افتتاحية

التعديل الحكومي.. نقاش في الجوهر

التعديل الحكومي.. نقاش في الجوهر

في الوقت الذي يتطلع فيه الرأي العام إلى التعديل الحكومي، ومع الاحتفاظ طبعا بحق المؤسسات في الاقتراح، والتعيين، فإن العرف في المغرب اتجه لتعديل بعد كل منتصف ولاية حكومية، وهو ما يجعل منه تمرينا ديمقراطيا ضروريا تواجهه كل الحكومات.

وحتى لا يختصر النقاش حول التعديل الحكومي في بورصة الأسماء فإن الأمر يتطلب تفكيرا موضوعيا أعمق يتجه إلى خلق أقطاب حكومية قوية لأن الكثير من النقاشات الحكومية في الملفات الكبرى تحتاج رجة قوية.

فمن الواضح أن الاعتماد على التكنوقراط في تدبير ملفات شائكة، ورغم كل المجهود الذي بذل من طرف الحكومة لكن نتائجه محدودة وقد لا يكون لها أثر كبير في الرفع من جاذبية العمل الحكومي، ولا حتى التعريف الموضوعي بالإنجازات الحكومية، ما يتطلب إعطاء نفس سياسي قوي للتشكيلة الجديدة في التعديل المقبل.

الحكومة السياسية في كل دول العالم هي الحكومة التي تملك القدرة على الدفاع عن أطروحاتها واختياراتها الاقتصادية والاجتماعية بقوة أمام الرأي العام، دون اختباء أو مواربة ما يجعل المواطن الذي صوت لصالح من يدبر شؤونه مقتنع بهذه التوجهات باعتبارها نوعا من التعاقد معه في الحملات الانتخابية وبرامج الأحزاب والبرنامج الحكومية.

وأخذا بعين الاعتبار الحصيلة الحكومية في مختلف المجالات، فإن مجموع الإكراهات التي واجهت الحكومة خلال هذه الفترة من تدبيرها والتي تجاوزت النصف، تفرض تعديلا يعيد النظر في التعاطي مع الملفات الكبرى، ولا يجب أن يقتصر فقط على منطق تغيير “بروفايل” بأخر.

لذلك فإن أي تعديل في تشكيلة الحكومة يحتاج إلى مقاربة هيكلية تستدمج متطلبات المغرب الجديدة، وعلى رأسها الأولويات التي حددها رئيس الدولة، الملك محمد السادس، وما خطاب العرش الذي خصص جزءه الأكبر لإشكالية الماء عنا ببعيد.

نحتاج إذن وفقا لهذا الطرح لإعلان وزارة خاصة بالماء لأن ما ينتظرنا كدولة كبير، وخطر الجفاف الذي يواصل الزحف على المغرب للموسم السادس يستدعي عدم تضييع الكثير من الوقت والجهد.

فالشتات الذي يعرفه قطاع الماء، بين مكتب الكهرباء والماء الصالح للشرب التابع لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وجزء منه التابع لوزارة التجهيز والماء، والداخلية والفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية، والأحواض المائية، وباقي المتدخلين لا يخدم الملف الذي يحتاج حكامة جديدة لتدبير موارد البلاد المائية المتسمة بالزهد والمتعبة بالإجهاد.

فضمن تصور موحد وتجنبا لتضييع الكثير من الوقت والجهد، فإن المشاريع الكبرى التي نحن مقبلون عليها وفي مقدمتها محطات تحلية مياه البحر تتطلب تركيزا كبيرا لا يمكن معه إلا إحداث وزارة موحدة تشكل قطب الرحى لتجاوز اشكالية ستكون بلا شك لها أثار كبير على البلاد ككل، شربا وفلاحة.

ثاني الملفات الذي يتطلب جراحة تعديلية خلال التغيير المرتقب، تدعيم موقع رئاسة الحكومة، الذي ربح معه المغرب رئيسا للحكومة بصلاحيات دستورية قوية وأثبت خلالها عزيز أخنوش قدرته التدبيرية للملفات الشائكة، لكنه يحتاج إلى إدارة داعمة لمبادراتها من داخل الحكومة وهو ما كانت تلعبه وزارة الشؤون العامة والحكامة والتي كانت تحت وصايتها، مديرية خاصة بالأسعار والتي كانت تلعب دورا محوريا في مواجهة الغلاء.

الغلاء اليوم في المغرب أصبح معضلة تلهب جيوب المغاربة وترهق طبقاته المتوسطة والفقيرة، ولأن هذه المدة أثبت أن بقاء هذه المديرية تحت وزارة المالية أضعف دورها الرقابي، فإن إعادة وزارة الشؤون العامة لجلباب رئيس الحكومة قد يكون له بالغ الأثر في مواجهة موجة الغلاء التي أصبحت واقع معيشا مع المواطن المغربي.

ثالث الملفات الكبيرة وهي الحماية الاجتماعية، ورش كبير يتطلب مواصلة تنزيله وزارة كبيرة موحدة، لأن ورشا من هذا الحجم يتطلب عناية حكومية خاصة لا أن يظل مشتتا بين أكثر من قطاع، فتنزيل مشروع تعميم الحماية الاجتماعية باعتباره ورشا ملكية سيغير وجه المجتمع المغربي، يتطلب قيادة موحدة لضمان نجاحه.

الورش الذي سيستفيد منه الفلاحون وحرفيو ومهنيو الصناعة التقليدية والتجار، والمهنيون ومقدمو الخدمات المستقلون، الخاضعون لنظام المساهمة المهنية الموحدة ولنظام المقاول الذاتي أو لنظام المحاسبة، وفئات أخرى، في أفق التعميم الفعلي للحماية الاجتماعية لفائدة كل المغاربة، يجعل منه ورشا كبيرا لا يجب أن يفشل لأن فشله لا قدر الله سيعيدنا للوراء.

رابع الملفات ذلك المرتبط بمواجهة معضلة البطالة والتي جعل منها رئيس الحكومة أولوية ضمن ما تبقى من الولاية الحكومية، تتطلب أن يتم تقوية وزارة الشغل والإدماج المهني، والتي كانت وزارة قوية خصوصا طبيعة البروفايلات التي مرت منه.

لذلك فإن مواجهة الدولة لجيوش العاطلين تتطلب استعادة هذه الوزارة لقوتها ونفوذها السياسي، عبر دعم خاص من رئاسة الحكومة لتقوية أدوارها وتدخلاتها، لأن ما تقدم الأرقام الرسمية وعلى رأسها المندوبية السامية للتخطيط حول البطالة بالمغرب يعد حصيلة لإنجازات الحكومة في مجال التشغيل، والتي يبدو إن لم يتم استدراك ما فات أنها فشلت في الوفاء بتعهداتها، التي جاءت رافعة شعار توفير الشغل ضمن أبرز نقاط برنامجها.

أما خامس الملفات التي على التعديل المنشود جعلها أولوية، فهي قطاع قوي في الرياضة وعدم الاكتفاء بتركه ملقحة لوزارة التربية الوطنية، لأن الرهانات الكبرى التي سيدخلها المغرب، تتطلب مجهودا مضاعفا في هذا المجال الحيوي، ليس أقله جعل وزير قوي على رأس هذا القطاع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News