افتتاحية

التشغيل.. الركن المفقود في حصيلة الحكومة

التشغيل.. الركن المفقود في حصيلة الحكومة

المتأمل الحصيف للخطب الملكية، في عهد الملك محمد السادس، يلاحظ أن هناك مصفوفات خاصة بكل مناسبة، فمضامين خطاب العرش ليس هي مضامين افتتاح البرلمان، وقس على ذلك في كل خطاب رسمي، بل إن الملك كان جسورا إلى درجة متقدمة، وغير مسبوقة.

وزاد الملك في الشرح عندما ألقى خطاب ثورة الملك والشعب، على اعتبار أن زمن الاستعمار ولى وزمن النهضة قد آن أوانه، فما الداعي إلى التذكير بزمن الحديد والنار؟

ارتبك جزء كبير من الطبقة السياسية عندما طرح الملك بشكل رسمي سؤال أين الثروة؟ وبعدها بسنوات معدودات في خطاب افتتاح الولاية التشريعية الحالية والتي تعدّ بمثابة خارطة طريق العهدة الحكومية، أفرد الملك حيزا مهما لمسألة الاستثمار، وبالتبع أشار إلى إشكالية الشغل، ورفع تحدي حقيقي أمام الحكومة عندما ألزمها بتعبئة 500 مليار درهم وخلق نصف مليون شغل في أفق سنة 2026.

طبعا كان لحكومة أخنوش أولويات ذات ملحاحية، ومنها تنزيل ورش الحماية الاجتماعية لصالح 22 مليون مغربي وإقرار الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة 4 مليون أسرة، والذي كان مجرد حلم صعب المنال للحكومات السابقة، لكن يبدو أن رياح الحظ لها رأي أخر، وتصر على معاكسة “نية” الحكومة التي لم تجد سبيلا للتنفيذ خصوصا في زمن أزمة اقتصادية عميقة.

أرقام المندوبية السامية للتخطيط حتما مقلقة وزاد من قتامتها تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي التي أكد أن 4.3 ملايين شابة وشاب مغربي ما بين 15 و34 سنة “لا يشتغلون وليسوا بالمدرسة ولا يتابعون أي تكوين”، “NEET”، يعني أننا أمام قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، فأخطر شيء على المجتمعات هو وجود طاقة بشرية بلا معنى ولا هدف خصوصاً لدى فئة الشباب التي تملك الصحة والوقت والفراغ.

تقدم الأرقام الرسمية وعلى رأسها المندوبية السامية للتخطيط حول البطالة بالمغرب حصيلة شبه نهائية لإنجازات الحكومة في مجال التشغيل، والتي يبدو إن لم يتم استدراك ما فات أنها فشلت في الوفاء بتعهداتها، التي جاءت رافعة شعار توفير الشغل ضمن أبرز نقاط برنامجها.

ويلاحظ المتتبعون لحصيلة الحكومة في مجال الشغل أنها نجحت فقط في تكرار الفشل والإخفاق، الذي طوق تجربة “برنامج مقاولتي”، على عهد حكومة جطو، مرة أخرى من خلال برنامج “أوراش” الذي راهنت على نجاحه للمساهمة بتحقيق مليون منصب شغل التي وعدت بها.

وانتظر المغاربة، خاصة العاطلين منهم، بصبر كبير ظهور نتائج برنامج “أوراش”، الذي وضع هدفا متمثلا في تشغيل 125 ألف كل سنة لمدة سنتين بميزانية 2,25 مليار درهم كل سنة، غير أن الوعود الحكومية ذهبت أدراج الرياح.

وبالرغم من أن برنامج “أوراش” بث كثيرا من التفاؤل لتجاوز تداعيات جائحة “كوفيد19” على قطاع الشغل، إلا أن نواقص التنفيذ جعلت البرنامج غير قادر على تحقيق ما تم التعهد به، مما يعيد إلى الأذهان حصيلة برنامج “مقاولتي” الذي خلف كثيرا من الضحايا.

بكلمة، إن رهان التعديل الحكومي المقبل يجب أن يكون قلبه هو ملف التشغيل، بمعنى نحتاج إلى قطاع سيادي قوي يجمع ما بين سياسات التشغيل وسياسات الاستثمار، نحن أقرب إلى مشروع جورج مارشال في هذا المجال.

الحكومة محتاجة إلى وزارة تركيبية لكل مداخل التشغيل من سياسات اقتصادية وتكوينية واستثمارية، مع بروفايل يجمع الكفاءة الوزارية الوازنة، من خلال مراكمة تجربة في التكوين.

إننا إذن في حاجة إلى جراحة تعديلية عاجلة في هندستنا التشغيلية التي تمكن 300 ألف مجاز يقذفون كل سنة إلى سوق الشغل دون مهارات للاندماج المهني، لابد لنا من جسر ما بين المهارات المعرفية التي يأخذها الخريج والمهارات التي يتطلبها سوق الشغل، دون الكثير من إهدار للمال العام في المخططات التي لا تستفيد منها سوى مكاتب الدراسات الدولية التي تبحت لنا عن حلول لم نجدها بعد.

على الحكومة أن تفهم أن الملك لا يتناول الإشكاليات فقط من باب كم حاجة قضاياها بإلقاء الخطب عليها، فهذا ليس منهج الملك محمد السادس، بل إنه عندما يطرح إشكالية فلا شك أنها دق لناقوس الخطر، وكلما تأخرنا في التفاعل والمبادرة الفاعلة تفاقم الوضع واتسع الخرق على الراتق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News