وجهة نظر

عنف الملاعب و الأسرة العرجاء

من غير الممكن أن تبقى على الحياد بخصوص ظاهرة العنف داخل الملاعب، فهي خطيرة جدا، وتستنفر لدينا تحليلات عميقة لمعرفة الأسباب.

بطبيعة الحال، لايعني تفسير الظاهرة تبريرا لها. فهي مدانة لأنها تعبر عن انحراف، فالعنف لا يمكنه تحت أي مسوغ أن يشكل سلوكا مقبولا، زد على ذلك أنه يعكس دائما انهيارات كبرى في مكان ما، ولذلك يكون أضعف الإيمان تجاه هكذا سقوط، هو أن نلوذ بالشجاعة الأدبية، ونتحلى بالصراحة، لنعري عن الجذور العميقة لهذا الوجه من العنف.  فتلك الخطوة الأولى الواجبة لأجل دحضه ثم علاجه.

المؤكد أن أكثرية هؤلاء المخربين هم شباب فاقد للبوصلة، لا يحوزون مرجعية توجههم، ولا يظهر لهم أفق يضنون به على الضياع،
من السهولة، أن نتحصن بتلك العبارات المسكوكة المألوفة، لنعزف النغمة السائدة المملولة، فنهرول كالعادة لاتهام التعليم، أو لنعزي المسؤولية بتعابير فضفاضة لضمور دور الأسرة، ولربما، قد نفضل في هروب إلى الأمام أن ننحنى باللائمة على دور الإعلام الرخيص، ومسلسلات العنف والتقتيل. كل هذه المروحة من الأسباب التقليدية مريحة لأنها لا تطلب منا بعد سردها سوى توجيه تلك المواعظ التي نعرف جميعا.

وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن ننسى من يتطرف في النقد، فيوجه سهامه إلى الدولة ملتحفا رداء الشعبوية، ليشهر على الملأ أن الغلاء وتدهور الأوضاع المعيشية هما سبب كل هذا الانفلات الخطير.

نعم، كل ما ذكرته هي عوامل وجيهة تتضافر مع بعضها، لتفسير جانب من هذا المنسوب المرتفع من الشراسة والعدوانية داخل الملاعب وفي محيطها. ولكنها في الحقيقة تبقى تفسيرات عامة يمكن ان تنطبق على أي جمهور من جماهير الكرة في العالم، مما يجعلها لا تسعف في بذل تشخيص خاص بحالتنا نحن المغاربة. فمثل هذا المهمة تستدعي منا أن نحفر عميقا في تربتنا الاجتماعية تنقيبا عن أعطابنا الخاصة.

ولعلكم تتذكرون جميعا وجيدا إضرابات التلاميذ إبان حكومة سعد الدين العثماني بسبب الساعة الإضافية، وخصوصا تلك الشعارات الساقطة التي رفعت آنذاك، والتي تردد صداها في العالم مستقلة وسائل التواصل الاجتماعي. شعارات، كانت تتطلب منا حينها أن نضع كل انشغالاتنا جانبا، وأن ننكب مباشرة على قراءتها ثقافيا واجتماعيا لاستخلاص المعاني الخطيرة التي كانت تنذر بها، ولكننا غضضنا الطرف، وفضلنا سياسة النعامة، إلى أن جعل هذا الإفلاس الأخلاقي يتحدانا، ويتكرر بقوة هذه الأيام أمام أعيننا وبشكل آخر هو عنف الملاعب. وهو ما أصبح يتهددنا بسقوط حر في اتجاه قاع القاع، إن اتسعت رقعته، ولم نجهد أنفسنا في تشخيص أسبابه أولا، ووضع خطة العلاج له ثانيا.

من الواضح أن العنف الذي تعبر عنه مباريات كرة القدم ليس سوى فائض طاقة فوضوية غير عقلانية، يدل تصريفها بهذا الشكل المضر بالمجتمع، على أن هؤلاء الشباب والأطفال المتورطين إنما يعانون من خصاص مهول في التأطير. والاحتواء، وأنهم شباب ضائع لم يخضع لتنشئة مجدية، فخرج عن الطوق نبتة منحرفة مائلة.

أليس كلنا يقر في لقاءاتنا أن الشباب وخصوصا منه الأطفال واليانعون قد تركوا وحيدين لحال سبيلهم؟، وأن هذا الإهمال الذي يكاد يصير نهجا، هو في عمقه نتيجة لتأثر شبابنا باستقالتين اثنتين، أو بإقالتين اثنتين.

الأولى، همت المثقفين الذين ابتعدوا عن الفعل، وفقدوا إيمانهم بأنفسهم، وغزتهم الشكوك حول قدرتهم على إحداث التغيير، فتكيفوا مع موجة التفاهة الغالبة، ولم يعد يهمهم أن يقودوا أو يلهموا المجتمع.

عد أن رأووا كيف كسدت إنتاجاتهم، واستحالت بضاعة مزجاة بتوحش الاستهلاك، وطغيان الماديات، وتشوه المفاهيم التي عاد ينظر لها ويصوغها لنا الآن التافهون على مواقع “الانحراف” الاجتماعي.

أسألكم، ماذا فعلنا إزاء روتيني اليومي الذي صار يمرغ الكرامة ويعدم القيم، ويقضي على تلك التقاليد الرائعة التي شكلت تميز المغاربة عبر التاريخ؟ لا شيء على الإطلاق، بل أصبح بيننا من يعتبر سوء الخلق ذاك من قويم الأخلاق، وضربا من ضروب حرية التعبير. فالانحراف حسب وعيه لما يأتي عبر الشاشات الإلكترونية هو حداثة وتطور وحق من حقوق الإنسان. إن هذه البلادة العجيبة هي التي تعجل بنشر كل هذا الإسفاف والابتذال والعنف الذي صرنا نكابده في الفضاء العام.

هذا، ولقد أدى تراجع المثقفين أيضا، لتراجع الأحزاب التي اضمحل دورها في تأطير الشباب، إلى درجة أنها أصبحت بدورها متفرجة بدون مشروع مجتمعي وبدون اقتراحات. مما يفتح الطريق فسيحا أمام الفوضى وحالة العماه المجتمعية التي ليس عنف الملاعب إلا أحد تجلياتها وبداياتها.

لقد أدت استقالة المثقفين إلى تشوه فهمنا لكل شيء: للحرية، للنضال، للاحتجاج، لطرق تحقيق الذات، للرياضة، لمعنى البطولة، والتميز، والتفوق. بل وتنصبت فوق ذلك في مجتمعاتنا مجموعات ضغط ريعية من غير المثقفين ممن تنصب المشانق الفكرية لكل من يتصدى لمهمة التصحيح. وهكذا وبفقداننا التدريجي للأسلحة الحامية التي يعول عليها، وتهاوي تحصيناتنا المنيعة، لم نعد ننتبه لما يبلعه أطفالنا على مواقع “الانحراف” الاجتماعي، حتى إذا افقنا على كل هذا الانحدار، وجدنا أنفسنا قد فقدنا قدرتنا على معاكسة التيار المائع الفوضوي المستقوي بالشعارات الحقوقية المحرفة المنمطة التي صارت تهدم مقومات الشخصية المغربية بتوظيف فهم خاطئ للكونية. ولأننا قد عدنا نهبا للتفاهة والخواء باسم الحرية، فقد صنعنا جيلا منحرفا جانحا فاسدا، ولي أن أسأل: كيف لنا أن نطالب المدرسة بضخ القيم، ونحن ندافع عن حق وسائل التواصل الاجتماعي في هدم نفس تلك القيم باسم حرية التعبير؟

كيف نقبل أن يكون التافهون قدوة لأبنائنا؟ بل وعرضنا فوق ذلك القدوات الحقيقية للتنمر والسخرية والتبخيس؟ لقد غابت من محيطنا النقاشات التي تميز عادة المجتمعات الجادة الطامحة للتطور والرقي، فكان أن حلت مكانها هذه الاصطدامات وهذا العنف المادي الذي نشكو منه.

تلك الاستقالة الأولى أما الثانية، التي ننكرها جماعة، ونعترف بها فرادى في قرارت أنفسنا، فقد أدت للغياب الممنهج للأب، الذي تمت عمليا إقالته بسبب تنامي معدل الطلاق والتفكك المريع للأسر المغربية الذي يفصل الآباء بالخصوص عن متابعة أحوال أبنائهم وبناتهم. ولذلك ليس صدفة أن نرى أن الأمهات المسكينات هن من يؤازرن أبنائهن الجانحين في المحن التي تتلو الشغب.  فالأسرة المغربية صارت الآن تقف على رجل واحدة بسبب هذا الإمعان في مساطر الطلاق التي بلغت مستويات قياسية دون أن نهب لإيقاف النزيف.

لم يعد الطفل ينشأ في ظل حضور الأب وصرامته، ولذلك لم يعد يتهيب القانون ولا سلطة رجل الأمن الذي يقر النظام. إننا نعاني الآن من نتائج الأسرة العرجاء التي تقف على رجل واحدة. لم يعد أطفالنا يتربون في كنف تلك الثنائية التي تفرضها الفطرة الإنسانية التي تقتضي مده بالحنان الوارف الذي تبذله له الأم، وإحاطته وصهره بالحزم الذي يطبع عادة الأبوة. ولذلك صرنا اليوم أمام أطفال وشباب كثر مدللين تتستر عليهم أمهاتهم، ولا يعلم آباؤهم بأحوالهم، شباب غير مؤهل للانضباط للقواعد الاجتماعية والسلوكية. شباب يعتقد ان كل شيء مباح له، فكونه قد أمن العقاب داخل الأسرة جعله يعتقد أن لا وجود لأي عقاب.

هذا الهجوم على الأسرة المتشبعة بالقيم التقليدية التي من ضمنها احترام الصغير للكبير، والحياء، والحشمة، وهذا الإفراط في قدح “الذكورية” الذي يصم آذننا كل يوم لأجل التمكين للأسرة “الحداثية”، هو في النهاية مجرد توظيف للمصطلحات لأجل تحقيق إذعان المجتمع لنموذج أسري غريب كان من أهم نتائجه حرب الكل ضد الكل، واحتدام الصراع بين أفراد الأسرة، وبعد ذلك عنف الفضاء العام، بينما لا وجود في الواقع لأسرة تقليدية وغير تقليدية. هناك فقط أسرة طبيعية تنجب لك جيلا سويا، وأسرة غير طبيعية تنجب لك شعارات رنانة وجذابة ولكنها تبتليك بجيل منحرف غافل، وعنيف. وعندما تنتفي هذه الأسرة الطبيعية، فإن الذي يغيب فيها ليس الذكورية بل الأبوة. وعندما تغيب هذه الوظيفة التي لا يستوي النشء الصالح إلا بها في تماهى مع وظيفة الأمومة طبعا، يكون ذلك مدمرا للمجتمع. غياب الأب أو تغيبه له تكلفة اجتماعية واقتصادية ونفسية باهظة جدا. تكلفة قد ندفعها من أمننا واستقرارنا، وربما من مستقبلنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.