سياسة

أمام توالي الحملات ضد الفرنسية.. هل باتت الفرنكوفونية تحتضر بالمغرب؟

العديد من المؤشرات باتت تؤكد أن الوضعية المريحة التي طالما تمتعت بها اللغة الفرنسية بالمغرب لم تعد كما كانت في السابق، أمام توالي الحملات الرافضة للتدريس بها وتوجه المؤسسات الرسمية إلى الانفتاح أكثر على اللغة الإنجليزية.

جزء من هذا الرفض الشعبي للغة مستعمر الأمس تمظهر في خوض نشطاء مغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي حملة رقمية بعنوان “نعم للعدالة اللغوية في المغرب ولا للفرنسة”، تدعو للابتعاد عن استخدام الفرنسية في مجال التعليم والإدارات والتداول العام، عبر استخدام مجموعة من الوسوم، من بينها “المغرب ليس مقاطعة فرنسية”.

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بدورها التقطت الإشارات، إذ من المرتقب أن تنفتح الجامعة المغربية خلال الموسم الدراسي الراهن على مزيد من الشعب الإنجليزية، وذلك بإحداث 10 إجازات جديدة و7 ماسترات، فضلا عن إنشاء دكتوراه في الطب، تدرس باللغة الإنجليزية.

ووفقا للخطة التي قدمها عبد اللطيف الميراوي وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، هذا الأسبوع، فإن حوالي 12531 طالبا سيتابعون الدراسة باللغة الإنجليزية في وحدة دراسية واحدة على الأقل خلال الموسم الدراسي 2022-2023.

وسبق لوزارة التعليم العالي في عهد الوزير لحسن الداودي، سنة 2016، أن أصدرت مذكرة تفرض على الطلبة في سلك الدكتوراه نشر مقال على الأقل باللغة الإنجليزية، واعتماد مراجع باللغة الإنجليزية في أطاريحهم الجامعية، وكذا ترجمة ملخصات بحوثهم إليها.

كل تقدم للغة الإنجليزية بأحد المجالات يفيد بالضرورة تراجعا للغة الفرنسية، التي باتت مصدر نفور مجتمعي وأكاديمي، بسبب ارتباطها بالإرث الاستعماري، وعدم مسايرتها للمستجدات العلمية والمعرفية، ما جعل الدولة الفرنسية بدورها تسعى إلى الانفتاح على اللغة الإنجليزية.

تزامن هذه الحملات الرقمية مع استمرار الأزمة الصامتة بين المغرب وفرنسا، التي برزت إلى السطح مع استخدام باريس ورقة الضغط عبر التأشيرات، جعل النقاش حول القطع مع الفرنسية يتخذ طابعا جديا أكثر.

كل هذه المستويات توضح أن اللغة الفرنسية باتت في تراجع مستمر بالمغرب، رغم البطء الذي تتسم به هذه العملية، وهو ما يجعل التوجه الفرنكوفوني يتراجع شيئا فشيئا لصالح توجه أنجلوساكسوني جاء متسلحا بالعلم والمعرفة، وقوة التجارة العالمية والاقتصاد، بشكل يربطه أكثر بالمستقبل.

الرفض قديم

ومن جهته، قال فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، في تصريح ل”مدار21″، أن تصاعد النقاش حول إنهاء وجود اللغة الفرنسية وهيمنتها على التعليم بالمغرب “ليس جديدا، بل إن الأمر قديم، ذلك أنه منذ الاستقلال وقبله خلال المرحلة الاستعمارية كانت الحركة الوطنية تبني نضالها ومقاومتها للوجود الفرنسي على رفض اللغة الفرنسية باعتبارها لغة استعمارية”.

وأضاف بوعلي أن اللغة الفرنسية “ظلت في مخيلة المغاربة على الدوام ليست هي لغة الأنوار والتحرر كما تُقدم ويُسوق لها في مجموعة من المنابر الثقافية والإعلامية، بل كانت دائما بالنسبة للضمير المجتمعي المغربي هي لغة الاستعمار ولغة صراعية”.

الفرنسية لم تعد لغة علم

وأوضح بوعلي أنه “في كل مرة تبرز حملات مشابهة تدعو الدولة إلى الاستغناء عن الاعتماد على هذه اللغة، لطبيعتها الصراعية، وأيضا لأن العديد من دول العالم اليوم تتجه إلى خارج منظومة الفرنكوفونية، فاللغة الفرنسية باتت تفقد في كل يوم مساحة وهوامش من هوامشها في المعرفة والتقنية”.

وقال رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية أنه “اليوم أصبح العلم يتحدث بلغات أخرى غير اللغة الفرنسية مثل الإنجليزية والصينية، والفرنسية لم تعد لغة العلم والمعرفة”، مشيرا إلى أن هذا الأمر تم التأكيد عليه من طرف الائتلاف خلال النقاش حول القانون الإطار للتعليم.

ولخص بوعلي الموقف قائلا “الذين ينافحون عن اللغة الفرنسية بالمغرب اليوم إنما ينافحون عن التخلف وعن التبعية للمركزية الباريسية”.

الانفكاك من الهيمنة

وأوضح بوعلي، في حديثه ل”مدار21″، أن الانفكاك من اللغة الفرنسية هو بداية الطريق نحو الانفكاك من الهيمنة الفرنسية على مقدرات المغرب السياسية والاقتصادية والمعرفية والثقافية والإعلامية، التي ما زالت جاثمة على قلوب المغاربة.

وأبرز مثال على وجود الهيمنة الفرنسية، وفق بوعلي، هو أنه “حتى توقيتنا وزمننا أصبح مضبوطا بزمن باريسي، فالساعة الإضافية جعلت حتى الزمن المغربي مؤقتا بالزمن الفرنسي”، داعيا إلى ضرورة التراجع عن الانصياع لهذه الهيمنة.

العودة نحو اللغة الوطنية

هذه الحملات، حسب بوعلي، هي “تعبير مجتمعي عن رفض هيمنة اللغة الفرنسية، لكن استبدالها باللغة الإنجليزية لن يحل الإشكال، لأن عدد من البلدان اعتمدت الإنجليزية وبقيت تعاني من التخلف وضعف النمو، لكن عموما فالانفكاك من اللغة الفرنسية سيفتح المجال أمام المغرب لاعتماد سياسة تعدد لغوي والانفتاح على لغات عالمية أكثر فائدة ونجاعة”، وفق رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية.

ويسترسل بوعلي “لكن إذا أردنا أن نطور مدرستنا ونهيئها للمستقبل فالمدخل الطبيعي هو اللغة الوطنية، وهي في الحالة المغربية اللغة العربية، التي يمكنها أن تكون مدخلا للتقدم والازدهار، وخارج هذا الإطار فكل لغة أجنبية ستبقى أجنبية، لكن عندما نوازن بين اللغات فاللغة الفرنسية ستكون في آخر السلم”.

الصراع الفرنسي المغربي

القضية ليست لغوية فقط، يضيف المتحدث، وإنما هي كذلك “قضية سياسية”، مشيرا إلى أن “الذين يطلقون هذه الحملات يعلمون أن الظرف يتسم بتغيرات استراتيجية وأن هناك صراعا ظاهرا وخفيا بين المغرب وفرنسا في مجموعة من الملفات الاستراتيجية، لذلك فتغير وجهة المغرب نحو مجالات استراتيجية أخرى، رهين بقدرة الدولة على تدبير مجموعة من الملفات، وفي مقدمتها الملف اللغوي”.

وأفاد بوعلي أن الدولة “أصبحت واعية بأن الحضور القوي للغة “موليير” لم يعد له أي مبرر، سواء في الإدارة أو الشارع العام”، مضيفا “صحيح أن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت، لكن في جميع الأحوال إذا كان هناك القرار السياسي والإداري فإنه سيفرض على الدولة وعلى النخبة الفرنكوفونية التوجه إلى لغات عالمية أهم”.

وقال بوعلي أن هذا لا ينفي أهمية اللغة الفرنسية باعتبارها جزء من الذاكرة الوطنية، ولغة نقلت لنا ثقافة الأنوار، لكن وجودها الاستبدادي والسلطوي يجعلها غير مؤهلة ليُهتم بها، بل أصبحت لغة أزمة وجزء من الأزمة التعليمية بالمغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.