افتتاحية

اقتصاد الفيل الأبيض

اقتصاد الفيل الأبيض

الحيوانات المُلونة لها مكانة خاصة في مجال الكِناية والمجَاز كما هو معروف في علوم البلاغة والبيان في اللغة العربية، فنجد صاحب كليلة ودمنة استعمل عالم الحيوان لتوصيف ظواهر سياسية واجتماعية، كما نجد مثال أُكلت يوم أُكل الثورُ الأبيض للدلالة على معنى سياسي مُعين.

تعود قصة الفيل الأبيض إلى التراث الاسيوي، حيث إن أحد الملوك تلقى هدية عبارة عن فيل أبيض لا يصلح لشيء، ومع الوقت صار الفيل مُكلفًا بسبب مصاريفه حتى تحّول مع الوقت إلى هدية كيدية.

اليوم يستعملُ الاقتصاديون عبارة الفيل الأبيض للدلالة على ظاهرة اقتصادية حديثة، تلك المتعلقة باستثمار أو عقار له تكلفة صيانة مرتفعة، وفي المقابل لا يحقق أي فائدة أو أرباح مادية تُذكر، فمن منظور اقتصادي صرف تكون استثمارات  “الفيل الأبيض” مكلفا للغاية من ناحية التشغيل والصيانة، لكن من دون أي قيمة مضافة مُنتجة للثورة ومُعززة لفرص التنمية والرخاء الجماعي .

أسباب نزول هذا القول، هو حلول المغرب خارج تصنيف الدول الأكثر تنافسية في العالم لسنة 2024، ضمن تقرير أخير صادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية في مدينة لوزان السويسرية. والذي ضم التقرير 67 دولة على المستوى العالمي، بينها 6 دول عربية و 4 دول افريقية، ومع الأسف لم يكمن من بينها المغرب.

أجل التقرير تضمن دول عربية مثل الامارات والسعودية والكويت والبحرين، وبالمقابل ضم دول افريقيا مثل: بوتسوانا وجنوب افريقيا ونيجيريا وغانا.

ماذا يعني هذا؟  يعني أننا رغم كل المُخططات والبرامج العمومية والأموال العمومية، لا زلنا على مستوى الواقع مُتخلفون في أربعة مجالات أساسية وحيوية والتي يقوم عليها التقرير، المتمثلة في النجاعة الاقتصادية للدولة، وفعالية تدخلات الحكومية، وقوة المقاولات، وتطور البنيات التحتية.

طبعا لا أحد يرى أن المغرب قد حقق القفزة الاقتصادية التي تضعه في مصاف القِوى الصاعدة، لكن ضخ 335 مليار درهم من ميزانية الدولة في الاستثمار العمومي، واعتماد ميثاق جديد للاستثمار، وإقرار اصلاحات ضريبية جديدة، كل هذا لابد أن يكون له وقع على الأرض حتى لا يكون الأمر مجرد فيل أبيض، كما جاء في الأسطورة الأسيوية التي استوحي منها المفهوم. خصوصًا وأن المغرب لا يفصله سوى 6 سنوات على تنظيم حدث عالمي من قبيل المونديال، الذي سيكلف المغرب لوحده 40 مليار درهم من التجهيزات الرياضية والبنيات التحتية.

وبمناسبة المونديال يجب توخي الحذر في استنساخ أحلام تجربة النجاح الإسباني في تنظيم مونديال 1928 وانعكاس ذلك على الاقتصاد الإسباني الذي تضاعف بعد ذلك، بل لدينا النموذج البرازيلي والجنوب افريقي اللذان لم يستفيدا من تنظيم المونديال، بل إن البرازيل غَرقت في أزمة اقتصادية خانقة بعد المونديال ومازلت لم تتعافى منها إلى اليوم.

ليس الغرض من هذا الوصف والتحليل هو التشكيك في أهمية استضافة المغرب لحدث كوني مثل كأس العالم، لكن الغرض هو التنبيه إلى أن هناك عمل قاعدي وهيكلي يجب القيام به من أجل إصلاحات مُهيكلة تجعل من تنظيم المونديال فرصة للإقلاع، وعندما لا نجد أنفسنا في تصيف التنافسية العالمي فمعناه أننا نعيش أزمة حقيقية في الحكامة والتي هي مفتاح التنافسية، وهذه الأخيرة تعني المزيد من الاستثمارات وبالتالي اقتصاد قوي ومجتمع متماسك.

قبل عشرين سنة من الآن، قال تقرير الخمسينية إن المغرب فشل في خمسة ملفات أساسية: التعليم والصحة والاقتصاد والادماج والحكامة وهذه الإشكاليات الأفقية هي عقد المستقبل وكوابح التنمية البشرية بلغة التقرير، وفي سنة 2014 أثار الملك في خطاب العرش سؤال أين الثروة ؟؟ هذا السؤال الذي لازال صداه ينتظرُ الإجابة بعد مرور عقد من الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابع آخر الأخبار من مدار21 على WhatsApp تابع آخر الأخبار من مدار21 على Google News