الملك محمد السادس: افتتاح دورة أكاديمية المملكة في حلتها الجديدة نريده مرحلة استثنائية

أكد الملك محمد السادس أن افتتاح دورة أكاديمية المملكة المغربية في حلتها الجديدة “لن يكون لحظة استئنافية فحسب، بل نريده بالأحرى مرحلة استثنائية في المسار المشرق لهذه المؤسسة الوطنية العريقة، ذات الصيت الذائع والإشعاع المتميز”.
وأوضح الملك في رسالة وجهها إلى أعضاء أكاديمية المملكة المغربية، اليوم الأربعاء، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى لهذه المؤسسة المرموقة في إطار هيكلتها الجديدة، والتي ترأسها، اليوم الأربعاء بالرباط، ولي العهد الأمير مولاي الحسن، أن لحظة الاستئناف “فامتداد لأشغال وعطاءات هذه المعلمة العلمية الوطنية، التي أسست على إرادة امتد أفق طموحها ليشيد صرحا حضاريا عظيما، أفلحت في بنائه هندسة المشاريع والبرامج العلمية والفكرية والثقافية، وأسهم في تنزيلها أعلام الفكر والثقافة والعلوم والأكاديميون، من مختلف المشارب والتخصصات. وهو ما تحقق، ولله الحمد، على أرض الإنجاز فيما تقد م من محطات هذه الأكاديمية، تفعيلا وتنزيلا، ودليلا على سداد التوجه والاختيار”.
وتابع العاهل المغربي في الرسالة التي تلاها أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، عبد الجليل الحجمري، “وأما الاستثناء، فمبتغاه انطلاقة جديدة أقوى ومقصد أسمى، وانخراط مكثف تخطيطا وتنظيما، وإشعاعا وتأثيرا. وإن طموحنا هذا لا يعادله إلا إيماننا الراسخ بأهليتكم وقدرتكم على رفع هذا التحدي وتحقيق هذا المسعى.
وأشار الملك إلى أنه “لا يخفى عليكم أن عالمنا المعاصر يشهد تحولات عميقة على كل المستويات، حيث أصبحت الأواصر الثقافية والفكرية، والحوار الحضاري، تزداد رسوخا، وتعلي من شأن الانفتاح على ثقافات العالم، وإرساء مجتمع المعرفة. ومن ثم، لا يمكن للمغرب، وهو ملتقى الحضارات والثقافات إلا أن يواكب هذا المسار، ويكون فاعلا في ترسيخ ركائزه”.
وأكد أنه “لا غرو في أن تصبح أكاديمية المملكة المغربية اليوم، هذه المؤسسة العتيدة، التي أحدثها والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، سنة 1977، منارة للفكر والبحث المعرفي والثقافي العابر للقارات، ومشتلا للارتقاء بالقدرات الفكرية والعلمية في كل مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، تسهم في تطوير البحث وإغنائه، وفي إبراز العمق التاريخي والحضاري الذي راكمته المملكة المغربية على مر العصور”.
وذكر الملك بأنه “بغية تمكينها من النهوض بالمهمة النبيلة المنوطة بها على أكمل وجه، فقد حرصنا منذ سنة 2015، على تفعيل الأكاديمية وتجديد هيكلتها، بما ينسجم مع أهداف ومقتضيات دستور المملكة، الرامية إلى صون هويتنا الوطنية، بمكوناتها العربية-الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، وروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية؛ وكذا مع خدمة الإشعاع العلمي والثقافي للمملكة، والإسهام في التفكير في الإشكاليات والقضايا المطروحة في عالم اليوم”.
ولفت إلى أنه “أبينا إلا أن نعطي للأكاديمية نفسا جديدا ودفعة قوية، تعتمد على رؤية جديدة، بهياكل وأعضاء جدد، وبرامج ومشاريع في مجملها ذات صلة بهويتنا، منفتحة على التجارب الثقافية الدولية لمواكبة مستجدات العصر”.
وبخصوص الهيكلة الجديدة لأكاديمية المملكة المغربية، التي تتوخى التدبير الرشيد والإسهام الفاعل والمؤثر، فقد أكد الملك أنه أعلن عنها في الظهير الشريف الصادر في فبراير 2021، “بحيث تم إلحاق المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب بالأكاديمية. كما أحدثت كل من الهيئة الأكاديمية العليا للترجمة والمعهد الأكاديمي للفنون ومؤسسة أكاديمية المملكة المغربية للتعاون الثقافي. كل ذلك من أجل رفع التحديات التي أضحى يفرضها مجتمع المعرفة”.
وأوضحت الرسالة الملكية أن “هذه الهيئات تضع على عاتقها مسؤولية العناية بالمعرفة التاريخية، وتجديد مناهج البحث في تراث المغرب وتاريخه، فضلا عن منح العناية الوافية لحقلي الترجمة والفنون، لما لهما من أدوار في تبيان مساهمات الفكر المغربي في المعرفة والإنسانية جمعاء”.
وأكد الملك أن أكاديمية المملكة المغربية “حرصت منذ انطلاقتها الجديدة، على تنظيم دورات علمية، جعلتها أفقا لتفكير معرفي واقتصادي وجيو-استراتيجي، منها دورات عن إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا والبحر الأبيض المتوسط”، مضيفا أنها “واصلت اهتمامها بصون وتثمين التراث المغربي، والاحتفاء بأعلام الفكر المغربي، وإحداث كرسي الآداب والفنون الإفريقية وكرسي الأندلس، وكرسي للآداب المقارنة دعما للقدرات المعرفية الشابة، في إطار مشروع الطلبة الدكاترة بالجامعات المغربية، والذي نوليه كبير العناية والاهتمام، إيمانا منا ألا تقدم للمجتمع من غير نهضة ثقافية، ومن غير انفتاح العطاء الأكاديمي على نوابغ المستقبل من الشباب، باعتبارهم الرأسمال البشري القادر على تجسيد الابتكار والفكر الخلاق، أخذا وعطاء، في العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغات والعلوم والآداب والفنون”.
وأضاف “إننا لنستبشر خيرا بما أقدمت عليه الأكاديمية من إعادة هيكلة مكوناتها، بغية تمكينها من أداء المهمة النبيلة المنوطة بها، خدمة للإشعاع العلمي والفكري والحضاري للمملكة، وكي تظل ملتقى للحوار، وأرضا للقاء بين أعلام الفكر والعلم بمختلف تخصصاتهم واهتماماتهم، وتبادل الرؤى بخصوص مختلف قضايا هذا العصر”.
واعتبارا للأبعاد المتعددة لعمل أكاديمية المملكة المغربية، يضيف الملك، “فقد قمنا بتعيين أكاديميين جدد، مغاربة وأجانب، مراعين في ذلك تنوع مشاربهم، وتكامل اختصاصاتهم، واتساع خبرتهم ووفرة تجربتهم.. وإذ نرحب بكم ونهنئكم على انضمامكم لهذه المعلمة العلمية، فإننا على يقين بأنكم ستسهمون في تعزيز إشعاعها المعرفي، لتواصل النهوض على أكمل وجه بدورها التنويري والتنموي”، معربا عن بالغ شكره “للأعضاء الشرفيين، لما قدموه من جهود في سبيل النهوض بالمقاصد المثلى للأكاديمية، وما أسهموا به من عطاءاتهم العلمية وإنتاجاتهم الفكرية”.
وأشار الملك محمد السادس إلى أن “المجتمعات المعاصرة تعيش على وقع تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية متسارعة ومتداخلة، وتتطور بالتغيير لا بالجمود. ومن هنا، فإن التراكم والتكامل المعرفي وتجسير العلوم، يبقى هو الرهان الأساس لأي تقدم سليم، يقوم على الحفاظ على هوية الأمة ويحصنها من المخاطر والانحرافات، ويكسب المجتمع التنوع والتعدد الفكري الإيجابي”، مؤكدا أن “تقدم المجتمعات لن يتم من غير نهضة فكرية وثقافية متجددة، ولن يتحقق إلا بتوفر بيئة ملائمة لإنتاج المعرفة، وأن تطور تلك البيئة رهين بمدى إسهامها في تنمية العطاء الحضاري”.
بهذا الصدد، شدد العاهل المغرب على أن “المملكة المغربية تمتلك، ولله الحمد، تراثا حضاريا خصبا ومتنوعا، ماديا وغير مادي، مكن بلادنا من احتلال مراتب متقدمة بين دول العالم من حيث التسجيلات الثقافية على قائمة اليونسكو للتراث العالمي”، مردفا أن “أكاديمية المملكة المغربية رسخلت حضورها المتميز، داخليا وخارجيا، على مدى العقود الثلاثة منذ إنشائها، بما أنتجته من تفكير حول القيم، باعتبارها أحد مرتكزات الحياة الإنسانية”.
وأشاد الملك باختيار “الأسرة وأزمة القيم” موضوعا رئيسيا للدورة “اعتبارا لأهميته وراهنيته، خاصة في ظل ما يشهده العالم من اهتزاز في المرجعيات وفقدانها أحيانا؛ مما يستدعي تعميق التفكير في هذا الموضوع الجوهري، والدراسة العلمية الرصينة للتحولات الجارية، ولتداعياتها على كل المستويات، لاسيما في ما يخص التماسك العائلي والتضامن الاجتماعي”.
وأكدت الرسالة الملكية أن “مسألة القيم، بكل أبعادها وتجلياتها، تعد من بين المهام الجليلة للأكاديمية، لمساهمتها الفاعلة في بناء المشترك الإنساني عبر تعزيز الهوية وتثمين التعدد الثقافي واللغوي، وتحصينهما إبداعا وممارسة في الحياة الفكرية والانفتاح على شتى الحضارات والثقافات”، مشيرا إلى أنه ذلك “يجسد سعي أكاديمية المملكة المغربية لتحقيق “شراكة حضارية” تتخطى الاختلاف والتباين، وتروم التقارب والتواصل والتفاهم، في انفتاحها على المستجدات العلمية والفكرية، وإيمان والتزام بالقيم والمبادئ الإنسانية المشتركة”.





