خدمات

عنترة يتذكر الجامعي: المغرب فقد قامة صحفية كبيرة

رحم الله الصديق العزيز سي خالد الجامعي قديس الصحفيين، صاحب المقولة الشهيرة “مول المظل…”.

جمعتني بالفقيد خالد الجامعي علاقة صداقة متينة، البدايات الأولى لهذه العلاقة، كانت بمناسبة لقاء صحفي أجريته معه في مكتبه بجريدة “لوبنيون”، وكان خطابه قويا وجريئا، لا علاقة له بالخطاب السياسي لحزب الاستقلال، رغم أنه كان عضو لجنته التنفيذية. ومنذ ذلك الوقت نُسجت بيننا علاقة صداقة،  وكنا نلتقي كثيرا في الدار البيضاء، وقد سبق له أن شرّفني في بيتي وتعرّف على أفراد عائلتي الذين أعجبوا بعفويته وبساطته…

وقد تعددت اللقاءات بيننا أكثر بعد أن التحق الجامعي بجريدة “المستقل” وشقيقتها باللغة الفرنسية ” لانديباندنت” ككاتب رأي، حيث بدأ يكتب بشكل أسبوعي في ملفات سياسية ساخنة، رفقة بعض أساتذتي كعبد اللطيف أكنوش وعبد الرحيم العدناوي ومحمد كلاوي ومحمد أتركين. وبعد ذلك التحق بالمجموعة، الصحفي المتميز يونس العلمي.

علاقتنا تقوّت أكثر بعد أن اختاره أستاذي الدكتور عبد اللطيف أكنوش كعضو ضمن اللجنة العلمية لمناقشة أطروحة جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة بكلية الحقوق الدار البيضاء حول موضوع القرار السياسي بالمغرب.

كان الجامعي مبدئيا في اختياراته الفكرية والسياسية، وواضحا في خطاباته، وسلسا في أسلوب كتاباته. يدرك جيدا تضاريس النظام السياسي، ويعرف ألغام المخزن، وحربائية الفاعلين، ولا يؤمن بالخطوط الحمراء، ولا يهاب الآخر.

لكن كان بارعا؛ بل وفنانا في التعبير عن أفكاره وتمرير رسائله، كما كان إنسانا بمعنى الكلمة في سلوكاته، خلوقا وطيبا وصادقا في علاقاته، يجبرك على احترامه وتقديره.

لقد شكّل بالنسبة لجيل من الصحفيين، وأنا واحد منهم، نموذجا للصحافي السياسي والمثقف الحامل لقضايا المجتمع، وأيضا نموذجا للصحافي المناضل، لاسيما وأنه سبق أن اضطهد واعتقل في سنوات السبعينيات، وخضع للتعذيب وفق ما حكاه في كتابه “متهم حتى تثبت إدانته”، ونال كذلك حقه من مضايقات وزارة الداخلية آنذاك.

أتذكر أن وزير داخلية الملك الحسن الثاني أشاد، في أكثر من جلسة، بمواقف وشجاعة خالد الجامعي التي جمعته بوزير الدولة القوي من اصطدامات، سواء في موضوع الرسالة الشهيرة “شكون أنت..” أو بعد واقعة سفره إلى الجزائر.

إن الساحة الوطنية فقدت برحيل خالد الجامعي، صحفيا من طينة كبيرة، ترك وراءه تراثا نضاليا كبيرا. ولعل برقية التعزية التي بعثها الملك محمد السادس إلى عائلة الفقيد، تؤكد المكانة التي كان يحظى بها هذا الرجل من قبل أعلى سلطة بالبلاد:

“…صحافي مقتدر، ومناضل ومثقف ملتزم، مشهود له بالنزاهة الأخلاقية، والثبات على المبادئ، والصدق والموضوعية والمهنية العالية، سواء في كتاباته الصحفية، أو في مواقفه السياسية” (انتهى كلام النطق الملكي السامي).

رحم الله الفقيد الجامعي، وتعازينا الحارة ومواساتنا القلبية الصادقة، لأسرته الصغيرة وعائلته الكبيرة وكل رفاقه وأحبابه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.