بورتريه | سياسة

الخيام..”نسر أخضر” واجه خفافيش الإرهاب وكسر الجمود بين الأمن وصاحبة الجلالة

بعدما صارع المرض لمدة شهرين متتاليين، متمسكا بالحياة مُغالبا مصاعبها، استسلم عبد الحق الخيام، المدير السابق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية وأحد رجالات الدولة الأشداء، لقدر الرحيل عن الدنيا والذي كان ربما الأصلب والأقوى.

وعن عمر ناهز 64 ربيعا، ترجّل الخيام، عن صهوة الحياة فجر اليوم الثلاثاء، وهو يحمل في جعبته دولاب أسرار كبير، وربما أمانٍ لم تتحقق، لكن الرجل الفذ الفطن تمكن من تفكيك عدد كبير من الخلايا الإرهابية والعصابات الإجرامية، ومنع حمامات دماء بالجملة كانت تُهدد أمن واستقرار المملكة.

روح “النسر” تُحلق فوق القلعة الخضراء

الرجل “الداهية” عبد الحق الخيام، رأى النور بدرب السلطان في العاصمة الاقتصادية البيضاء سنة 1958، مرتع أنصار فريق الرجاء البيضاوي، حيث تنفس عشق المستديرة مع “النسور الخُضر”.

لم يخف الخيام، عشقه لفريق القلعة الخضراء، فمنذ نعومة أظافره اقترن حبه لكرة القدم بالرجاء البيضاوي، وسرى في عروقه شغف تشجيع القلعة الخضراء وترديد أهازيجها وشعاراتها الغناء بأعمق جوارحه.

واحتفل الخيام مرارا مع أنصار فريق الرجاء البيضاوي بتتويجاته، لعلّ آخرها البطولة التي حازها الفريق في عام 2020، حيث ظهر وهو يطفئ شمعة التتويج من فوق الكعكة الخضراء ويُردد الأغاني الاحتفالية للفريق ببهجة كبيرة.

وبرحيل الخيام، خيّم الحزن على القلعة الخضراء، حيث قدم نادي الرجاء الرياضي لكرة القدم، تعازيه في وفاة المدير السابق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، مؤكدا على لسان سعد التسولي، الناطق الرسمي باسم الرجاء الرياضي، الذي حضر مراسيم تشييع الجنازة أن الفريق فقد أحد أكبر وأهم مناصريه.

التسولي، وفي تصريح لـ”مدار21″، لم يخف حسرة الرجاء البيضاوي على هذا المصاب الأليم الذي “لم يُحزن فقط أنصار الرجاء، وأبناء درب السلطان فقط، وإنما المغرب بأسره”.

وأكد التسولي للجريدة أن الراحل يُعتبر من خيرة رجالات المغرب وأبنائه البررة الذين رحلوا بسرعة لكنّهم بصموا على إنجازات أمنية بالجملة ستُخلّد بمداد الذهب في كتاب التاريخ الوطني.

وحرص الناطق الرسمي باسم الرجاء على استحضار خصال الراحل الذي سهر على أمن البلاد، محتفظا “بتواضعه وأخلاقه النبيلة بالرغم من المناصب العليا التي تبوّأها”، بحسب التسولي، مضيفا “طيبوبة الراحل الخيام أسرت كل من عايشه والتقاه، ففي السر والعلن، كان يحرص الراحل على تقديم يد العون للجميع”.

كاسر الجمود بين الأمن والصحافة

يُعد عبد الحق الخيام من المسؤولين القلائل ممّن لا يختلف اثنان على تقدير حسن تواصلهم مع نساء ورجال الصحافة والإعلام في زمن “البرود” التواصلي، وبرحيله المفاجئ، سيترك أثرا غائرا في قلوب أبناء “صاحبة الجلالة”.

وفاة الخيام، الذي ارتبط اسمه ذهنيا بمكافحة الخلايا الإرهابية، لم تكن يسيرة على الصحافيين، بل كان خبر رحيله ثقيلا على الحروف والألسن الإعلامية.

وبدموع الحسرة والتأثر، نعت الصحافية بالقناة الثانية، مريم الرايسي الراحل، مؤكدة أنه منذ أول لقاء جمعهما في 2016، خلال استضافته بالقناة، تمكّن من حصد احترام الحاضرين وصداقاتهم.

وحرص الخيام الذي جمعته بالرايسي صداقة إنسانية ومهنية، دائما على تقديم النصح بكل حب وثناء، “مع الاهتمام بكل ما تنجزه من تقارير حتى تلك الأفكار والاستنتاجات التي كان يتقاسمها معها بكل ثقة لتنور عقلها” تقول مريم مثنية على طيبة الراحل وخصاله الحميدة التي لطالما أسرت القلوب.

ويُعد الراحل الخيام، الوجه المشرق للعهد الجديد لمديرية الأمن الوطني بحسب ما أكده الصحافي في أسبوعية الأيام محمد كريم بوخصاص، في تصريح لـ “مدار21”.

ويرى الصحافي بوخصاص أن الخيام كان “نموذجا” للمسؤول الأمني الذي نجح في كسر جمود التواصل بين رجال الأمن والمخابرات والصحافة، خاصة بعد تأسيس “البسيج”، ذلك أن طبيعة عمل جهاز الأمن والمخابرات يتسم بالسرية والتواصل المقيد بالبلاغات الصحافية.

وشدّد بوخصاص على أن الخيام كان متحدثا بارعا وحريصا على تنظيم ندوات صحافية كلما باشر المكتب التحقيق في قضية أمنية كبرى مرتبطة بالإرهاب والتهريب الدولي للممنوعات، ضمن توجه الانفتاح الذي تنهجه إدارة الأمن الوطني.

وأبرز بوخصاص، الذي حاور الراحل في أكتوبر 2017 لقرابة الساعتين في مكتبه، أنه تفاجأ بثقافة الرجل الواسعة، خاصة في مجال الاقتصاد، والذي جاء ربما من تكوينه الجامعي المتخصص في تسيير المقاولات والذي انتهى بحصوله على دبلوم الدراسات المعمقة قبل ولوجه سلك الأمن، وأيضا من إشرافه على التحقيق في جميع القضايا المالية الكبرى التي عرفتها المملكة في العقود الأخيرة، مثل اختلالات “بنك السياش” و”القرض الفلاحي” و”البنك الشعبي” و”ملف المطاحن”.

ومن الصور التي يحتفظ بها الصحافي بأسبوعية “الأيام” عن الرجل، حنكته في الرد على الأسئلة الحارقة والشائكة رغم حساسية منصبه، “حيث كان يمتلك قدرة على معرفة حدود ما يجب أن يقال وما لا يجب أن يذاع، ولعل ذلك كان أحد مقومات نجاح الرجل الذي لم يكن يخف الصرامة والجدية المطلوبتين في مسؤول أمني رفيع حتى عندما يتحدث عن نفسه وماضيه” يقول بوخصاص.

وتابع المتحدث: “رغم أنه وصل إلى أعلى المراتب الأمنية الاستخباراتية، فقد حافظ الراحل على تواضعه كابن الشعب وابن درب السلطان دون أن يتخلى عن الكاريزمة المطلوبة في المسؤول الأمني الرفيع المستوى”.

من جانبها، تأسفت الصحافية بجريدة “القدس العربي”، ماجدة آيت الكتاوي، لرحيل عبد الحق الخيام، مشيرة إلى أنه كان من أبرز رجالات الدولة، الذين قادوا أكبر جهاز مخابراتي لمحاربة الإرهاب بالمملكة، بحرفية ونجاحٍ عالٍ.

ووصف آيت الكتاوي، الراحل بـ “الرجل الاستثنائي”، موردة أن شخصيته الكاريزمية ظهرت بشكل جلي خلال الندوات الصحافية التي كانت تعقد بمقر المكتب المركزي للأبحاث القضائية والتي كسرت جمود ورتابة البلاغات الإدارية التي لطالما سادت العلاقة بين الأمنيين والصحافيين.

وتابعت المتحدثة بالقول: “كنت من أوائل الصحافيين الذين حضوا بتغطية الندوات الأولى لـ”البسيج” حين فتح أبوابه على مصراعيها في وجه الصحافة المغربية والدولية في خطوة لم نعتدها قبلا، وكان يعطي لكل سؤال حقه، ينتقي الكلمات بعناية فائقة، ويرسل رسائل واضحة وكذا مشفرة، واستضفناه بمقر جريدة ‘هسبريس’ ذات يوم من عام 2017، من أجل حوار مصور نقل على المباشر، كان في قمة نجاحه وثقته بنفسه وأناقته.. وتواضعه وأدبه الجم كذلك”.

مُدمر خفافيش الظلام

ولم يولد عبد الحق الخيام وفي فمه ملعقة من الذهب، فقد تدرّج طويلا في سلك الجهاز الأمني بعد تخرجه من المعهد الملكي للشرطة، وشغل مناصب عدة في مشواره المهني، مهّدت له الطريق لتسلم مقود “البسيج”.

وعمل الراحل بمصالح الشرطة القضائية في عدة مناطق أمنية بالدار البيضاء، حيث قضى فترة مهمة من حياته المهنية، إلى أن استقر بالفرقة الوطنية للشرطة القضائية، ليصبح رئيس الفرقة التي كانت تتكلف بالقضايا المعقدة والحساسة للدولة.

وتم تعيينه في الفترة الممتدة بين 2015 و2020، مديرا للمكتب المركزي للأبحاث القضائية بسلا، التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في المغرب، كما أشرف على القضايا المرتبطة بمحاربة خفافيش الظلام والتنظيمات الإرهابية، التي كانت تهدد أمن واستقرار المملكة.

وبفضل حنكة الرجل وإصراره على وضع حد للتطرف، تم تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية منذ إنشاء البسيج حتى أكتوبر 2020، تشمل اعتقال 1267 إرهابيا، وتفكيك 80 خلية، بما في ذلك 74 مرتبطة بتنظيم داعش، ويضاف إلى هذه الأرقام أيضاً 135 عائداً من صفوف داعش، من بينهم 113 من سوريا والعراق، و14 من ليبيا.

وكان عبد الحق الخيام، مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية سابقا، التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في قد تعرض لوعكة صحية في الشهور الماضية، وجرى نقله صوب مستشفى الشيخ خليفة بالدار البيضاء حيث كان يخضع للعلاجات الطبية المكثفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.