حوارات

آيت لكتاوي: الأقدار ساقتني للأدب والصحافة والإعلام الثقافي بالمغرب موجّه للنخب

ماجدة آيت لكتاوي، صحفية، شاعرة وفاعلة في المجتمع المدني، تألّقت فبصمت اسمها في المشهد الإعلامي المغربي، وقرّرت العودة إلى شغفها الأول وإصدار أول مولود أدبي، اختارت أن يكون ديوانَ شعرٍ حمل عنوان “بوح صغير”. في الحوار التالي، تبوح ماجدة ضمن برنامج “مبدعات”، الذي تبثه صحيفة “مدار21″، بوحها الكبير وكيف ساقتها الأقدار من دراسة الطبّ إلى التميّز في رحاب الأدب وبلاط “صاحبة الجلالة”. 

بداية، كيف تعرّفين نفسك لزوّار موقع “مدار21″؟

في كل مرة يطلب مني تقديم نفسي أو التعريف عن نفسي، أقف لوهلة صامتة كوني أعتبر أن هذا الإنسان على عظمة خلقه، بأحاسيسه المتدفقة وروحه الصادقة الجميلة، من الصعب اختزال هذه الأمور ببضع كلمات أو جمل بسيطة. أعتقد أنه  أمر صعب. وباختصار، يمكنني أن أعرف نفسي بأنني ماجدة آيت لكتاوي، صحافية وشاعرة شغوفة وطموحة.

آخر دواوينك يحمل اسم “بوح صغير”، هل يُعبّر عن بوح خاص بمشاعرك؟ 

ديوان بوح صغير هو آخر إصداراتي، وأوّلها أيضا، أوّل خطوة أخطوها في طريق الأدب. هذا الديوان فعلا يُعبّر عن مشاعري الصادقة. في العادة، أنا إنسانة تتسم بالصّدق، والمقرّبون منّي يعرفون ذلك، وكل ما يسكن قلبي أعبّر عنه بكل صدق وتجرّد.

قصة تسمية ديواني بـ”بوح صغير” جاءت لكونه نابع من أعماقي وطفولتي، هذا الديوان أجمع به شتات الطفولة وإبداعاتها، بداية من سن الـ12، حين كنت أكتب قصائدَ وأنا في مرحلة الابتدائي، قبل أن أمر إلى باقي المستويات وأكون حريصة على المشاركة في المسابقات الثقافية والأنشطة الدراسية الأدبية، حيث كان لا يفوتني استغلال تلك الفُرص لإيصال كل تجاربي البسيطة والبريئة للأساتذة والزملاء، كما لا يفوتني أن أشير إلى أن أمي كانت أوّل جمهوري، كانت دوما المستمعة الجيّدة لكل قصائدي. ببساطة في أبياتي الأولى كانت والدتي دائما تسمعني وتشجعني، لذلك اخترت أن أهديها ديواني الأول، لأنها كما قلت أول جمهوري.

ما هي المواضيع التي تناولتِها في قصائد ديوانك؟

ديواني يضم عددا من القصائد الشعرية، منها الوطني، حيث كتبت عن بلدي المغرب، ثم تأثر بعدد من القضايا كالقضية الفلسطينية وأزمة سوريا، كتبت عن الطبيعة، والحب كذلك. يمكن القول إنه توليفة من القصائد التي تعبر عنّي في فترات معيّنة وكل ما أحسه في قضايا محددة، أُعبِّر عنه عبر أبيات شعرية وعبر القصيدة، لأن الشاعر يختلف تعبيره عن الناس الآخرين، فهو يوظف أحاسيسه وعواطفه، إلا أني أعتبر كل إنسان يعبّر عن دواخله بطريقة معينة، الشيء الذي يجعله يقدم أدبا بطريقته الخاصة.

كيف عشت فترة الحجر الصحي؟ وهل شَكَّلَ لحظة إبداع أم انسداد أفق؟

مرحلة الحجر الصحي بدون شك كانت مرحلة صعبة على جميع الناس في العالم، لم نعد نستطيع الخروج وحوصرنا في منازلنا مدة طويلة، إلا أنها كانت فترة استغللتها شخصيا في القراءة والمطالعة. ومن المعروف أن القارئ يصل إلى وقت معيّن يتطلّع فيه إلى الإنتاج، وأنا هذا الأمر عشته منذ الصغر، لأن توجهي نحو الكتابة والإنتاج الأدبي كان من الطفولة، وذلك راجع إلى كوْن نَهَمِ القراءة رافقني منذ الصِبى، بداية مع قصص المكتبة الخضراء، ثم تدرجت بعد ذلك إلى الروايات والكتب إلى آخره.. المطالعة دائما ترافقني ولا أعتقد أنها ستنسلخ عني أو أبتعد عنها لأنها جزء مني.

ما الأشياء التي تُلهمك لترجمتها إلى قصيدة؟ وماهي محفّزات الكتابة عندك؟

كما قلت سابقا، إن الشعراء والأدباء يختلفون في الإحساس. الأمر يتعلّق بشعور خاص وكيف يُترجم على أرض الواقع عن طريق الكتابة والأدب، فشعورك الخاص هو الذي يتحدث هنا، خاصة أنه من المعروف أن المبدعين عموما لديهم أحاسيس مُرهَفة، يستطيعون أن يلمسوا أمورا قد لا ينظر إليها أناس آخرون بنفس الطريقة التي تتميز بالجمالية.

ما الذي تفضله ماجدة بالأكثر، الصحافة أم الأدب؟ 

وكأنما تسألينني ماذا تفضلين: يدك اليمنى أو اليسرى؟ واقع الحال هو أنهما يتكاملان كاليد تماما، لتأدية وظيفة مهمة ومحورية.

بالنسبة لي ماجدة هي الشاعرة والصحافية، مسيرتي مع الشعر ابتدأت في سن الثانية عشرة، ورحلتي في دروب الصحافة ابتداء من سن الـ23، كلاهما يكملان بعضهما، وأنا لا أتصور نفسي أُنتج في مجال الأدب دون الصحافة، أو أخصص كامل وقتي في الصحافة دون الإنتاج الأدبي، فكلاهما يشكلان هذا الكيان ويرسمان ملامحه عسى أن نترك بعض الأثر في فترة حياتنا.

هل بوح صغير سيتبعه بوح أكبر؟

في الحقيقة، هذا البوح الصغير عبارة عن بوح كبير، فقط كان سبب اختيار كلمة “صغير”، كما سبق الإشارة، جمع شتات طفولتي وضمنته قصائد من الفترة الجامعية، وآخر قصيدة في الديوان كتبتها قبل سنة ونصف، وإن شاء الله أطمح لإنتاجات أخرى في مجال الأدب، قد تشمل الزّجل والقصة القصيرة.

أما فكرة الرواية، هي فكرة ملحة أيضا تَطْرُقُ مخيّلتي بلا انقطاع، ولكن أفضّل حاليا أن أنتج في القصة القصيرة والشعر.. وفي السنوات المقبلة ستكون مفاجآت أدبية متنوّعة إن شاء الله.

يقال إن للأدباء طقوسا خاصة لخط إبداعاتهم، هل ماجدة آيت الكتاوي من هؤلاء؟ وما هي طقوسك الخاصة في الكتابة؟

قطعا لا. هي فقط صور نمطية عن الشعراء والأدباء، مثلا الكاتب يجب أن يشرب القهوة وموسيقى كلاسيكية في الخلفية. أولا، أنا لا أشرب القهوة، والإلهام أستمده من أشياء بسيطة، ربما ورقة شجرة أو سحابة أو نسمة هواء أو ألوان متنوّعة على أجنحة فراشة قد توحي إليك ببيت شعري. ولا يحضرني في أوقات معينة، بل مرات أدوّن بيت شعرٍ يبقى حبيس مفكرتي أو هاتفي لأسابيع قبل أن أعود إليه وأقرر إكماله.

في عديد من الأحيان يدفعني حبي لفكرة معينة أو خاطرة للكتابة، ليس من الضروري الجلوس إلى مكتب. فأقول إنه ليست لدي طقوس خاصة رغم أن ما قلته هو في حد ذاته طقوس إنسانية عادية.. هي فكرة خطرت على بالي تعبر عن كينونتي ووجداني فأخطها.

تكوينك كان علميا في مرحلة الثانوي، كيف ساقك القدر إلى دروب الصحافة؟

كنت تلميذة متفوّقة جدا في فترة الإعدادي، ففُرِض علي اختيار الشعبة العلمية في السنة الثالثة، وهنا استغل فرصة التحدث عن التوجهات الدراسية واختيارات التلاميذ الدراسية، فأنا على سبيل المثال، كنت قد قرّرت أنني سأكمل في الشعبة الأدبية، فإذا بي أُستدعى من طرف الإدارة دون معرفة حيثيات هذا الاستدعاء، وطُلب مني تغيير الاختيار لأن الشعبة الأدبية لا تناسبني لأنني متفوّقة في المواد العلمية من قبيل الرياضيات والفيزياء والعلوم، باعتباري من الأوائل في المؤسسة التعليمية، فالشعبة العلمية هي التوجّه المناسب لي.

إذا كانت هذه الشعبة حكرا على المتفوّقين في النقط، إذن ما الحاجة إلى الشعبة الأدبية إذا لم يتوجّه إليها تلاميذ متفوقون أيضا، يستشعرون في أنفسهم تلك النزعة الأدبية الإبداعية. رضخت لرغبة أساتذتي وغيّرت الشعبة، وأتممت دراستي في الشعبة العلمية، وبعدها حوّلت الطموح إلى ولوج كلية الطب، لكنني لم أتمكن من ذلك في النهاية، فأتممت دراستي الجامعية بشعبة البيولوجيا في كلية القاضي عياض بمراكش، لكن ارتباطي بالأدب لم ينقطع أبدا، وظللت أكتب الشعر والقصص القصيرة طوال مدة دراستي، وكانت هذه البداية في عالم الصحافة.. من يدري لو أنني اخترت الشعبة الأدبية لكان الطريق لولوج للصحافة أسلك.

أنت أول صحافية مغربية تتوج بالجائزة الكبرى للصحافة الإلكترونية، ما الذي أضافه هذا التتويج في مسارك الصحافي؟

فوزي بهذه الجائزة كان فخرا كبيرا جدا لعدة اعتبارات، أولا أن أحوز جائزة مرموقة في المغرب، فهي أرفع جائزة تقدم للصحافيين المغاربة، ثم أن أكون أول صحافية امرأة تحوز الجائزة بعد خمس سنوات من إحداثها، فكنت سعيدة جدا بالطبع، خصوصا أن الموضوع بُذِل فيه الكثير من الجهد وكانت الأفكار أصلية وهي “المروحيات الطبية”، استغرقني 6 أشهر من التحضير والحصول على التصاريح الأمنية، حتى نستطيع الوصول إلى مكان التصوير. احتجت إلى موافقة خاصة من وزير الصحة، آنذاك في 2017 كان الدكتور الحسين الوردي يشغل المنصب، ثم احتجت إلى موافقة باقي المسؤولين، قبل أن نحصل على باقي التصاريح لكي نلج، باعتبارنا مدنيين، مرافق ممنوعة علينا، كما رافقنا مروحية نقلت على وجه الاستعجال امراة حاملَ في وضعية صحية صعبة في منطقة نائية في الجبال.

الأمر بقدر ما يُشكّل لي فخرا إلا أنه تكليف أيضا لأنه مسؤولية القرّاء الذين يشجعونك. أتوصّل بعشرات الرسائل من زملائي وأساتذتي وقراء أيضا، عندما أكتب قصة إنسانية أو روبرطاجا في المستوى المطلوب، وأكيد أن أناس آخرين يشجعونك ويتابعونك، إذن، فالمستوى يجب أن يرقى أكثر وأن أطور نفسي لأن الصحافي دائما يجب أن يبقى تحت التدريب رغم ما يصل إليه من شهرة ونجاح ويسعى دائما إلى البحث في المجال الذي اختار الانتماء إليه لأنه في تجدد مستمر.

باعتبارك صحافية وأديبة في نفس الوقت، ما هو تقييمك للإعلام الثقافي بالمغرب؟

الإعلام الثقافي في المغرب تخصّص مهم جدّا، فهذا الأخير يمكن اعتباره جسرا يوصل نبض المجتمع من وجهة نظر فنية و إبداعية وفكرية، بل أعمق من ذلك، لأن للأمر علاقة بالجماليات التي يعيشها هذا المجتمع، فهذا النوع من الصحافة يعكس طريقة عيشنا بعيدا عن الأمور المعيشية العادية واليومية، الأمر فيه علم الجماليات، فالمجتمع، عَبْرَهُ، يسمع صداه لدى ثقافات أخرى، لكن للأسف الواقع بئيس، أجد نفسي أتساءل كم عدد البرامج الثقافية في إعلامنا العمومي؟ وكم عدد الصحافيين المختصين في الإعلام الثقافي في الجرائد والقنوات والمواقع المغربية؟ للأسف، رهان “البوز” والوصول لأكبر عدد من المتابعين والقرّاء وهوَس الوصول إلى أكبر عدد من “الكليكات” يجعلنا نميل إلى جعل الإعلام الثقافي موجه حصرا للنخب.

في نظرك أين يتقاطع الأدب والصحافة ؟

الصحافة والأدب في نظري تجمعهما كلمة واحدة هي الابداع. أن تكون صحافيا يجعلك بالضرورة مُبدعا، طبعا مع احترام الأخلاقيات والاحترافية والمهنية، فهذه أمور مفروغ منها، كما أن الأدب هو ذلك الواحة الجميلة التي يلجأ إليها كل مبدع تعبيرا عن كينونته وما يجتاح صدره من مشاعر. فأجد أن الجسر الذي يجمع بينهما هو الإبداع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *