حوارات | سياسة

المفكر الفرنسي بورغا لمدار21: الإسلام السياسي لم ينته بالعالم العربي

يضع المفكر الفرنسي فرانسوا بورغا، في حوار مع مدار21،  مسافة نقدية من الآراء التي بدأت تعلن نهاية حركات الإسلام السياسي بالعالم العربي مع السقوط الانتخابي للعدالة والتنمية بالمغرب وإزاحة النهضة بتونس من دوائر القرار. بل على العكس من ذلك، يرى أن حركات الإسلام السياسي ورغم ما تواجهه من صعوبات ومشاكل لم تزل قادرة على حشد موارد مميزة للدفاع عن مشاريعها تعجز تعبيرات سياسية أخرى عن حشدها بسهولة.

ويفضل الأكاديمي الفرنسي المتخصص في قضايا العالم العربي والإسلامي ومسارات الحركات الإسلامية تأطير هزيمة العدالة والتنمية الانتخابية بالمغرب بحدود دقيقة تتعلق ب”الأداء السلبي” للحزب في قضايا اجتماعية واقتصادية من جهة، وباتخاذه قرارات – في صلبها مباركته لتطبيع العلاقات مع إسرائيل- تصادم المُثل التي آمن بها ناخبوه.

ويعرّج فرانسوا بورغا وهو أيضا المدير الفخري للأبحاث بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي وصاحب مؤلفات وإصدارات عديدة حول الإسلام السياسي على احتمالات انتعاش الإسلام الأصولي وما يعنيه مفهوم “الإسلاميين” نفسه اليوم والرهانات المستقبلية لهذه الحركات في ظل الأوضاع المعقدة التي تعرفها المنطقة حاليا.

وفي ما يلي نص الحوار:

بعد الصعوبات التي واجهتها النهضة في تونس والهزيمة الانتخابية للعدالة والتنمية في المغرب، هل يصح أن نعتبر أن شعوب المغرب العربي ملّت من الإسلاميين بنهاية المطاف وأننا نشهد، في الصورة الأكبر، نهاية الإسلام السياسي في العالم العربي؟

من الضروري أن نذكر بدءا أنه على مدى ثلاثين عاما على الأقل، وعلى رأس كل خمس سنوات، ظلت وسائل إعلام من ضفتي المتوسط تعلن لنا نهاية الإسلاميين. وخلال إرهاصات الربيع العربي، أتذكر أن الخبيرين الفرنسيين الأكثر شهرة إعلاميا أوليفيي روا وجيل كيبيل قالا إن لا أحد بالمنطقة سيصوّت لصالح الإسلاميين، فقط ليظفر إسلاميو مصر – بمختلف مشاربهم – أسابيع قليلة بعد هذه التصريحات ب66 بالمائة من أصوات الناخبين في أول اقتراع حر فعليّا في تاريخ البلاد !

ولو كنت لأؤكد فكرة رئيسية هنا لتعزيز رأيي بأن ساعة الإسلاميين لم تحن بعد، سأقول لك بدءا إنه على طول الخط من مصر إلى المغرب لا علاقة للهزائم التي مني بها الإسلاميون والأخطاء التي ارتكبوها مع “أجندتهم الإسلامية” أي بالمرجعية الإسلامية لهذه التنظيمات. المشكلة الأساسية تأتي من مسألة أبسط في تقديري ترتبط بقيادتهم لنضالات المجتمعات المغاربية والشرق أوسطية ضد أنظمة مستبدة وريثة مرحلة الاستقلال.

طيّب بنظرك أستاذ فرانسوا بورغا كيف يمكن تفسير الهزيمة الساحقة لإسلاميي العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية لشتنبر الماضي بالمغرب والتي شهدت، كما تابعتم، تدنّي مقاعد الحزب من 125 مقعدا في 2016 إلى 13 في 2021 ؟

سأبدأ في الجواب من سؤال: هل كان العدالة والتنمية يحكم فعلا؟ لا شك أن إسلاميي العدالة والتنمية سقطوا على يد الناخبين ولا شك أيضا أن ذلك جرى بمساندة فاعلة من القصر. لكن لماذا سقطوا؟ سقطوا بسبب القرارات غير الشعبية التي قبلوا تحمل مسؤوليتها وتمريرها. وكما نعرف لائحة هذه القرارات طويلة وقد بلغت ذروتها مع توقيع اتفاقات التطبيع مع إسرائيل. لكن هل الناخبون من الغباء بحيث لا يعرفون هوية المسؤولين الفعليين عن هذه القرارات؟ ألا يعرف الجميع أن هؤلاء المسؤولين يتربعون قمة الهرم السياسي أي بالديوان الملكي وليس فقط على مستوى المسؤولين عن التنفيذ.

هل يمكننا إذن انطلاقا من كل هذا أن نعتبر أن استنكار “خيانة” حزب العدالة والتنمية للمبادئ (التي آمن بها ناخبوه) تعني “رفضا للإسلاميين” حاضرا ومستقبلا بالمغرب كما في باقي العالم الإسلامي؟ أشك كثيرا بأن هذا هو واقع الحال. من المنطقي أكثر اعتبار أن رفض الناخبين المغاربة للعدالة والتنمية يقتصر على الأداء السلبي للحزب في سياق محدد بدقة أدّى بالعدالة والتنمية إلى الخروج عن حدود “البراغماتية” والدخول في تخوم ما يراه ناخبو الحزب خيانة لمُثله !

وعلينا ألا ننسى أيضا وجود تيارات إسلامية أخرى بالمغرب كما في بلدان أخرى أدانت بشكل صريح هذا الانحراف. وقد حافظ هؤلاء الإسلاميون، ولاسيما العدل والإحسان بالمغرب، على مصداقيتهم بوصفهم معارضين! ومن الوارد جدا أن تؤدي حركيّة التجديد داخل بوثقة الحركات الإسلامية إلى بزوغ فاعلين جدد. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هؤلاء سيكونون “مناهضين للإسلاميين”. خطاب الأحزاب الإسلامية نفسها يتطوّر في الحقيقة بالتوازي مع تطور البيئة السياسية والاجتماعية التي يشتغلون داخلها.

فمثلا، حين رفض راشد الغنوشي وصف حزب النهضة  ب”الإسلامي” عبّر بذلك عن أن مطالب الحركة خلال حكم بن علي -عندما كان مجرد ارتياد المساجد خارج ساعات الصلاة عملا مُجرّما- لم يعد ممكنا أن تبقى هي نفسها، بما أن ممارسة الشعائر الدينية لم تعد محاصرة من طرف الدولة.

ففي بدايات ظهورها، ميّزت التشكيلات الإسلامية نفسها بمطالب كانت في الغالب مستقاةً من الحقل الديني، لكن سرعان ما تبنّت الأساس المشترك للتطلعات الديمقراطية الطبيعية لمجتمعات المنطقة. وهذا المسار يتضح بشكل أكبر إذا ما قارنّا حركة رشاد الجزائرية مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ وهذه الأخيرة واحدة من الحركات السابقة النشأة على رشاد. ففي كافة التيارات التي تسمى اليوم بالتيارات “الشرعية” تمييزا لها عن الحركات الجهادية، يمكن أن نؤكد أن التطلعات المعبر عنها تصير شيئا فشيئا تطلعات “سياسية” بكل بساطة وبالتالي تتضاءل فيها المحددات الإسلامية الخاصة. وهذا مدخل أول من مداخل الإجابة.

أما المدخل الثاني فتحليلي بشكل أكبر. فما الذي يحدد بالنسبة لي “الإسلاميين” في المغرب كما في باقي العالم؟ الجيل الإسلامي بالنسبة لي هو الجيل الذي دافع عن الحركيّة الفكرية التي “وضعت مسافة مساءلة” في الحقل الثقافي مع الإرث الغربي، وهو إرث كان في جزء منه مستوردا وفي جزء آخر مفروضا لاسيما خلال الفترة الاستعمارية ثم الإمبريالية بشكل يمتد من الهيمنة الأوربية إلى الهيمنة الأمريكية على المنطقة.

بعد هزيمة الإسلاميين بالمغرب واستفراد رئيس تونس بزمام الحكم على حساب حزب النهضة، توقعت المجلة البريطانية “ذي إيكونوميست”، في تحليل حديث، ارتفاع أسهم الإسلام الأصولي خاصة مع وصول طالبان للحكم بأفغانستان…كيف تنظرون لهذه الفكرة؟

قبل سنوات تصل إلى 2014 كانت هناك نكتة تلخص بوضوح هذه الإشكالية المتعلقة بالفصل بين الحركات الشرعية والحركات الجهادية أي بين التيارات التي تؤمن بمنطق الصناديق وتلك التي تؤمن بمنطق السلاح (صناديق الانتخاب وصناديق الذخيرة). تقول النكتة إن عنصرا من عناصر “داعش” بادر عضوا بالإخوان المسلمين بالقول “ترى كيف نجحنا، بطريقتنا ، باحتلال نصف العراق؟”، ليجيبه الإخواني المصري “نعم، ولكن نحن، بطريقتنا، نجحنا في احتلال كافة سجون مصر” !

لا شك طبعا أن المنطلقات المفهومية للإسلام السلفي من جهة والجهادي من جهة أجرى مترابطان بطريق المخالفة مع منطلقات التيارات القانونية أو الشرعية سواء في انتصاراتها أو في انتكاساتها.

فمن المسلّم به أنه في كل مرة تدعم فيها القوى الغربية سياسات استئصال التيارات الإسلامية المؤمنة بالشرعية ترفع بالمقابل من مصداقية التيارات المتطرفة دينيا و/ أو سياسيا. فمن مالي مرورا بالعراق ووصولا إلى سوريا لا يمكن إنكار حقيقة أن التيارات الأصولية تستمر في تمثيل جزء هام من المعادلة السياسية. وقد برهن فوز طالبان بشكل ساطع على هذا البعد من الحقيقة. في الجانب الآخر، لا شك أيضا أنه كلما استغرقت التيارات الإخوانية نفسها في الدفاع عن التطلعات ذات الطبيعة الديمقراطية للشعوب، تنأى بنفسها عن الحقل الديني الصارم للتيارات السلفية. لكن في حال ما تواصل انتصار الثورة المضادة، المدعومة من الغرب، فهذا سيصب في مصلحة التيارات الجهادية.

كيف تنظرون لمستقبل الإسلام السياسي بالمغرب والعالم العربي؟

لا شك أن من المراقبين من يرون أن وضع المغرب يبقى مختلفا نسبيّا عن أوضاع باقي دول المنطقة باعتبار الدور الذي يشغله الملك داخل النظام بصفته “أميرا للمؤمنين”، بشكل شبيه إلى حد ما بالمملكةالعربية السعودية ودور “خادم الحرمين الشريفين” داخلها، بما أنهما معا نظامانظلا يستثمران الرأسمال الديني في ترسيخ شرعيتهما السياسية. غير أن هذا الوضع المختلف يصبح بلا معنى بالنظر إلى قرب هاذين النظامين معا من القوى الغربية. وفي حالة المغرب،  يضرب التقارب المفرط للنظام  مع الغرب وإسرائيل مؤخرا في مصداقية الملكية وشرعيتها  الدينية. كل هذا يدعم فكرة أن الإسلام السياسي سيقبى فاعلا مركزيا في مستقبل المنطقة.

وعموما، أرى أن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه في هذا المقام هو هل حققت الحركيّة التاريخية الرامية لتحقيق “استعادة سياسية”للعالم الرمزي للثقافة الإسلامية أهدافها ؟ أم هل صارت ، على العكس من ذلك، متجاوزة؟ بالنسبة لي من السابق لأوانه الحسم بجواب وبشكل خاص بالنظر إلى موجة الإسلاموفوبيا التي تجتاح فرنسا وأورُبا. إذ لم تزل “الإسلاموية” (l’islamisme) تحتفظ بموارد خاصة بها لا تستطيع تعبيرات سياسية أخرى تعبئتها بسهولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *