مولاي الطيب: “صحاري” مستوحاة من عائلتي وكنت حذرا في كتابتي عن شخصية “تندوف”

اختار المخرج مولاي الطيب بوحنانة أن ينطلق مساره في إخراج الأفلام الطويلة بسرد قصة واقعية مستوحاة من مصير عائلته التي فرقت دروبها اختيارات فرضتها مرحلة مهمة في تاريخ المملكة والتي تعود إلى سنة 1975، وتوثيقها في فيلم “صحاري-سلم وسعى”.
وفي حوار مع جريدة “مدار21″، يكشف بوحنانة كواليس التحضير لهذا الفليم الذي يعكس واقع الكثير من العائلات التي تعيش في الأقاليم الجنوبية، بين من تشبثت بالاستقرار في أرض الوطن، ومن خانت وطنها بحثا عن وطن مزيف في مخيمات تندوف، ومن فضلت “الحياد” و”التخلي” عن منبعها.
لم يحكِ بوحنانة فقط عن كواليس إعداد فيلمه الطويل الأول، بل قص في هذا الحوار بعض الصعوبات التي واجهته، بتخلف جهات عن دعم إنتاجه، إلى جانب حذره في أثناء الكتابة لتقديم صورة واقعية ويبقى وفيا لقصص مغاربة بالأقاليم الجنوبية.
كيف جاءت فكرة تحضير وإعداد هذا الفيلم؟
استوحيت قصة الفيلم من عائلتي، فهي تعكس الاختيارات المختلفة لأبي ومجموعة من أشقائه التي أدت إلى تفرقتهم، إذ إن والدي وشقيقه وشقيقته اختاروا الدفاع عن الوحدة الترابية والبقاء في بلدهم، بينما فضل عمي وعمتي الذهاب إلى مخيمات تندوف، في مقابل آخر اختار العيش في صحراء موريتانيا حتى الآن، باعتباره إنسانا محايدا ومسالما وكان فقط يريد العيش بعيدا عن الصراع.
وفليم “صحاري” لا يعد نقلا كامل لقصة عائلتي، إذ إنني اكتفيت فقط باقتباس الفكرة العامة منها والمتعلقة بالفراق الذي كان والدي يحكي لنا عنه باستمرار، قبل أن أشرع في صياغة السيناريو الخاص به. ففي سنة 2007 توفي والدي، وحينها راودتني فكرة صناعة هذا الفليم، لكونها لا تمثل فقط قصة لعائلتي، لكنها قصة الكثير من العائلات الصحراوية، وكثير من العائلات في الأقاليم الجنوبية التي عاشت المصير نفسه، لأختار سرد هذه الحكاية تكريما لروح والدي، التي نفذتها في 2017، أي بعد عشر سنوات.
وفي سنة 2017 بدأت في كتابة النص الخاص به، ليصل إلى مرحلة الإخراج حتى سنة 2020، التي توقفت لسنة كاملة، بسبب جائحة كورونا، قبل استئنافها في سنة 2021، وطرحه في سنة 2023.
كيف وقع اختيارك على الأبطال المشاركرين في الفيلم؟
أصبح لدينا العديد من الأشخاص العاملين في الميدان السمعي البصري في الأقاليم الصحراوية، مع انطلاق تلفزيون العيون الجهوية في سنة 2004، وضمنهم العديد من الممثلين، إذ إنه وقبل عام 2004، لم يكن لدينا من يعملون في هذا المجال، ولم تكن لدينا سوى بعض الفرق المسرحية، التي بدورها لم تبرز إلا مع إنشاء المحطة.
وبالعودة إلى كيفية اختياري للممثلين الذين شاركوا في هذا العمل، فكنت واحدا ممن يتابعون محطة العيون بالتلفزيون، ويتابع الكثير من البرامج وخاصة “السيتكومات”، لأكتشف وجود العديد من الممثلين المتميزين في الأقاليم الجنوبية، وبما أن الفليم يحكي قصة عائلة من مدينة العيون، قكان لا بد لي أن يكون أبطال الفليم من أبناء الأقاليم الجنوبية، حتى تكون لهجتهم الحسانية جيدة، وتربطهم علاقة عاطفية مع السيناريو لإقناع المشاهد، لأنهم يتشاركون جميعهم في هذه القصة، لكونهم عاشوا قصص فراق مشابهة مع عائلاتهم.
فقد كان مهما جدا بالنسبة لي اختيار ممثلين متمكنين من الأقاليم الجنوبية، وأشير هنا إلى أنه كان لدي تصور قبلي بتجسيد بعض الممثلين لشخصيات في الفيلم، في أثناء كتابتي للسيناريو، لذلك لم يخضعوا لتجربة الأداء، بينما فتحنا لاحقا “كاستينغ” لاختيار باقي الممثلين الآخرين، إذ شارك تقريبا كل الممثلين في الأقاليم الجنوبية ومنهم من حضر من الداخلة والسمارة أيضا.
ما هي الصعوبات التي واجهتك وفريق العمل خلال مرحلة التصوير؟
أي مخرج أو منتج سيقول إن الصعوبات لامتناهية في كل الأعمال، وهذه الصعوبات ستكون أكبر بالنسبة لي، لأن هذا يعد أول فيلم طويل أشرف على إخراجه وإنتاجه بتكلفة كانت قليلة جدا مقارنة بحجم الفليم.
وتعد جائحة كورونا أكبر مشكل واجهناه بعدما بدأنا التصوير في شهر مارس من سنة 2020، إذ كنا مضطرين للتوقف مؤقنا والعودة إلى بلاطو التصوير بعد سنة، إلى جانب تخلف كل الجهات عن وعدها بتقديم المساعدة المادية لإنتاج الفليم، فلم يسند هذا العمل سوى المركز السينمائي المغربي، الذي لو لم يكن لما خرج هذا العمل إلى الوجود، إلى جانب شركة الإنتاج والسلطات المحلية في مدينة العيون التي قدمت لنا تسهيلات كثيرة.
وأثر تراجع جهات وشركات وإدارات عن دعم الفيلم بسبب كورونا أو لأسباب أخرى، خلق لنا أزمة وصعوبات كبيرة، لكننا استطعنا مواجهتها في نهاية المطاف والتغلب عليها، ووجدنا أصدقاء وثقوا بنا وتظافرت جهودنا حتى استطعنا إخراج هذا الفليم إلى القاعات.
هل يكون كاتب السيناريو حذرا في أثناء كتابته عن موضوع سياسي؟
فعلا، يكون كاتب السيناريو حذرا عند تناوله قضية سياسية واقعية وليس متخيلة، ولا بد أن يكون صانع العمل حذرا من حيث المعلومات التي يقدمها للجمهور، ومهتما بانتقاء المعلومة الصحيحة، إذ لا يمكن للكاتب الذي يتطرق إلى موضوع سياسي أو صعب أن يقول أي شيء، فلا بد أن يكون بحثا معمقا وأن تكون الحقائق واقعية.
وبالنسبة للفيلم الذي أشرفت على كتابته وإخراجه، والذي يتناول قصة ثلاثة أشقاء يختارون وجهات مختلفة، وعهي المغرب ومورتانيا والجزائر، فقد كان سهلا علي الكتابة عن الشخص الذي اختار المغرب، لأنني أعرفها جيدا وأستوحيها من والدي ولأنني أعرف ثقافة بلدي وكل ما يتعلق به، لذلك كانت لدي كل المعلومات والمعطيات المتعلقة بهذه الشخصية، بخلاف الشخصية الأخرى التي اختارت الاستقرار في مخيمات تندوف، التي لم يسبق لي أن ذهبت إليها، مما جعلني أقوم ببحث معمق وأجالس الكثير من الأشخاص الذين عاشوا في مخيمات تندوف وعادوا إلى أرض الوطن للاستماع إلى تفاصيل قصصهم، وحرصت على اللقاء بالكثير منهم حتى تكون لي وجهات نظر الكثير من الناس، حول طريقة عيشهم بالمخيمات سياسيا واجتماعيا. أما بالنسبة للشخصية الثالثة التي اختارت الاستقرار في موريتانيا فقد حصلت على تفاصيلها من خلال التواصل مع عمي وأبنائه من أجل تكوين صورة واقعية، وحتى أكون وفيا للواقع.







