن تقريبا؟

“خارطة الطريق” التي رسمتها هيئة الإنصاف والمصالحة في تقريرها الختامي، من أجل تعزيز حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، تضمنت توصيات إصلاحات عامة (مؤسساتية وتشريعية) من أجل الوقاية من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ترجمتها الوثيقة الدستورية، بالخصوص، إلى أحكام ومقتضيات أسمى، علاوة على إصلاحات مؤسساتية وتشريعية لاحقة عززت منظومة حماية حقوق الإنسان بالمغرب. ويبقى من وجهة نظرنا الفصل 20 من الدستور أبرز تجليات هذا المسار، إذ أن أحكام هذا الفصل لا تكرس فقط الحق في الحياة، باعتباره أول الحقوق وأسماها، بل تحصنه من خلال إلقاء واجب دستوري صريح على عاتق المشرع يتمثل في حماية هذا الحق من أي مس أو انتهاك أو خرق.

إن الوضع لا يتماشى تماما مع توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، بشأن عقوبة الإعدام. صحيح أن الهيئة أوصت فيما يتعلق بالسياسات العقابية بانتهاج التدرج في الإلغاء، لكن الغاية والمراد في نص هذه التوصية ظل هو الحد من العقوبة وإلغائها. علاوة على ذلك أوصت الهيئة صراحة بالمصادقة على البروتوكول الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلق بمنع عقوبة الإعدام، وهي التوصية التي تبقى إلى غاية اليوم دون إعمال. ومنذ 2006 إلى اليوم يراوح النص التشريعي مكانه بخصوص العقوبة.

ولا يفوتني أن أذكر كذلك بأن عقوبة الإعدام بالمغرب موضوع نقاش مجتمعي وترافع مدني قوي، أشادت بهما أعلى سلطة في البلاد، التي اعتبرت أن هذا النقاش سيمكن من إنضاج وتعميق النظر. نحن اليوم فيما اعتبره طريق الإلغاء، بالنظر إلى مسار الترافع المؤسساتي والحقوقي بالمغرب وبالنظر أيضا إلى المكتسبات والإصلاحات المسجلة والتغير على مستوى العقليات، وهو ما يجعل من إلغاء عقوبة الإعدام، اليوم أكثر من أي وقت مضى، وجهة واضحة وليست ببعيدة.

هل توجد صعوبات بين الإلغاء الفعلي لعقوبة الإعدام والإلغاء التشريعي؟

ليست صعوبات بقدر ما هي في الواقع تردد للمُشرِّع المغربي في الحسم في مسألة الإلغاء. ذلك أن المحاكم المغربية تُصدِر بالفعل أحكاما بالإعدام، وفقا لما تنص عليه التشريعات الوطنية. لكن على مستوى الممارسة، يُعتبر المغرب من الدول التي تعتمد وقف تنفيذ العقوبة في الواقع (de facto moratorium).

رغم أن المغرب لم ينفذ عقوبة الإعدام منذ 1982، مع استثناء واحد وأخير سنة 1993، فالحكومة المغربية تمتنع في كل مرة عن التصويت على مشروع قرار الجمعية العامة الأمم المتحدة بوقف تنفيذ عقوبة الإعدام. وبهذا الشأن، قام  المجلس الوطني لحقوق الإنسان بتوجيه نداء إلى السلطات في نونبر 2020 من أجل التصويت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة شهر دجنبر 2020، الخاص بوقف تنفيد العقوبة الإعدام.

والواقع أننا لا نفهم مرتكزات امتناع الحكومة عن التصويت على قرار يتطابق مع واقع عدم تنفيذ عقوبة الإعدام بالمغرب. ما نسجله إذن هو هذا التباين بين الواقع والممارسة السياسية بخصوص عقوبة الإعدام، وهو ما يتطلب الحسم في اتجاه تكريس حماية الحق في الحياة واستحضار محطات ومكتسبات طريق الإلغاء بالمغرب.

قلّص المشرع المغربي  عدد الجرائم التي يُعاقب عليها بالإعدام، ألا يعد هذا انتصارا بحد ذاته؟

من الناحية الموضوعية، يمكن النظر إلى تقليص الجرائم التي تصل عقوبتها إلى الإعدام بشكل إيجابي إذا ما استحضرنا منطق التدرج في إلغاء عقوبة الإعدام، رغم أن هذا الأمر لا يجيب في الواقع عن جميع الإشكاليات التي تتعلق بعقوبة الإعدام بالمغرب، خاصة واجب الحماية الدستوري للحق في الحياة، ولا يحسم التردد التي تحدثنا عنه.

من الناحية العملية، وعلى مستوى الواقع والممارسة، في السياق المغربي الراهن، يمكن اعتبار تقليص الجرائم والاستمرار في إصدار الأحكام في الإعدام تراجعٌ عن مكتسب ملموس وحقيقي في سياق عقوبة الإعدام في المغرب، وهو الوقف الفعلي لتنفيذ العقوبة في الممارسة لأربعة عقود تقريبا الآن (مع استثناء واحد ووحيد سنة 1993). وبالتالي لا يمكن في جوهر الأمر اعتبار تقليص عدد الجرائم مكسبا حقيقيا، لأن سقفه لا يرقى لواقع ممارسة متقدمة عليه. حركة المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام لا تطالب في واقع الأمر سوى بتكريسٍ وتحصينٍ تشريعي لواقع قائم أصلا، بشكل ينسجم مع الوثيقة الدستورية والمواثيق الدولية ويستجيب للواقع ويلغي بنص صريح وواضح عقوبة الإعدام، التي تعتبر عقوبة قاسية ولا إنسانية ومهينة وغير رادعة، تمس بمفهوم العدالة وتضعها في مرتبة الانتقام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *