في الحاجة الملحة لـ”كازا تواصل”

تشهد مدينة الدارالبيضاء حاليا تطورا ملحوظا على عدة أصعدة، لا سيما على مستوى البنية التحتية وتجهيزاتها الأساسية. ويتجلى ذلك في عدد خطوط الترامواي التي باتت تخترق جسم المدينة وطول هذه الخطوط وتقاطعاتها، كما يتجلى ذلك أيضا في مدارات الطوليبس التي تم إحداثها، والمنشآت المتعددة التي تم إنجازها، أو استكمال بنائها أو تجهيزها، بعد أن كانت متوقفة لمدة طويلة. ويتمثل هذا التحول بالأساس، في نظري، في الجدية التي تدبر بها سلطات المدينة المعاناة الكبرى والحقيقية التي تواجه سكان الميتربول في مجال التنقل والازدحام المروري، والذي يتجلى في أعداد نساء ورجال الأمن الذين يسهرون، نهارا ومساءا، على تنظيم المرور في العديد من نقاط التقاطع الطرقي المنتشرة في كافة أطراف المدينة المترامية الأطراف.
والحقيقة أنه ما كان لهذا التحول في منظومة تدبير شؤون المدينة أن يتحقق لولا نموذج الحكامة الحضرية الذي أرساه والي الجهة الحالي، منذ تعيينه على رأسها، والذي يمكن تلخيص فلسفته في جملة واحدة وهو “العمل الميداني ومواجهة المشاكل في عين المكان والحرص ما أمكن دون استفحالها”. وللحقيقة أيضا، فإن مختلف مراكز القرار داخل المدينة، وفي مقدمتها مجلس جماعة الدارالبيضاء والهيئات المنتخبة الأخرى والمؤسسات المنبثقة عنه، انخرطت بدورها، في نهاية المطاف، في هذا النمط التدبيري الجديد.
ولكن، هل يمكن القول إن هذا النموذج في الحكامة الحضرية كاف وحده لمواجهة أزمات المدينة بأشكالها وحمولاتها المتنوعة والمتعددة؟ أليس بالإمكان إبداع أحسن مما هو كائن حاليا؟ وما هو هامش التطور الممكن إدخاله على المنظومة التدبيرية الحالية لإكسابها المزيد من الفعالية الإيجابية في أعين سكان المدينة المعنيين بالأمر بالدرجة الأولى؟
للجواب على مجمل هذه الأسئلة، ينبغي أن نترك جانبا، رغم أهميته القصوى، نظام التسيير المتعدد المستويات الذي تخضع له المدينة حاليا، والذي بات من الضروري أن يخضع للتقييم، على الأقل في جانبه الخاص بالنظام الجماعي الحالي ذي المستويين- المجلس الجماعي ومجالس المقاطعات؛ وأن نركز، بدلا من ذلك، على الحلقة المفقودة في المنظومة التدبيرية الحالية لشؤون المدينة؛ ألا وهم سكان المدينة أنفسهم.
أجل، يخيل للمتأمل للنمط الحالي لتدبير المدينة أن هذا الأخير يقوم على قاعدة التدبير لفائدة السكان، في حين أنه ينبغي أن يقوم على قاعدة التدبير مع السكان. إن الفرق شاسع وكبير بين النمطين. وأنه حان الوقت، سيما في ظل التحولات الديمغرافية والاجتماعية والثقافية والسلوكية التي كشف عنها الإحصاء الأخير للسكان والسكنى، أن ننتقل ببلادنا من نظام اللامركزية الترابية إلى نظام الحكامة الترابية، هذا الأخير الذي يجعل من استشارة السكان وإشراكهم في مسلسل إعداد السياسات والبرامج واتخاذ القرارات التنفيذية المتعلقة بها، أمر جوهري وأساسي في منظومة التدبير المعتمدة.
كيف يمكن عمليا تحقيق هذا التحول على مستوى مجال حضري مترام الأطراف كمدينة الدارالبيضاء؟ بالطبع، نحن لا ننكر صعوبة تحقيق ذلك، ولكننا، في ذات الوقت، مقتنعون تمام الاقتناع بأنه يستحيل، في الوضعية الراهنة، إيجاد حلول مرضية فعالة ومستدامة لأدنى مشكلة من مشاكل المدينة، من دون إشراك السكان بصفتهم فاعلين أساسيين في تأمين التغيير والتحول المطلوب تحقيقه. ولنا أمثلة، مستقاة من واقع المدينة في ذلك: نظافة الطرقات العامة، تدبير النفايات، المحافظة على الأشجار وعلى الحدائق والمنتزهات والنافورات، المحافظة على الممتلكات الجماعية، ضبط السير والجولان في الطرقات، محاربة الباعة المتجولين في الطرقات، التصدي للظاهرة المتنامية المتمثلة في الأسواق العشوائية المنتصبة أمام أبواب المساجد، المساهمة في تخفيف آفة التنقل العمومي في الطرقات والازدحام المروري في ساعات الذروة وفي غيرها والتلوث الصوتي والهوائي الملازمان لهذه المشكلة المعقدة…إنه بالفعل من سابع المستحيلات تحقيق أي تقدم يذكر في هذه المجالات، وفي غيرها كثير، اعتمادا على نمط التدبير الحالي الذي ينبني على قرارات ومبادرات المصالح الإدارية والتقنية وحدها، مهما بلغت جهودها وكفاءتها. ذلك أن غالبية المشكلات الحضرية، إن لم نقل كلها تقريبا، تعد بطبيعتها ذات تداعيات اجتماعية، ولا يمكن بالتالي التعاطي معها في غياب إشراك السكان، بطريقة أو بأخرى، ليس فقط في تصور الحلول الملائمة للمشكلات المطروحة، ولكن أيضا في تنزيل هذه الحلول وتطبيقها على أرض الواقع، ولا يكفي في هذا الأمر مجرد وجود مجلس جماعي ومجالس مقاطعات، لأن المشاركة التي تعنينا هنا هي التي تبدأ بعد الإنتخابات.
ومن هذا المنطلق، يعد التواصل مع سكان مدينة الدارالبيضاء وإشراكهم في مواجهة المشاكل الحضرية التي تعاني منها مسألة لا مفر منها، لما سيترتب عن ذلك من تحسين للأداء، وتوفير للكثير من الجهد والاستثمار العمومي، وتحصين للنتائج المتحققة، فضلا على المحافظة على التجهيزات الجماعية، وبصفة خاصة، تنمية الشعور الجماعي بالمسؤولية، وتعزيز الإحساس بالانتماء للمدينة، وبالتالي مشاركة السكان أنفسهم في التصدي للسلوكيات المنحرفة التي باتت تشكل عائقا حقيقيا أمام جهود التنمية الحضرية المبذولة.
ومما لا شك فيه أن هذا التوجه التدبيري الذي ندعو للانخراط فيه، يتطلب من المسؤولين على إدارة المدينة، الاقتناع التام بأهميته وجدواه، وهو شرط أولي وأساسي لتحقيق أي تقدم في هذا المجال. كما يتطلب السير في هذا المنحى الكثير من المثابرة والتتبع والرصد، وخصوصا القدرة على التصدي للأصوات التي لن تتوانى في التقليل أو التشكيك من جدوى هذا التوجه. وفي هذا الصدد، فإن أول ما ينبغي الشروع فيه لتجسيد هذا التوجه هو إحداث، على مستوى مدينة الدارالبيضاء، مؤسسة جماعية مختصة في التواصل المؤسساتي والتسويق الترابي، في شكل شركة للتنمية المحلية، تحت مسمى “كازا تواصل”، تكون مهمتها الرئيسية الأولى هي اقتراح سياسة عامة شاملة للتواصل الاجتماعي والمؤسساتي، بما فيها آليات ووسائل تنفيذ هذه السياسة، والدور الذي ينبغي أن تضطلع به جمعيات المجتمع المدني في إطارها، والعمل، بالتالي، على خلق دينامية مستدامة في هذا المجال، ووضع حد للفراغ المهول الذي تعاني منه الدارالبيضاء حاليا على هذا المستوى.
إبراهيم زياني، أستاذ باحث
رئيس المرصد المغربي للإدارة العمومية







