حوارات

مسؤول بمعهد الطاقة يكشف دور البحث العلمي في خفض كلفة الكهرباء

في مجال الطاقات المستدامة بالمغرب، تتداخل أدوار العديد من المؤسسات التي أحدثت بغرض إنجاح هذا الورش الكبير، الذي اختارت المملكة المضي فيه قدما، إذ يُعد المغرب اليوم من البلدان الرائدة في هذا المجال، رغم بعض النواقص المسجلة، التي كان بإمكان تفاديها أن يصنع نجاحا أكبر.

ولعل أحد أبرز الأدوار التي يمكن أن يعول عليها في محال الطاقات المستدامة هو البحث العلمي، ذلك أن كل تقدم في هذا المجال يوازيه بالضرورة نجاحات على أرض الواقع في مشاريع الطاقة الخضراء، وكل تعثر ينتج عنه تأخر وارتفاع في التكاليف ما قد يشكل عائق أمام طموح مغربي نما طيلة السنوات الماضية.

معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقة الجديدة (IRESEN)، هو المؤسسة التي أحدثت لهذا الغرض، وبها توجد عقول المغرب التي تفكر في الحلول وتبحث عن الإجابات للمشاكل المستعصية على الأرض.

الصديق الصباحي، مسؤول اليقظة التكنولوجية والعلمية بمعهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقة الجديدة (IRESEN)، يجيب في هذا الحوار عن أسئلة حول أدوار البحث العلمي في تقدم الطاقة المستدامة بالمغرب، وفي خفض تكاليف إنتاج الكهرباء عبر مشاريعها، ويرد على انتقادات تأخر مشاريع الطاقة بالمغرب.

 بداية كيف يساهم المعهد والبحث العلمي عموما في تقدم مشاريع الطاقة المستدامة بالمغرب؟

منذ تأسيسه سنة 2011، يسهر معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة (IRESEN) على دعم الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي التي اعتمدتها المملكة عام 2009 طبقا للتوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، من خلال رعاية أعمال البحث العلمي التطبيقي الموجهة نحو السوق إضافة إلى رعاية مشاريع الابتكار عبر مختلف مكونات سلاسل القيمة في مجالات الطاقات المستدامة والجديدة والتكنولوجيا الخضراء، وذلك تحت إشراف وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة.

ويواكب المعهد تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي من خلال توفره على أداتين أساسيتين:

الأداة الأولى متمثلة في شبكة بنى تحتية: إذ يعمل المعهد بتعاون مع جامعة محمد السادس متعددة التقنيات (UM6P) على إنشاء مجموعة منصات كبرى تحتضن منشآت ومختبرات خاصة بالبحث والتطوير والابتكار والتدريب، أولاها “مركز الطاقة الخضراء”  (Green Energy Park – GEP)  بالمدينة الخضراء ببنكرير التي دشنها جلالة الملك عام 2017، وتضم حاليا فريقا من الباحثين والمهندسين مكونا من 70 إطارا عاليا وطالب دكتوراه يشتغلون على عدة مشاريع متعلقة بالطاقة الشمسية الحرارية والكهروضوئية وتخزين الطاقة لإيجاد حلول مبتكرة في عدة تخصصات دقيقة.

تجاور هذا المركز منصة ثانية هي “مركز البنايات الخضراء والذكية” (Green & Smart Building Park) التي تحتضن فضاءات تضم بنايات بتصاميم معمارية مختلفة كل منها عبارة عن نموذج تجريبي لحلول البناء المستدام والنجاعة الطاقية، كما تضم نماذج شبكات ذكية (Smart Grids) تربط بين المنازل النموذجية مع دمج محطات لشحن السيارات الكهربائية، كما يجري الاشتغال على تشييد منصات أخرى مختلفة التخصصات أهمها “منصة الهيدروجين الأخضر وتطبيقاته” (Green H2A) بالجرف الأصفر، و”مركز الطاقة الخضراء المغرب – كوت ديفوار” بياموسوكرو.

وتتمثل الأداة الثانية في وكالة تمويل التي تعمل على تمويل البحوث التطبيقية ومشاريع الابتكار من خلال إطلاق دعوات منتظمة لتقديم مقترحات مشاريع في مجالات محددة للتكنولوجيا الخضراء، وتوجه الدعوات بهدف استقبال ترشحات لمجموعات تضم شركاء أكاديميين وصناعيين بهدف إيجاد أوجه التآزر والمساعدة على نقل مشاريع البحوث العلمية إلى مراحل متقدمة للنضج التكنولوجي تؤهلها للوصول لمراحل التصنيع.

وقد ساهم معهد IRESEN من خلال وكالته في تمويل أكثر من 60 مشروعا من خلال إطلاق أكثر من 18 دعوة للمشاريع، كما ساهم في إنشاء 18 مختبرا بمختلف جامعات المملكة، وبلغ مجموع التمويلات التي تم حشدها ما يفوق 520 مليون درهما خلال العشرية الأولى للمعهد.

ومن خلال هاتين المهمتين، يساهم المعهد، تحت إشراف الوزارة، في تسريع تقدم تحقيق الأهداف الطاقية للمملكة، وذلك من خلال مواكبة جهود البحث العلمي بمختلف الجامعات ومراكز البحث بتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.

ويهدف إلى تحويل الابتكارات النظرية إلى مشاريع تطبيقية قابلة للتصنيع، ومساعدة فرق الباحثين على إيجاد مستثمرين لتمويل الابتكارات وإخراجها إلى منتجات مصنعة موجهة إلى السوق.

هل بإمكانكم تقديم أمثلة لمنتجات ساهم المعهد في تطويرها؟

من أهم الأمثلة التي تبرز ثمار جهود معهد IRESEN في تثمين مشاريع البحث والابتكار يوجد :

الشاحن الذكي والسريع “iSmart” : أول شاحن بطاريات السيارات الكهربائية ذكي وسريع مغربي الصنع لشحن السيارات الكهربائية، تم تطويره بتعاون بين IRESEN ومركز الطاقة الخضراء، وجامعة محمد السادس متعددة التقنيات وشركة EDEEP.

مصابيح الإنارة العمومية الذكية “Light’in” : مشروع إنتاج مصابيح للإنارة العمومية بتقنية الثنائي الباعث للضوء (LED) معتمدة على أنظمة ذكية للنجاعة الطاقية، بتعاون مع مركز الطاقة الخضراء، والجامعة الدولية للرباط (UIR)، ومجموعة لاماليف (Lamalif Group).

البوابة الجغرافية لخرائط موارد الطاقات المتجددة (GEPMapping): منصة تجمع سجلات خرائطية لموارد الطاقة الشمسية والريحية إضافة للسجلات المساحية للموارد، بتعاون بين المعهد ومركز الطاقة الخضراء، وجامعة محمد السادس متعددة التقنية، ومدرسة Mines-ParisTech، وشركة Tansvalor.

نظام إنتاج وتخزين وتدبير الطاقة الكهربائية المنزلية “LiSOL’ : وهو نظام يوفر طاقة نظيفة ومستقرة وأقل تكلفة، وسهلة التركيب، يمكن من تخزين وإدارة الطاقة الخاصة لتقليل اعتمادها على الشبكة والتكيف المثالي مع احتياجات الاستهلاك وسعة التخزين.

كما تساهم جهود المعهد في تقدم مشاريع الطاقة المستدامة وفي تسريع الصناعات منخفضة الكربون ببلادنا من خلال تأهيل الموارد البشرية المحلية ذات التكون العالي من خلال تمكينها من ولوج منصات البحث والابتكار في إطار تداريب نهاية التكوين بأسلاك الهندسة والماستر وفي إطار تشغيل الباحثين في سلك الدكتوراه خلال مدة إنجاز أطروحاتهم، ويساهم معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة كذلك في دعم الابتكارات للحصول على براءات اختراع وإنشاء مقاولات ناشئة لتسويق المنتجات والخدمات المنبثقة عن تثمين البحوث في التكنولوجيا المستدامة.

كيف يمكن للبحث العلمي أن يساهم في تخفيض تكلفة الكهرباء المنتج عبر مشاريع الطاقة المستدامة؟

بالإضافة إلى توفير خبرات وموارد بشرية محلية للاشتغال على المشاريع المندرجة تحت الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي، يساهم البحث العلمي عبر جامعات المملكة في إيجاد حلول مبتكرة لتصنيع أنظمة لإنتاج كهرباء مستدامة منخفضة التكلفة من خلال ابتكار طرق جديدة لتصنيع مكونات سلاسل القيمة، كالألواح الشمسية الكهروضوئية وأنظمة الطاقة الشمسية الحرارية وبطاريات التخزين، من مواد أولية متوفرة محليا ومنخفضة التكلفة من شأنها أن تساهم في توطين صناعات محلية تنافسية تعوض استيراد مواد من خارج الحدود قد تساهم ندرة موادها الأولية وكلفة نقلها في الرفع من كلفتها.

بالإضافة لأنظمة إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، تمكن أعمال البحث والابتكار في مجالات النجاعة الطاقية والبناء المستدام والشبكات الكهربائية الذكية ورقمنة الأنظمة الطاقية من المساهمة الفعالة في خفض سعر الكيلوواط-ساعة من الكهرباء عبر تقليل استهلاك الكهرباء في المصانع والمساكن وفي قطاعات الفلاحة والإنارة العمومية وكذلك النقل الكهربائي، وذلك من خلال عمل الباحثين على إيجاد حلول مبتكرة للحصول على خدمات بنفس مستوى الجودة والكم بأقل استهلاك ممكن للكهرباء.

وعلى سبيل المثال، في قطاع السكن، يشتغل الباحثون على تطوير مواد بناء عازلة للحرارة متوفرة ومصنعة محليا، مما يخفض من نسبة استخدام أجهزة التكييف المستهلكة للطاقة الكهربائية، الشيء الذي يمكن من تخفيض فاتورة الكهرباء مع الحصول على نفس درجة الحرارة التي يحتاجها القاطنون سواء في فصلي الشتاء أو الصيف.

وبالنسبة لإشكال خضوع تكلفة الكهرباء لتقلبات أسعار المصادر الأحفورية، فإن خارطة طريق المملكة المغربية للهيدروجين التي أصدرتها وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وساهم معهد IRESEN في صياغتها، تتضمن إجراءات تتمحور في دعم البحث والابتكار وربطهما بالتصنيع بهدف الحصول على أنظمة منخفضة التكلفة عبر مجمل مراحل سلسلة قيمة لإنتاج هيدروجين منخفض الكربون بكلفة تنافسية.

هذا الأخير من المرتقب أن يشكل رافعة لاستعمال أكبر وأنجح للطاقات المتجددة، خاصة الشمسية والريحية، نظرا لاستعماله في تخزين الكهرباء في محطات إنتاج عالية القدرة، مما يساهم في نفس الآن من تخزين فائض الطاقة خلال فترات ذروة الإنتاج في خلايا وقود لهيدروجين منتج محليا، هذا الأخير من شأنه أن يعزز الباقة الطاقية المغربية، كل هذا سيؤدي لإنتاج طاقة كهربائية منخفضة التكلفة ومستدامة في نفس الوقت.

من موقعكم ما تقييمكم لتقدم مشاريع الطاقة المستدامة بالمغرب؟ وكيف تردون على انتقادات حول تأخر بعضها؟

حقق المغرب مسارا تراكميا جد مشرف في اتجاه تحقيق انتقال طاقي مستدام عبر مراحل متتالية، وذلك في سياق مساعي المملكة نحو تحقيق سيادة طاقية واستقلال عن الاستيراد الخارجي للطاقة الأحفورية الخاضعة لتقلبات الأسعار.

فموازاة مع استكمال سياسة بناء السدود التي انطلقت تحت قيادة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، ازدهرت مشاريع للطاقة الريحية  خلال العشرية الأولى من عهد الملك محمد السادس حفظه الله، وتحت القيادة الرشيدة لجلالته، أطلقت المملكة خلال عام 2009 استراتيجية طاقية مرتكزة على الطاقة الشمسية الحرارية والكهرضوئية تهدف إلى تحقيق نسبة %52 من حصة الطاقات المتجددة في الباقة الطاقية المغربية في أفق سنة 2030، أبرز مشاريعها محطات نور بمدينة ورزازات التي تبلغ قدرتها 580 ميغاواط، والتي تعد من أكبر محطات الطاقة الشمسية عالميا.

مع الاستمرار في بناء محطات ريحية جديدة أهمها محطة طرفاية التي تفوق قدرتها 300 ميغاواط، إضافة لأنظمة لتخزين الطاقة عبر ضخ المياه (Pumped storage hydropower)، كما تم إصدار العديد من القوانين والمراسيم لتنزيل الإصلاحات في المشهد الطاقي، إضافة إلى إحداث مؤسسات لتعزيز الحكامة في تدبير المنظومة الطاقية للمملكة.

وقد لعبت هذه المنجزات دورا أساسيا في تموقع المملكة عربيا وإفريقيا باعتبارها بلدا رائدا في الانتقال الطاقي المستدام، وساهمت في تحويل المغرب من مستورد صاف إلى مصدر صاف للكهرباء لأول مرة عند نهاية عام 2018.

واستكمالا لهذه المنجزات، تنكب وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة على تحديث الاستراتيجية الطاقية للمملكة بطريقة شمولية، وذلك تفعيلا للتوصيات التي صدرت في تقارير مؤسساتية ساهم في صياغتها مختلف الفاعلين في القطاع، وعلى رأسها النموذج التنموي الجديد الذي جاء به جلالة الملك محمد السادس نصره الله، والذي تضمن حيزا كبيرا لقطاع الطاقة، وكذلك مواكبة للمتغيرات العالمية خلال الفترة الأخيرة التي طبعتها تداعيات الأزمة الصحية لجائحة كوفيد-19 وتلتها تداعيات الحرب في أوكرانيا.

ويهدف هذا التحديث إلى مواصلة المسار التراكمي الذي حققته المملكة، عبر صياغة مخططات استراتيجية بهدف ضمان استمرار تموقع المملكة في ريادة مجال الانتقال الطاقي المستدام عبر تأقلمها مع الفرص الجديدة التي تؤهل المغرب ليصبح بلدا رائدا في إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر ومشتقاته. في هذا الإطار أصدرت الوزارة الوصية خارطة طريق الهيدروجين الأخضروخارطة طريق للتثمين الطاقي للكتلة الحيوية (Biomass) بتعاون مع مؤسسات القطاع ومن ضمنها معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة (IRESEN)، ويجري الاشتغال على مخططات استراتيجية أخرى أبرزها متعلق بالنقل الكهربائي والمستدام.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع مدار21 لمعرفة جديد الاخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.